لا موقف حاسم للجيش بخصوص مقترح الهدنة الأمريكي

حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: يواصل مجلس الأمن والدفاع السوداني دراسة مقترح أمريكي لوقف إطلاق النار وإقرار هدنة إنسانية في البلاد، من دون أن يحسم موقفه النهائي بالقبول أو الرفض، في وقت دعا فيه إلى استمرار التعبئة العامة للقضاء على قوات «الدعم السريع»، متهماً المجتمع الدولي بالتقاعس عن تنفيذ قرارات الأمم المتحدة الخاصة بمنع إمداد دارفور بالسلاح وفك الحصار عن مدينة الفاشر.
جاء ذلك خلال أول اجتماع للمجلس عقد في الخرطوم مساء الإثنين برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، بعد سقوط مدينة الفاشر، وعلى خلفية جهود إقليمية ودولية تقودها الولايات المتحدة لإقرار هدنة إنسانية تمهيداً لبدء مفاوضات سياسية لحل الأزمة السودانية.
وقال وزير الدفاع، حسن كبرون، في تصريحات صحافية عقب الاجتماع، إن المجلس بحث ما وصفها بـ«جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي» التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر، مشيراً إلى تشكيل لجنة وطنية من جهات الاختصاص لبحث الوضع الإنساني.
وأكد أن المجلس رحب بالمبادرات الساعية لتحقيق السلام، ووجّه الشكر لمستشار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، مسعد بولس، على جهوده في دعم مسار السلام في السودان.
وشارك في الاجتماع كل من أعضاء مجلس السيادة، ورئيس الوزراء، ورئيس هيئة الأركان، ومدير هيئة الاستخبارات، ونائب مدير جهاز المخابرات العامة، ووزراء الدفاع والمالية، إضافة إلى حاكم إقليم دارفور.
ورغم التوقعات بأن يخرج المجلس بقرارات حاسمة بشأن المقترح الأمريكي حول هدنة لمدة 3 شهور تمدد لـ9، اكتفى البيان الختامي بالترحيب العام بجميع المبادرات من دون إعلان موقف واضح من الهدنة.
وحسب معلومات حصلت عليها «القدس العربي» من مصدر مطلع، فإن مجلس الأمن والدفاع لا يزال يعمل على صياغة موقف تفصيلي سيرسله إلى الإدارة الأمريكية، موضحاً أن الرد السوداني سيركز على تنفيذ اتفاق جدة الموقع في مايو/أيار 2023، وخروج قوات «الدعم» من المدن، إلى جانب وضع آليات لمراقبة الهدنة وتنسيق وصول المساعدات وتعزيز القوات الحكومية.
في المقابل، أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت أن «الوضع في السودان معقد للغاية»، مشيرة في مؤتمر صحافي الثلاثاء إلى أن أي حل مستدام «يتطلب مشاركة جميع الأطراف المعنية»، وأن واشنطن «مستمرة في جهودها الدبلوماسية بالتنسيق مع شركاء إقليميين لإنهاء العنف وتحقيق سلام يقوم على التفاوض، ويعالج الأزمة الإنسانية والسياسية القائمة».

تفاصيل المقترح الأمريكي

ويقترح إعلان المبادئ الأمريكي هدنة إنسانية في جميع مناطق السودان، تتضمن التزام الجيش والدعم السريع بحسن النية، مع وضع ترتيبات لفصل القوات، وضمان وصول آمن للمساعدات الإنسانية دون قيود، إضافة إلى إنشاء لجنة مشتركة لتنسيق الهدنة وتقديم تقارير دورية عن أي انتهاكات محتملة.
وقبل انعقاد اجتماع مجلس الأمن والدفاع، سادت حالة من الجدل في الأوساط السياسية حول الموقف من المبادرة الأمريكية، إذ عبّرت قوى سياسية ومجتمعية عن مخاوف من أن يؤدي القبول بالهدنة إلى «تكريس الأوضاع الحالية» وإعادة «الدعم السريع» إلى المشهد الدستوري والسياسي والعسكري في البلاد.
وفي هذا السياق، أعلنت القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح المتحالفة مع الجيش دعمها الكامل لما وصفتها بـ«إرادة الشعب الرافضة لأي تسويات تُساوي بين الدولة الشرعية والميليشيا الخارجة عن القانون».

يعمل على صياغة ردّ تفصيلي… وأعلن التعبئة العامة

وأكدت تمسكها بحق الجيش في الدفاع عن البلاد، ودعت المواطنين داخل السودان وفي المهجر إلى دعم التعبئة الوطنية الشاملة حتى تحقيق النصر الكامل، معتبرة أن المعركة مع الدعم السريع «هي معركة كرامة ووجود وليست صراعاً سياسياً عابراً».
كما شددت على أهمية استمرار الجهود الإنسانية لمساندة المتضررين من الحرب وكشف الانتهاكات الجسيمة، معلنة تعاونها الكامل مع المحكمة الجنائية الدولية في التحقيقات التي أعلنتها بشأن جرائم الحرب والإبادة في دارفور.

العطا: النصر قريب

وفي اجتماع ضمّ القوة المشتركة وقوات «الدرع السوداني» المتحالفة مع الجيش، قال عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن ياسر العطا، إن «الجنجويد هربوا من الخرطوم والجزيرة وسنار والنيل الأبيض، وسينهزمون قريباً من كردفان ودارفور وكل شبر من أرض السودان»، مؤكداً أن النصر قريب لأن «من هو على حق سينصره الله بدعوات الشعب».
وردّ مستشار قائد الدعم السريع، الباشا طبيق، على تصريحات العطا، واصفاً إياها بـ «التصعيدية» و«الرافضة صراحة للمبادرة الأمريكية والرباعية الدولية»، محملاً قيادة الجيش مسؤولية «استمرار الحرب ومعاناة المدنيين»، وداعياً قوات «الدعم» إلى رفع الجاهزية القتالية.
في حين قال القيادي في الكتلة الديمقراطية، مبارك أردول، إن رفض الهدنة لا يعني رفض السلام، لكنه يعكس رفضاً لأي تسوية «قد تُقصي الحركة الإسلامية أو تُعيد توزيع النفوذ السياسي»، مؤكداً أن الهدنة الإنسانية ينبغي ألا تتحول إلى «صفقة سياسية أو وسيلة للمكايدة بين الخصوم».
وأوضح في تدوينة على «فيسبوك» أن الهدنة «حق لكل السودانيين الذين أنهكتهم الحرب»، داعياً إلى فصل القضايا الإنسانية عن الحسابات السياسية والحزبية.
وفي السياق ذاته، أكدت نائبة رئيس حزب الأمة القومي، مريم الصادق المهدي، أن ما يجري في الفاشر «جريمة تمس ضمير الإنسانية»، مشددة على أن السودان يواجه «حرب وجود لا حرب نفوذ».
وأوضحت خلال ندوة سياسية في القاهرة، تزامنت مع زيارة المبعوث الأمريكي مسعد بولس، أن الحرب تحولت إلى «حرب بالوكالة»، وأن وقف دعم الميليشيات هو الشرط الأول لإنقاذ البلاد من التفكك.
وأضافت أن أي عملية تفاوض أو هدنة يجب أن تكون «بإرادة سودانية خالصة وبمشاركة القوى الوطنية المدنية والسياسية»، مؤكدة أن «المساواة بين الجيش والميليشيا في الخطاب الدولي أمر خطير، فالمؤسسة العسكرية تمثل الدولة بينما الميليشيا تمثل الفوضى».
ويرى الصحافي والمحلل السياسي ماجد محمد علي أن بيان مجلس الأمن والدفاع يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الحكومة السودانية، سواء من الشارع أو من المجتمع الدولي، موضحاً أن الموقف الشعبي الرافض لإعادة الدعم السريع إلى المشهد السياسي والدستوري هو العامل الأكثر تأثيراً في قرارات الدولة.
وأشار إلى أن المجلس حرص في بيانه على تحقيق توازن بين دعوة التعبئة العامة وحفظ علاقات السودان الخارجية، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام «السلام المشروط»، مشيراً إلى احتمال صدور توضيحات رسمية خلال الفترة المقبلة لتحديد الموقف النهائي من المبادرة الأمريكية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية