هاجس ترامب الوحيد في الشأن اللبناني تدمير حزب الله
واشنطن-“القدس العربي”:أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حالة من الارتباك بعد الانفجار الدامي في مرفأ بيروت، إذ قال في سلسلة من التصريحات المثيرة للجدل إن الانفجار كان عبارة عن “هجوم” ولكن وزير الدفاع مارك إسبير سارع للتوضيح في وقت لاحق أن الانفجار الضخم جاء نتيجة لحادث على ما يبدو. ولم يجد البيت الأبيض تفسيراً لهذا التناقض إلا بالإشارة إلى أن “الوضع يتطور بسرعة، وأن معلومات مختلفة ظهرت إلى النور خلال فترة قصيرة”.
واتفق المتحدثون باسم البيت الأبيض ووزارة الدفاع والخارجية على أنه “لم يتم التوصل بعد إلى أي سبب للانفجار، وأنه سيتم تقييم المعلومات الواردة باستمرار” مع الإشارة إلى أن الولايات المتحدة ستترك للحكومة اللبنانية القيام باستكمال تحقيقاتها والتوصل إلى استنتاجات، مع استعداد أمريكي للمساعدة، كما عارض العديد من المسؤولين الأمريكيين دعايات ترامب وقالوا إنه لا يوجد أي مؤشر على أن الانفجار كان هجوماً كما وصفه الرئيس الأمريكي.
وفي الواقع، لم تكن تصريحات ترامب “عفوية” كما لاحظ العديد من المحللين الأمريكيين، إذا كانت لديه رغبة ملحة في تحميل حزب الله نوعاً من المسؤولية عن الانفجار، ويمكن رصد ذلك من تعليقات ترامب وأنصاره، وتركيزهم على أن معظم عمليات مرفأ بيروت كانت تحت سيطرة حزب الله مع دعايات ومزاعم واسعة النطاق حول “شبكة جريمة منظمة” تابعة للحزب حول الميناء، وادعاءات أخرى حول تخزين أسلحة أو عمليات تسليم.
واستنتج المحللون الأمريكيون أن مزاعم اليمين الأمريكي بخصوص علاقة الحزب مع الانفجار واهية للغاية، وتبدو سخيفة بالنسبة للخبراء، ولكنهم لاحظوا أن الهدف في نهاية المطاف هو استغلال الكارثة لدفع حزب الله إلى دائرة الضوء مرة أخرى، باعتبار لبنان نقطة اشتعال متنامية للتوترات الجيوسياسية، مع التركيز على أنشطة الجماعة وعلاقاتها مع إيران في المنطقة.
وأشار المحللون إلى “الإشاعات المجنونة والمعلومات المضللة” حول الحادث، بما في ذلك الرسائل النصية التي كانت تحذر الناس للبقاء في بيوتهم لأن “حزب الله لا يريد احتجاجات” كما روجت وسائل إعلام أمريكية يمينية، من بينها “فوكس نيوز” لمعلومات تقول إن العديد من قتلى الانفجار كانوا من “حزب كتائب حزب الله” في العراق.
وقد تسببت نترات الأمونيوم، وهي السبب الواضح حتى الآن لانفجار الميناء وفقاً للتقديرات الأولية للحكومة اللبنانية، في مجموعة من الانفجارات العرضية الفتاكة في العالم، بما في ذلك انفجار في ولاية تكساس عام 1937 أدى إلى مقتل 580 شخصاً، كما تم استخدامها في عدد من التفجيرات، بما في ذلك تفجيرات اوكلاهوما سيتي في عام 1995.
وبالنسبة للعديد من المحللين الأمريكيين، فإن انفجار الميناء الذي دمر مساحة كبيرة من بيروت، هو مجرد حلقة من سلسلة أزمات ضربت لبنان في العام الجاري، حيث يبدو الاقتصاد في حالة من السقوط مع أزمة مصرفية إلى جانب جفاف المساعدات الدولية، مما دفع أبناء الطبقة المتوسطة نحو الفقر، ولكنهم شددوا، أيضاً، على أن الجشع الضيق طغى تماماً على أي شعور بالصالح العام علماً بأن السياسة اللبنانية كانت لفترة طويلة تتعلق بحماية الإقطاعيات الطائفية.
ومن المفترض في بيئة طبيعية، كما يضيف الخبراء، ان تحاول الولايات المتحدة وحلفاء وشركاء واشنطن المسارعة لمساعدة لبنان للابتعاد عن الهاوية وتجنب أن يصبح دولة فاشلة، ولكن هناك القليل من الأدلة على أن الولايات المتحدة لديها القدرة أو النية لتنظيم مثل هذا الجهد الآن.
وهناك أسباب كثيرة للحزن على خسائر لبنان في الأيام الأخيرة، بخلاف الخسائر البشرية المرعبة، إذ تغلب لبنان على الكثير من المآسي من قبل، من معارك الوكالة والحرب الأهلية المدمرة، وأبدى الشعب طوال الوقت المرونة ولكن، على حد تعبير العديد من المحللين الأمريكيين، فأن صبرهم على وشك الانتهاء.
وأشار محللون أمريكيون إلى أن السبب الدقيق لانفجار الميناء ليس معروفاً حتى الآن، ولكن الأدلة تشير إلى نترات الأمونيوم المخزنة بشكل غير صحيح، وحسب ما لاحظه الخبراء، فقد فشلت الحكومة اللبنانية منذ فترة طويلة في التنظيم، وكان من أبرز علامات ذلك فشل شركة الكهرباء الحكومية في توفير الكهرباء بشكل معقول، مما أدى إلى خلق صناعة المولدات لمصلحة بعض رجال الأعمال، واتضح كذلك أن النظام المصرفي ليس أكثر من إطار هش.
وقد تلقى لبنان مساعدات كبيرة من الولايات المتحدة وفرنسا ودول الخليج، وتعهد مؤتمر دولي بتقديم حوالي 11 مليار للبنان شريطة تنفيذ سلسلة من الإصلاحات، ولكن لم يتم تنفيذ الإصلاحات ولم يتم تقديم المساعدات، ولكن الأمر المهم بالنسبة للولايات المتحدة، كان وما زال إبعاد حزب الله عن ممارسة أي نوع من النفوذ في البلاد، وخاصة على الحكومة اللبنانية.
وأعرب مسؤولون أمريكيون عن مخاوف من وصول المساعدات التي أرسلتها واشنطن للبنان بعد الانفجار إلى حزب الله، في حين أشار العديد من المسؤولين إلى “العملية المعقدة” للمساعدات بسبب دور الحزب في كل من الحكومة اللبنانية وفي نسيج المجتمع اللبناني، كما ردد بعض صناع السياسية مخاوف الإدارة بشأن وصول المساعدات لغير المحتاجين، مع إشارة خاصة إلى استلام الحزب لمقاليد وزارة الصحة في وقت سابق من هذا العام.
ومن الصعب تخيل كيف يمكن أن تتمكن الحكومة اللبنانية الحالية من النجاة من تداعيات انفجار الميناء، كما قال الباحث جون الترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، مشيراً إلى أن أحد خيارات غياب استقالة الحكومة هو الغرق في الفوضى وانزلاق لبنان إلى دولة فاشلة.
ولكن ماذا سيحدث لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة إذا حدث ذلك؟ إجابة خبراء واشنطن تركز كما هو متوقع على أن انهيار لبنان في الوقت الحاضر سيعرض كيان الاحتلال الإسرائيلي للخطر، لأن يد حزب الله ستطول في الجنوب وستبدأ حرب وكالة جديدة في المنطقة، وعلى الأرجح، إذا لم يتم احتواء الصراع المتجدد في لبنان، فإن الاضطرابات ستتدفق إلى الشرق الأوسط والعالم، ولكن الخبراء أكدوا على أن الفرصة ما زالت مواتية لواشنطن والعالم لدفع ساسة لبنان نحو الإصلاحات.
على أية حال هناك شبه اجماع لدى مراكز البحوث والدراسات في واشنطن على أن إدارة ترامب لم تُظهر أي نوع الاهتمام بلعب دور جيد في لبنان امتداداً لقاعدة “قرار أمريكا بالذهاب إلى الشرق الأوسط كان أكبر خطأ منفرد في التاريخ الأمريكي” مع الإشارة إلى أن المناقشات ستكون غالباً بين فرنسا وبريطانيا ودول الخليج بشأن لبنان، ولكنها كما يضيف الخبراء، ستبقى مفاوضات صعبة وطويلة.
احتمالات قيام جهود أمريكية لمساعدة لبنان تبدو منخفضة للغاية، وهاجس ترامب الوحيد في الشأن اللبناني هو تدمير حزب الله فقط، وفي الواقع، لا توجد أي مؤشرات على أن الولايات المتحدة ستلعب دوراً مركزياً في الأزمة، على الرغم من أن تداعيات فشل لبنان قد تلاحق الولايات المتحدة وحلفاء وشركاء واشنطن لسنوات مقبلة.
وفي نهاية المطاف، من الواضح أن هذه الأحداث ستدفع لبنان إلى مزيد من الفوضى السياسية والاقتصادية، في الوقت الذي تقترب منه البلاد بالفعل من حافة الانهيار.