نشر الدكتور فايز أبو شماله قصة واقعيه بعنوان حبيبي وسجني روى فيها قصة عطاف المقدسية التي بقيت صامدة اثني وعشرين عاما تثبّت بحبها خطيبها الأسير محمود الصفدي في غياهب السجن، وتزرع الأمل في نفسه أن النصر قادم والفرح قادم، وان ظلام السجن لن يخيم وان فجر الحرية سيتسامى، كان حبها اتصال محمود بالحياة، وبقايا الانسانية في قلبه، كان سلاحه لمواجهة السجان، كتبت له في رسالة: ‘حبيبي، وعمري وحياتي وعيوني وأملي وقلبي، إذا ضاقت عليك المعمورة، وصانعتك الأشواك والصعاب والأحزان، خذ قلبي إليك انيسا، خذ فكري إليك صديقا، وخذ يدي أقلع بهما الأشواك، أما إذا شعرت بالوحدة والفراق، فاعلم أن وجودي المرهف، وقلبي الحائر يجتاح الجو ليعيش ساعات حنان في خيالي، يتمنى أن تتحقق ولو بعد حين، أما المعنويات ففولاذ’. هذه القصة لها صداها في حياة كل الأسرى وتتعدد أشكال المأساة، فمن لم يفارق حبيبا فارق أهلا وأما وأبا وآبناء وكلهم فارقوا أرض الوطن الذي ضحوا من أجله بزهرة شبابهم فضيقه المحتل عليهم حتى أصبح زنزانة انفرادية أو جماعية لا يكاد ينفذ إليها ضوء الشمس!
ومع كل معاني الإكبار والشد على أياديهم وكل مفاهيم النضال والتحدي الذي مارسوه كان هناك معاناة إنسانية غير مسبوقة، وكانت على الأسيرات أشد، فالعدو الصهيوني لم يراعي فيهن إلا ولا ذمة ولا ضعفا ولا أنوثة ولا أمومة بل كان الضغط عليهن يشتد أملا أن يكون الانكسار والسقوط أسرع، ولما لم ينجح معهن شيء دخلوا عليهن من أعز وآلم المنافذ بالتفتيش العاري لانهم يعلمون أن ثلاثية الدين والأرض والعرض مقدسة في نفوسهن كانوا في الزنازين وعائلاتهم وإن كانوا أحرار يشاركونهم السجن ويزيد ألم البعاد وانسداد الأفق الا من رحمة الله والأمل به أن تصبح الأحكام المئوية بطرفة عين أياما تكتحل بعدها عيونهم بحرية أحبابهم مات بعض الأحباب في الانتظار خارج السجن وداخله وبعضهم شاب شعره ووهن عظمه الا أن عزيمتهم ما وهنت وظلت معارك أمعاءهم الخاوية تحاول إسماع من به صمم ومن تحجر قلبه، فهموا أن لمحنة السجن فقه تعامل وتصبر، وأن السجن مدرسة لها آداب وآفاق وعزائم على سنة يوسف عليه السلام فتحولت المحنة الى منحة خرج منها الحفظة والمتعلمون والمتزوجون والعرسان وانتصروا بإرادة الحياة على أغلال السجان، وربما استطاع العدو أن يحب الجسد ولكن الروح بقيت محلقة في ملكوت الله الذي كان يعطيهم زادهم وزوادتهم من الصبر والثقة به يوما بيوم ينتظرون فيه يسرا بعد عسر كان السجناء يضربون المثل داخل السجون وكان أهلهم يمثلون القدوة خارجه، وكأنهم كتيبة قتال لها مقدمة ولها مؤخرة وكليؤدي دوره، والسجين لا يدخل السجن الا وقد خلّف مجاهدين وراءه من أهله قد تدمع عيونهم أحيانا على لوعة الفراق ولكن قلوبهم راسخة على الإيمان بقضيتهم أسماء حامد زوجة الأسير القائد إبراهيم حامد يراها المرء وأولادها فيخجل أن ينظر في عيونهم، ينكسر لقصتهم فينظر لحياتهم فإذا هي متابعة وتمسك بما سجن الزوج والأب لأجله، وغفران الزامل ترضى حبا وطواعية أن تربط مصيرها بحسن سلامة الذي يعرف فضله وجهاده ويعرف كذلك في حساب البشر مدة محكوميته بمئات السنين، ولعمري إنهما يريان عرسهما قريبا كما ظنناه نحن بعيدا!! نخجل من ضعفنا أمام تجلدهم وكأننا نريد أن نلبسهم من ضعفنا ونوقن من قصصهم أن المأسور حقا من أسرته الدنيا وهواه والوهن والمحبوس من حبس قلبه عن ربه والإيمان بقدره هي أعراس منظورة سنشهدها في الأيام القادمة بإذن الله لن تكون ساحتها فلسطين فقط بل في امتداد قلوب آمنت وعملت لقضية الأسرى وكان الهناء في الدنيا بالأهل والولد يصعب عليهم وهم يعلمون أن هناك قلوبا منكسرة ودموعا منهمرة وبيوتا خاويه تنتظر جبرا من رب العزة يجريه على يد عباده المؤمنين، ولكنها أعراس بطابع مختلف وصفه محمود درويش فقال:
هذا هو العرس الفلسطينيّ.. في ليلة لا تنتهي.. في ساحة لا تنتهي.. لا يصل الحبيب إلى الحبيب.. إلاّ شهيدا أو شريدا.. كلّ شيء ينتهي من أجل هذا العرس.. مرحلة بأكملها أفاقت- ذات موت- من تدحرجها على بطن الهزيمة، وهناك شركاء في الفرح غابوا عن مشهد العيان ولكن أطيافهم ما زالت ترفرف حولهم في حواصل طير خضر منهم شيخ السجناء أحمد ياسين- رحمه الله- الذي شاركهم حياتهم سنين وسنين، ومنهم الشهداء الذين قضوا في عملية أسر الجندي، ومنهم أهل الأسرى الذين قضوا في انتظار حرية أبناءهم، ولعلهم أسمع وأحضر لعرس الحرية منا نحن الأحياء نعرف أن المرء يشرق بالدمع فهل يشرق كذلك بالفرحة وهل نتعود الفرحة في ربيع العرب بعد سنوات من خريف الإذلال؟ أما الخيارات فكلها بإذن الله مشرقة فهمها سجين آخر في القدم فخط للسجناء سياسة في التعامل مع حياة السجن وما بعدها فقال ابن تيميه’ مايصنع أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري أنّى رحت، فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة’. ستُفتح بوابة الحرية وتُقفل بوابة السجن وتبقى حلاوة الأجر وتُنسى مرارة الصبر ويبقى العهد هو العهد هنيئا أيها الأحرار.. ذهب السجن وثبت الأجر ان شاء الله.
د. ديمة طارق – طهبوب