كنا نظن أن كلمة شهيد دخلت الموروث الثقافي العربي باعتبارها تطلق على كل من اغتيل برصاص الإرهاب و/أو بمقصلة الاستبداد أو الاحتلال بصرف النظر عن معتقده أو فكره. وقد تغاضى العلماء والمفكرون والدعاة عن إثارة الموضوع درءا للفتنة التي نحن في غنى عنها خاصة ونحن نعيش مرحلة انتقالية تتميز بحالة ثورية وبروز ثورة مضادة.
ولكن عندما أضفى الداعية السلفي خميس الماجري صفة شهيد على السلفي المعروف كمال القضقاضي، المتهم بقتل المناضل الحقوقي شكري بالعيد، في برنامج ‘لمن يجرأ فقط’ قامت قيامة الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري وعديد القنوات والمنابر الإعلامية والعلمانيين واليساريين والحداثيين ‘يدا بيد’، وقالوا بصوت واحد، هذا الشاب ليس شهيدا، بل وليس مسلما ولا يفقه من الإسلام شيئا وإنما هو إرهابي محترف يحارب الدولة ورجال الأمن ولا يقبل بالإنخراط في مؤسسات المجتمع المدني. وهو وأمثاله يسعون لتغيير سلوك ونمط المجتمع بالعنف كما يرمون كل من يخالفهم الرأي بالكفر والخروج عن الدين في مرحلة أولى ثم تصفيتهم بالرصاص في مرحلة ثانية.
ولكن قد يكون من الجدير مساءلة هؤلاء المحتجين على إضفاء صفة الشهيد على كمال القضقاضي حول من كان المتسبب الأصلي في صنع الشباب المنحرف عقائديا ؟
ودون انتظار إجابة، فإنني أقر أنه بات معلوما أن المخلوع زين العابدين بن علي وإعلام العار والبوليس السياسي والأحزاب الكرتونية وأشباه المثقفين وكل المرتبطين بدولة الاستبداد الذين طغوا وحكموا البلاد بقبضة من حديد واتبعوا سياسة تجفيف المنابع، فهم بالنتيجة المسؤولون الحقيقيون عن نشأة وبروز تيار السلفية الدينية المتشددة في بلادنا وما ترتب عنها من استفحال ظاهرة الإرهاب.
رجاء أيها المنتفضون لا تلقوا باللائمة وسهام النقد على الإرهابيين فحسب بل لوموا أنفسكم أيضا وبالأساس. واجلدوا أنفسكم قبل أن تجلدوا الناس. أنتم من صنع هؤلاء الإرهابيين وأنتم من تاجر بهم أيام المخلوع ولا تزالون تتاجرون بهم إلى اليوم. إنكم تقتاتون من محياهم ومماتهم بل وتسعون كذلك للحصول على مكاسب سياسية من وراء ظاهرة الإرهاب من خلال تحميل الترويكا وحركة النهضة تحديدا كل تقصير في مواجهة الإرهاب فيما أنتم المسؤولون الرئيسيون والأساسيون عن نشوء هذه الظاهرة. إنكم لم تكتفوا بالتجارة بهؤلاء الشباب بل تعدت ذلك إلى التجارة بمضامين الدين نفسه تضفونها على من تحبون وتنزعونها عن غيره ممن تعادون. لذلك فقد يكون حريا بنا التعرض إلى معاني كلمة شهيد و كلمة الشهادة ؟
إن كلمة شهيد ظهرت بظهور الإسلام ووردت في القرآن والسنة بصيغ مختلفة. قال الله تعالى ‘ وكذلِك جعلناكم أمة وسطا لِتكونوا شهداء على الناسِ ويكون الرسول عليكم شهِيدا’ أي لكي تشهدوا أيها المؤمنون على الناس وذلك ببذل أقصى ما تستطيعون من عمل وصبر وجهد وجهاد في سبيل أن يتعرف الناس على حقيقة هذا الدين ولكي لا يكون لهم عذر بعد ذلك أمام الله يوم القيامة كما يقول العلماء والمفسرون. قال الله تعالى ‘وما كنا معذبِين حتى نبعث رسولا’ بمعنى ان الله تعالى لا يعذب العصاة من عباده إلا بعد أن يبعث إليهم رسلا وشهداء يبلغونهم رسالة الله وبعد أن يعذروا فيهم. فالشهادة إذا هي وسام عظيم يمنحه الله إلى كل مسلم ناضل وجاهد وصبر ودعا إلى الله وشهد على الناس بعلم وإخلاص وذلك بأن يهيئ له الأسباب ليموت شهيدا. قال الله تعالى ‘ وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم’ وليست الشهادة وساما يضفيه المتدينون أو غير المتدينين أو العلمانيون أو الحداثيون أو الملحدون على كل من يريدون وينزعونه عن كل من يعادون.
ولذلك ندعو كل الذين احتجوا على إضفاء صفة شهيد على كمال القضقاضي أن يواصـــــلوا في تحاليلهم المنطقية فيكفون عن إضفاء صفة شهيد على كل المناضلين والحقوقيين ضحايا الإرهاب خاصة وأن من الضحايا من لا يتبنى الدين الإسلامي كمنهج حياة. فعديد الأحزاب العلمانية واليسارية حاربت صباحا مساء في المجلس التأسيسي وفي كل المنابر من أجل عدم إدراج الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي للتشريع حتى وإن كان ذلك على مراحل.
فمن غير المنطقي ولا المقبول أن يسعى بعض الناس لمحاربة الإسلام في دياره بكل ما أوتوا من جهد والتحجير عليه وعزله عن حياة الناس والتأثير فيها ثم يختطفون بعد ذلك العديد من مفاهيمه وأطروحاته ليتاجروا بها صباحا مساء. إننا نلفت انتباه هؤلاء أن الإسلام لم يسلم روحه ولم ينته حتى يرثوه ويتصرفوا في مفاهيمه ومضامينه فيضفونها على من يحبون وينزعونها عن من يعادون.
منجي المازني