لا.. لا لحكم العسكر

حجم الخط
0

لا..لا لحكم العسكر. ألم يكن هذا الشعار مطلب قوى الثورة المصرية أيام سيطر العسكر على مقاليد الامور في مصر، منذ تنحي الرئيس مبارك في الحادي عشر من شباط/فبراير 2011، وحتى فوز الرئيس محمد مرسي في الانتخابات في حزيران/يونيو 2012. عندما حصل الفريق شفيق على نسبة اقل قليلا من خمسين بالمئة من الاصوات في الانتخابات الرئاسية، علمنا أن الفلول لا يستهان بهم، وانهم لابد عائدون، وها هم قد فعلوا.
الفريق السيسي انذر الفريقين معطيا اياهم 48 ساعة، نفذ وعيده ولكن يبدو ان الانذار كان موجها للاخوان فقط. الرئيس مرسي اعلن رغبته في الحوار وتشكيل حكومة وطنية وتعديل الدستور، ورفضت المعارضة كل ذلك. جاء العسكر ليعاقبوا الرئيس، وليس المعارضة كما يتطلب المنطق.
البيان العسكري يدعو الى انتخابات رئاسية مبكرة. السؤال الذي يطرح نفسه هو، هل كانت هذه الانتخابات مزورة؟ لم نسمع احدا قال بهذا، اذا فأين المنطق في عزل رئيس منتخب بانتخابات نزيهة، حتى لو طالب 15 مليون توقيع بعزله، وهم أقل من 20′ من الشعب المصري، ثم ماذا لو فاز الاخوان مرة اخرى (مرسي او غيره) هل سيطالبون باعادتها مرة أخرى، وهل سيخرج الشعب مرة اخرى لاسقاط الرئيس ثانية وثالثة، حتى تفرز صناديق الاقتراع رئيسا على مزاج الاعلى صوتا في الشوارع. هل هذه هي الديمقراطية العربية الجديدة، على المقاس. العسكر يقولون انهم لن ينحازوا الا الى الشعب والناس. أليس المصريون الذين انتخبوا مرسي (اكثر من 50′) هم الشعب والناس أيضا؟ شيخ الازهر يقول انه قبل الانضمام الى المطالبين بعزل الرئيس (الانقلابيين) حقنا لدماء المصريين، حقأ؟ ها هي الاخبار العاجلة تتوالى على الشريط الاحمر المحتل للجزء السفلي لشاشة قناة الجزيرة. هذه الاخبار تؤكد سقوط القتلى والجرحى في مختلف المدن والمحافظات المصرية. لا يهم ان كانوا اخوانا أو معارضة فكلهم مصريون. أليس كذلك؟
العسكر الغوا الدستور (مؤقتا) الذي وافق المصريون عليه في استفتاء نزيه أيضا، ربما سيأتي الاستفتاء الجديد على مقاس جبهة الانقاذ (البرادعي وصباحي وموسى…) وحركة ‘تمرد’ وشباب 6 ابريل والفلول…. كاضافة مادة مثل: يمنع الاخوان المسلمون من الترشح للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، لانه ثبت فشلهم في ادارة الدولة، وحقنا للدم المصري الزكي ودرءا للفتن مثلا.
بدت قناة الجزيرة مهتمة بقرار اغلاق مكاتبها في القاهرة اكثر بكثير من اهتمامها بقرار عزل الرئيس. مسؤول خليجي يؤكد ان دول الخليج تقف على الحياد في الازمة المصرية. تصريح مثير للسخرية، ولا يخفى على احد الملايين (بل المليارات) التي اغدقتها الامارات والسعودية على المعارضة المصرية للاطاحة بنظام الاخوان. لم تمض ساعة واحدة حتى بادر العاهل السعودي بتهنئة الرئيس المصري الجديد (الذي لم احفظ اسمه بعد) رئيس المحكمة الدستورية العليا، الذي عينه العسكر بناء على الدستور المنحل لتوه. اما الامارات فقد اعلنت ارتياحها (وكأن كابوسا انزاح عن كاهلها). وبقيت اتابع قناة العربية (السعودية التي تبث من الامارات) لعلي اسمع واشاهد على شاشتها الاغنية الشهيرة، الليلة عيد! ولن أكل من الانتظار. الادارة الامريكية قلقة، على مين بالضبط، مش عارفين.
الرئيس محمد مرسي، لم تعجب المعارضة اي من قراراته واوسعتها قدحا وذما، حتى لو كانت المعارضة هي المطالبة بمثل تلك القرارات. امر مثير للتأمل فعلا، والامثلة كثيرة. قالوا لا لحكم العسكر فأقال طنطاوي فاشبعوا مرسي نقدا. قالوا ان القضاء مرتع للفلول، غيّر النائب العام واخرين فانهالوا عليه بالشتائم لانه يتدخل بسلطة القضاء التي يجب ان تبقى مستقلة. بالكاد اكمل سنة من فترة رئاسته فاتهموه بالفشل، لانه عجز عن حل مشكلات الماء والكهرباء والغاز والعيش، والمواصلات والسكن والتعليم والصحة والامن وازمة المرور الخانقة، والتسيب الامني في سيناء والفقر والبطالة والعشوائيات والحدود والقضاء الفاسد والفساد الاداري، والاقتصاد المنهار والسياحة والزراعة والتصنيع وأزمة مياه النيل (والسد الاثيوبي) وديون مصر المتفاقمة، وهجرة الكفاءات وكامب ديفيد. سنة كاملة من الحكم! وكيف لا يستطيع حل هذه المشاكل البسيطة (للغاية) الموروثة من مبارك وحزبه الوطني. عجبا لهذه المعارضة وقد صبرت على مبارك ثلاثين حولا كاملا واستكثروا حولا واحدا على مرسي المسكين. اين كانت هذه التوقيعات والاعتصامات والملايين، ألم تكن تعرف الطريق الى ميدان التحرير بين 1981 ـ 2010 ؟ أم ان الفلول تتستر وراء ما يسمى الان المعارضة.
في بلدان العالم المتحضر، يعزل الرئيس اذا ثبت قانونيا انه خالف القانون او الدستور او ثبت انتهاكه للاخلاقيات العامة، او اضّر بالامن القومي (ومرسي لم يقترف ايا منها). الجماهير لا تخرج الى الشوارع لتعطل اقتصاد البلد، والجيش لا يتدخل بالسياسة. أما في بلادنا فالجيش ينصب نفسه ولي الامر للشعب والامة، يتدخل كما يشاء ومتى شاء. يعزل وينصّب، لانه فوق القانون. ولطالما بقينا نخرج الى الشوارع نصفق ونهتف للعسكر، فلن ننعم ابدا ونتذوق طعم الديمقراطية الحقيقية الا عندما يقف العسكر في ثكناتهم على الحياد، بعيدا عن السياسة، ولا تستغيث بهم الجماعات السياسية المتنازعة، ساعتها فقط نهتف ونعي ما نقول: لا لا لحكم العسكر، عندها فقط نكون قد تعلمنا اول حروف ابجدية الديمقراطية، وننتقل الى مراتب العالم المتمدن، ترى كم سيستغرق هذا من السنين، بل العقود؟
كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية