«لا نستطيع تنفيذ مطالبكم»: هل تحبط الشروط التركية مساعي فنلندا والسويد للإنضمام لـ«الناتو»؟ 

إسماعيل جمال
حجم الخط
1

إسطنبول – «القدس العربي»: لأول مرة منذ بدء المفاوضات بين الجانبين قبل عدة أشهر، أعلن رئيس الوزراء السويدي أن بلاده لا تستطيع تنفيذ المطالب التي تضعها أنقرة أمام فنلندا والسويد للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) في تطور يظهر مدى الخلافات بين الجانبين وإمكانية أن تتسبب الشروط التركية المتشددة في إحباط مساعي البلدين للانضمام للحلف، وهو ما قد يفتح الباب واسعاً أيضاً أمام خلافات أكبر بين أنقرة ودول الحلف الأخرى.
وقال رئيس الوزراء السويدي أولف كريسترسون خلال مؤتمر حول الدفاع والأمن بحضور الأمين العام للناتو ينس ستولتنبرغ: “تركيا تؤكد أننا نفذنا ما تعهدنا القيام به، لكنها تقول أيضاً إنها تريد أموراً لا نستطيع ولا نريد تلبيتها”، وأضاف: “نحن على قناعة بأن تركيا ستتخذ قراراً، ولا نعرف متى تحديداً”، مشيراً إلى أن “القرار هو في معسكر تركيا”.
وعلى الرغم من الخلافات الظاهرة والبارزة بين الجانبين حول ملفات جوهرية أهمها ما يتعلق بملف تسليم المطلوبين، إلا أن رئيس الوزراء السويدي ألمح إلى أن القرار التركي “رهن عدة عوامل في السياسة الداخلية التركية”، في إشارة على ما يبدو إلى الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي ستشهدها البلاد بعد أشهر قليلة.
ولا يتوقع أن يمنح البرلمان التركي فنلندا والسويد الضوء الأخضر النهائي للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي قبيل موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة والمقررة منتصف العام المقبل، متذرعاً برفض البلدين التعاون في ملف تسليم المطلوبين حيث يمكن أن يتحول هذا الملف إلى إحدى ركائز الحملة الانتخابية للرئيس التركي رجب طيب اردوغان، الذي سيتفاخر بعرقلة انضمام البلدين إلى الناتو.
وعلى الرغم من أن الانتخابات التي توصف بـ”التاريخية والمصيرية” مقررة في الخامس عشر من يونيو/حزيران المقبل، فإن تكهنات تشير إلى إمكانية إجرائها قبيل ذلك التاريخ بشهر أو شهرين، حيث لا يتوقع على الإطلاق أن يتخلى أردوغان عن هذه الورقة قبيل موعد الانتخابات وسيعمل على تأجيل حسم هذا الإجراء متذرعاً بما تقول أنقرة إنها مماطلة من قبل البلدين في تسليم المطلوبين والالتزام ببنود الاتفاق الثلاثي الموقع بينهم.
وعقب إعلان فنلندا والسويد نيتهما الانضمام إلى الحلف، قال كبار المسؤولين الأتراك إن بلادهم “لن تسمح بذلك على الإطلاق”، حيث وجه أردوغان اتهامات للبلدين بدعم تنظيم بي كا كا المصنف إرهابياً في الاتحاد الأوروبي، وعقب أسابيع من التصريحات الحادة والمناوشات الكلامية، وقعت تركيا والسويد وفنلندا أواخر يونيو/حزيران الماضي مذكرة تفاهم ثلاثية بشأن عضوية البلدين الأخيرين في حلف الناتو، على هامش قمة التكتل في العاصمة الإسبانية مدريد، تعهد فيها البلدان بالتعاون التام مع أنقرة في مكافحة التنظيمات الإرهابية.
وعقب الاتفاق مباشرة، توقع مراقبون تصاعد الخلافات بين الجانبين بسبب عدم وجود تعريف واضح للإرهاب بين البلدين أو تعهد سويدي واضح بتسليم كافة المطلوبين، حيث تتذرع السويد بملف القضاء للتهرب من طلبات أنقرة التي لا تزال تأمل بتسليم المطلوبين المتهمين بالإرهاب وفق القانون التركي.
ومع اقتراب أي انتخابات برلمانية أو رئاسية في تركيا، تتزايد النزعة القومية في خطاب الرئيس التركي الذي يخوض الانتخابات مع حليفة حزب الحركة القومية اليميني المتشدد، وذلك عبر تحالف يسمى “تحالف الجمهور” الذي يقول اردوغان إنه مبني على أسس “قومية ووطنية” لمنافسة الأحزاب “المدعومة من الخارج” ومن شأن بقاء ملف انضمام فنلندا والسويد للناتو حاضراً في الحملة الانتخابية أن يمنح اردوغان فرصة لتقديم دليل عملي على “قدرته” في لعب حاسم على الصعيد الدولي كإعاقة انضمام بلدان كبيرة كفنلندا والسويد إلى الناتو.
والأحد، أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، الأحد، أن السويد وفنلندا قد تنضمان إلى الناتو اعتباراً من عام 2023، لكنه أشار إلى أن القرار رهن بالبرلمانين التركي والمجري.
وحسب اللوائح الداخلية للحلف، يتوجب على برلمانات كافة الدول الأعضاء الموافقة على عضوية أي بلد ينوي الانضمام للحلف، وهو ما يعني أن البرلمان التركي سيكون لديه الكلمة الأخيرة في مسار الموافقة التركية على انضمام البلدين، حيث يعتبر البرلمانان التركي والمجري الوحيدين اللذين لم يصدّقا على انضمام السويد وفنلندا إلى الناتو.
ومؤخراً، بدأت أنقرة بالتلويح بإعاقة الاتفاق وذلك عبر البرلمان التركي الذي سيطلب منه التصويت على انضمام البلدين بشكل نهائي، حيث بإمكان الحزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يتملك الأغلبية في البرلمان أن يعيق تمرير القرار بسهولة، حيث ألمح اردوغان إلى أن الاتفاق الثلاثي “ليس نهائية الأمر”، وقال: “لا داعي للإسراع في التصديق على الطلبين في البرلمان”، مشدداً على أنه يتعين على أنقرة أولاً معرفة ما إذا كانت الدولتان ستنفذان الوعود التي قطعتاها بموجب المذكرة، بما في ذلك تسليم المشتبه بهم الذين تطلبهم تركيا.
وفي هذا الإطار، يمتلك الرئيس التركي المبررات الكافية لإعاقة انضمام البلدين فعلياً وتصعيد الخطاب القومي ضدهم عبر اتهام هذه الدول بدعم الإرهاب وذلك في ظل عدم تحقيق تقدم حقيقي في تنفيذ بنود الاتفاق الثلاثي، لاسيما البند الأهم المتعلق بتعهد البلدين بالتعاون مع تسليم المطلوبين والمتهمين بالإرهاب إلى تركيا.
والشهر الماضي، رفضت المحكمة العليا في السويد تسليم السلطات التركية من وصفته وكالة الأناضول الرسمية بـ”الإرهابي بولنت كنش”، وهو صحافي يعيش حالياً في السويد بعد أن كان يعمل رئيس التحرير العام لصحيفة “تودايز زمان” الموالية لتنظيم “غولن” الذي تصنفه الحكومة التركية على أنه “تنظيم إرهابي”، حيث يعتبر ملف تسليم المطلوبين من أعقد الملفات في الاتفاق الثلاثي.
ووصف وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو، قرار المحكمة السويدية بأنه “تطور سلبي للغاية”، وشدد الوزير التركي على أن تسليم السويد في وقت سابق شخصاً يشتبه بأنه عضو في تنظيم بي كا كا “غير كاف لنيل موافقة تركيا” على انضمام السويد إلى حلف شمال الأطلسي، وأضاف: “إذا كانوا يعتقدون أن بإمكانهم تسليم شخص واحد ومن ثم إغلاق هذه القضية، فهذا الأمر غير واقعي”.
وعلى مدى الأشهر الماضية، أجرى كبار المسؤولين من فنلندا والسويد زيارات واتصالات مع كبار المسؤولين الأتراك بهدف ضمان تصويت البرلمان التركي بالموافقة على مسار الانضمام إلى الحلف، حيث صادقت حتى الآن 28 من أصل ثلاثين من دول حلف شمال الأطلسي على انضمام السويد وفنلندا. والمجر وتركيا هما الدولتان الوحيدتان اللتان لم توافقا نهائياً على انضمام البلدين بعد. وبينما يتوقع أن توافق المجر بداية العام المقبل، لا يوجد بعد أي تكهن زمني لموعد موافقة تركيا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية