لا فصل لجبهة لبنان عن غزة والـ1701 معلّق على مسارات نهاية الحرب

رلى موّفق
حجم الخط
0

تبدو المحاولات الدولية لفصل جبهة جنوب لبنان عن جبهة غزة ضرباً من الخيال، أقلّه في المدى المنظور. لن يكون ممكناً البحث عن سُبل التهدئة على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية قبل أن تتبلور الوجهة التي تسير عليها الحرب في غزة ونهايتها والحلول الممكنة فيها.
التحرُّك الفرنسي حول المطالبة بتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701 الذي ينصُّ على منطقة خالية من السلاح غير الشرعي في منطقة جنوب الليطاني، أي ما بين الخط الأزرق على الحدود الجنوبية مع إسرائيل وحتى مجرى نهر الليطاني، هو طرح سابق لأوانه، لكنه الطريق المفتوح أمام الجميع تفادياً لحرب مدمرة على لبنان، ومُكلفة على إسرائيل في آن.
اللبنانيون رأوا بأُمِّ العين حجم القتل والدمار اللذين أحدثتهما الآلة العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، ويعلمون علم اليقين أنَّ الحرب، إنْ وقعت فعلاً، فإنَّ مصير الجنوب والعاصمة بيروت سيكون كما هو مصير غزة وخان يونس قبل أن يُطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تهديده لـ”حزب الله” إذا ما اختار شنّ حرب شاملة.
في الأساس، أتى القرار 1701 بعد حرب تموز/يوليو 2006 بين إسرائيل و”حزب الله” التي دامت 33 يوماً، وهو قرار وافقت عليه الحكومة اللبنانية ومن خلفها “حزب الله”، وتضمن زيادة عديد قوات “اليونيفيل” في جنوب لبنان لضمان تنفيذه، لكن ذلك حصل جزئياً.

قواعد الاشتباك

يقول الوزير السابق طارق متري، في حديث صحافي، وهو الذي كان على رأس الدبلوماسية اللبنانية في تلك الحقبة، إنه بعدما قررتِ الحكومةُ برئاسة فؤاد السنيورة الموافقةَ على الـ1701 كان التوافقُ على أن يجلس الجيش اللبناني مع “اليونيفيل” لوضع قواعد الاشتباك، وكنا ندرك أن الجيش سيسأل “حزب الله” حول كل قاعدة. واتُّفق على قاعدة غير مكتوبة ولكنها من أكثر قواعد الاشتباك التي تمَّ احترامها منذ 2006، وهي “أن ما لا تراه غير موجود”، وهذا “ينطبق” على السلاح تحت الأرض وفي المستودعات وعلى المسلّحين تحت الأرض. بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، تبدّل الوضع وظهر سلاح تحت الأرض وفوقها. وهناك صعوبة في العودة إلى الواقع نفسه الذي كان سائداً قبل “طوفان الأقصى”.
لم يكن التغاضي عن خرق تنفيذ الـ1701 من جانب “حزب الله” وإسرائيل ليحصل دون غض طرف غربي، وأمريكي تحديداً. النقاط السبع، والتي كانت المرتكز للقرار 1701، تضمنت انسحاب إسرائيل حتى الخط الأزرق، ومن بلدة الماري وتلال كفرشوبا ومزارع شبعا، وتسليمها الى الأمم المتحدة إلى حين البتّ لمن تتبع سيادتها، لبنان أو سوريا، في مقابل منطقة خالية من السلاح والمسلحين جنوب الليطاني. وهذا لم يحصل عملياً، لكن الرغبات الدولية تتمثل في أن يتمَّ العمل الفعليّ على تطبيق ذلك في المستقبل.
فإذا حطّت الحرب أوزارها، ثمّة حل نهائي مطلوب للجبهة الشمالية لإسرائيل، ذلك لأن سكان المستوطنات هناك لن يعودوا قبل أن يتمَّ إبعاد مسلحي “حزب الله” بشكل دائم عن الحدود. ووزير الدفاع الإسرائيلي يرى أنَّ السبيل إلى ذلك دبلوماسي أو عسكري. والتعويل هو على أن يقوم الوسيط الأمريكي، آموس هوكشتاين، بوساطة لإنجاز ترسيم الحدود البرية بين إسرائيل ولبنان على غرار ما فعله عند ترسيم الحدود البحرية.
من الصعب الجزم بما إذا كان هوكشتاين سينجح بذلك أم لا. فـ”حزب الله” لا يستطيع إزاء بيئته وجمهوره، بعد سرديته حول تحرير فلسطين وحماية المقدسات ودحر العدو، أن يُقفلَ جبهة مشاغلة الإسرائيلي دعماً لغزة فيما الحرب لا تزال دائرة هناك، والجيش الإسرائيلي يُسوّيها بالأرض، وهو بما يُشكّله من ذراع إيرانية في المنطقة يُدرك أنَّ الانخراط في أي حل سياسي راهناً سيُخسّره وراعيه الإقليمي كلياً “ورقة التحرير” التي استثمر فيها طوال أربعين سنة.

نزع سلاح كل الميليشيات

في رأي الخبير السياسيّ وليد فارس، الذي عمل مستشاراً لحملة دونالد ترامب الرئاسية، أن “حزب الله” إذا طبَّق الـ1701 وانسحب إلى الداخل، فلن تعود لديه ذريعة لبقاء سلاحه، وسيبدأ اللبنانيون بالمطالبة بتطبيق القرار الدولي 1559 الداعي إلى نزع سلاح كل الميليشيات، ما سيؤدي إلى انهيار “الحزب” كميليشيا عسكرية. ويعتبرُ، كما كُثر من المتابعين، أن الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية هي ذات إيقاع تفجيري ملجوم، وأن لا مصلحة لإسرائيل في الانزلاق إلى حرب شاملة على تلك الجبهة، فيما هي تخوض حرباً على جبهة غزة، وتصبُّ تركيزها وجهدها العسكريّ على تلك الجبهة.
ويعزو توقيت التحرّك الدبلوماسي الأمريكي إلى مصالح اقتصادية، ذلك أنَّ الترسيم البحري أساساً والضغوطات التي حصلت من أجله كانت وراءها شركات أمريكية وأوروبية، وشركات تُفيد “حزب الله” وحتى شركات إسرائيلية. ويُشكّل مجموع هذه الشركات “لوبي إقليميّ عالميّ” لا يُريد فتح جبهة على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية ستفضي إلى المساس بالأمن الاقتصادي وتتسبّب بخسائر كبيرة، وهو ما يدفع بهذه “اللوبيات” الموجودة في واشنطن للضغط على الإدارة الأمريكية من أجل التحرّك لضمان الأمن والاستقرار والهدوء على الحدود، عبر بوابة الـ1701 دون التطرُّق إلى الـ1559.
الفشل في العودة إلى تسوية سياسية على الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية تُبعد “حزب الله” عن الحدود، سيقود إسرائيل إلى خيار قسري نحو الحرب، بعدما أصبحت أمام معضلة ضمان أمن مستوطنيها. ولكن الحسم بمآلات الأمور لا يزال مبكراً، رغم الاعتقاد السائد بأنَّ الولايات المتحدة وإيران تتفاديان الانجرار إلى الحرب الشاملة في المنطقة. فحتى اللحظة، ما زالت إسرائيل و”حزب الله” يلتزمان بقواعد الاشتباك، وخطوط التواصل غير المباشرة مفتوحة بين الجانبين لمنع اللعبة من الخروج عن الحدود المتّفق عليها.
حتى أنّ أمريكا التي جاءت بأساطيلها وبوارجها إلى المنطقة بمنطق الردع، تُمارس ضبط النفس حيال استهداف جماعة الحوثي الملاحة البحرية، وحيال ما تتعرّض له قواعدها في شرق سوريا وفي العراق والقصف الأخير على سفارتها في بغداد من قبل الميليشيات الموالية لإيران، حيث تردُّ في حدود الدفاع عن النفس، متجاهلة تهالك صورتها جراء تجرّؤ أذرع إيران عليها. فهي قادرة على احتواء “المناوشات العسكرية” ما دامت نجحت إلى الآن في حصر المعركة بين إسرائيل وحركة حماس في غزة، وتمنع تمددها إلى المحيط، بانتظار أن تمرّر فترة السماح المتاحة لتل أبيب حتى نهاية السنة لتحقيق انتصار ملموس يمكن تقديمه للمجتمع الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر أكثر من أي وقت في تأييد استمرار الحرب على غزة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية