لا كرامة لاهل غزة مع شعوب مستعبدة

حجم الخط
0

خضير بوقايلةمحكوم على الربيع الديمقراطي العربي أن يعم كافة البلاد العربية إذا أريد لهذه الرقعة من العالم أن تعيش حياة كريمة كما أراد الله لبني آدم أن يكونوا، فلم تعد لشعوب بلدان المنطقة أية قيمة سواء لدى حكامها أو على الساحة الخارجية. البلدان العربية بثوراتها صارت أشبه بسوق نخاسة تتداول عليها أنظمة الحكم بتواطؤ متفق عليه مع القوى الكبرى وفق اتفاق مصلحي بحت، اضمنوا لنا الاستمرار في الحكم والانتصار على شعوبنا وخذوا ما شئتم من ثروات بلداننا.

حالة الذل والهوان هذه التي تركّبت في نفوس العرب على مدى عقود هي التي جعلت المنطقة ملتصقة دائما بمؤخرة الركب رغم ما تزخر به من إمكانات مادية وطاقات بشرية قادرة على تحقيق المعجزات في كل المجالات. حالة الذل نراها الآن في عدد كبير من الدول العربية، في ليبيا التي يستمر ثوارها منذ أزيد من أربعة أشهر في انتظار دعم حاسم من سكان العاصمة طرابلس الذين فضلوا الخنوع على النهوض ضد الطاغية. حالة الذل نراها أيضا عند سكان دمشق وحلب الذين يرفضون التضحية بمصالحهم الشخصية الضيقة رغم مشاهد المنكر التي تفقأ أعينهم صباح مساء والتي يذهب ضحيتها إخوانهم الذين قرروا في لحظة يأس واعية أن يمزقوا حجاب الصمت الذي رضعوه جيلا بعد جيل. حالة الذل نراها أيضا عند الجزائريين الذين فضلوا اللعب مع نظام ما فتئ يبتزهم ويدوس كبرياءهم، وكلما حاولت مجموعة منهم التحرك لإزالة الظلم والهوان المسلط عليهم خرج عليهم من يقول لهم دعوا الأمور تغرق وتتعفن فهذه هي صفقتنا مع رجال النظام، ندعهم يبتزوننا ويضحكون علينا ويقطعون فينا كل خيط أمل مقابل أن يضمنوا لنا هدوءا نسبيا على الساحة الأمنية، هذا هو حال شعب الجزائر أو أغلبيته الذين لا يريدون أن يصدقوا أن بإمكانهم إذا أرادوا أن يقطعوا دابر النظام والإرهاب معا وأن يعيشوا حياة كريمة حرة.

حالة نفسية فرضت على الشعوب العربية التي عجزت لأزيد من خمسين عاما أن تدفع حكامها ومعهم القوى الكبرى من أجل حل قضية شعب فلسطين. حالة نفاق عامة بين الشعوب والحكام، شعوب تمارس في كل مناسبة حفلات غضب تنكرية ثم سرعان ما تتحول القضية إلى آخر الاهتمامات وأنظمة لا تتوقف عن التنديد والاستنكار والتهديد والوعيد ولا شيء غير ذلك مع أن في يد الجميع ما يكفي من قوة لكي يجبروا أكبر الدول على التنازل والرضوخ، لكن حالة الذل والهوان والمصلحة الضيقة تمنعهم من ذلك.

قبل فترة قصيرة اعتقد الجميع أن الحصار قد ضاق فعلا بإسرائيل وأن الفرج بدأ يطرق أبواب الفلسطينيين. زخم كبير وتعاطف غير مسبوق عرفته القضية الفلسطينية على المستوى العالمي بعد العدوان الإجرامي الإسرائيلي على قطاع غزة وبعد الاعتداء الدموي على باخرة الإنسانية مرمرة، وقد اعتقدنا لفترة أن غزة ستتحرر وأن سواحلها وحدودها البرية ستصبح مفتوحة ولن يعرف أطفال غزة بعد ذلك شيئا اسمه الحصار والجوع والفقر والأمية وحياة الرق والعبودية، أوروبا وأمريكا والعالم أجمع كان يخاطب إسرائيل بلهجة واحدة: حان الوقت لكي يشم شعب فلسطين نسائم الحرية والكرامة ولم يعد هناك مجال لذلك الحصار الظالم الذي فرضته إسرائيل على شعب غزة. ماذا حدث بعد ذلك؟ عرفت إسرائيل بخبرتها الكبيرة أن كل ذلك الصخب سيتلاشى بعد حين فسكتت وفسحت المجال لبعض الوقت لدخول السلع إلى غزة ثم هدأت الفورة وعاد كل العالم إلى طبيعته وعادت إسرائيل إلى عادتها متيقنة أنها لا تزال تلك الربيبة المحبوبة لدى كل الدول والمهابة من طرف الأنظمة العربية التي ربطت أمنها بأمن إسرائيل واستقرارها باستقرار دولة الاحتلال. ماذا تنتظرون بعد ذلك من أنظمة تعلن بملء فيها وأمام الملأ أن أمنها إسرائيل جزء من أمنها وأن مستقبل دولة العدو(كما تسميها هذه الأنظمة نفسها) مرتبط بمستقبلها؟ حكام ومتنفذون عرب يحذرون إسرائيل والقوى العظمى أنهم إن رحلوا وفق ما صارت تدعو إليه أجندة الشعوب فإنه لن يعود هناك ضمان لاستمرار دولة إسرائيل.

هل ما زلتم تذكرون تقرير غولدستون؟ ذلك التقرير الذي كاد يطلق فيه الشعراء قصائد عصماء وكان يدخل مناهجنا التربوية، بل كاد القاضي الجنوب إفريقي ذو الأصل اليهودي يتحول إلى أسطورة في الشارع العربي لأنه تجرأ وقال كلمة حق ضد إسرائيل وفضح ما ارتكبته من جرائم ضد الإنسانية على شعب أعزل محاصر، قامت الدنيا وقعدت وحدث ما حدث من فضائح قبل مناقشة التقرير على مستوى مجلس الأمن وحلّق بنا الخيال حتى صرنا نرى إسرائيل تدان على المستوى الأممي ومجرميها يساقون إلى المحاكم الدولية، كل ذلك وإسرائيل صامتة تنتظر انقشاع الغمامة. طبعا كانت تعمل في الاتجاه المعاكس في صمت وحزم حتى حدث ما جعلنا نقطع حلمنا الوردي. عاد الوعي التاريخي إلى القاضي غولدستون وكتب مقالا اعتذاريا إلى إسرائيل انتهى فيه إلى أنه لو تسلم المهمة الأممية الموكلة إليه مرة أخرى لما أعاد الخطأ الذي ارتكبه من قبل.

هل نلوم غولدستون على انتكاسته؟ قبل الإجابة على هذا السؤال علينا أن نجيب على سؤالين آخرين، ماذا فعل العرب لكي يحافظوا على ذلك الزخم، ولماذا لم يواصلوا الضغط الذي تظاهروا به من أجل تقديم مجرمي حرب غزة إلى المحاكمة أو على الأقل إدانتهم دوليا؟ غولدستون قدم للعرب مفتاحا من ذهب لكي يحلوا به قفلا من أقفال قضيتهم المحورية لكنهم فضلوا بالمقابل أن يتلهوا بذلك المفتاح وأن يذيبوه ليستحوذوا على ذلك الذهب لأنفسهم، وليعيش شعب فلسطين بعبارات التنديد والاستنكار والغضب.

سفينة الحرية مرمرة كانت مفتاحا آخر للعرب قدمه لهم شهداء تركيا لكي يحققوا اختراقا في صلب قضيتهم، لكنهم اختاروا الاستمرار في نهج الغوغائية والمهرجانات والخطب التي لا تنفع أهل غزة والقطاع في شيء. واليوم جاء دور سفينة الكرامة الفرنسية التي اقتادتها إسرائيل هي الأخرى إلى ميناء أشدود لتحتجزها هناك وتعيد ركابها إلى بلدانهم، من دون أن يتغير شيء في حياة أهل غزة. نحمد الله فقط أن اعتراض طريق سفينة هذا العام لم تسل فيه دماء بريئة طاهرة أخرى مثلما حدث مع شهداء مرمرة الذين نسيناهم بسرعة ولم نحقق أي اختراق يذكر في جدار القضية نعيد به شيئا من حق كل شهداء الحرية علينا.

لعل الأمل الوحيد والأخير في تغيير هذا الواقع المنكر هو أن تستعيد الشعوب وعيها وتنتفض على أعدائها في الداخل ثم ترسم لنفسها طريقا شريفا كريما بين الأمم بعد ذلك.

كاتب وصحافي جزائري[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية