عزت القمحاوي
كنت أتمنى أن أكون بين الملياري إنسان الذين يتابعون الزفاف الملكي البريطاني، كنت أتمنى أن أشاهد بعيني نتيجة التوقعات التي استمرت طوال أيام مضت: هل فستان العروس بكم، أم من دون كم؟!
وكابن لمستعمرة بريطانية سابقة ـ نهبها الانكليز ولم تستو بعد في حياة طبيعية ـ من حقي أن أتلقى قليلاً من البهجة، حصتي في الملايين التي أنفقت على حفل الأمس، ويرضى البريطانيون عن إنفاقها.
يبتهج البريطانيون بما تنفقه العائلة، لأنها ليست نفقات على ذبائح تلقى في القمامة بعد حفل عرس باهت لا يراه أحد في ‘كومباوند مافياوي’ أو في أحد فنادق ‘الفورسيزون’ رمز الاحتلال السعودي لعواصم الجمهوريات العربية.
هي نفقات على استعراض شعبي يستمتع به الانكليز، والعروسان والعائلة المالكة جزء من الاستعراض. يعملون مجانًا من أجل بهجة شعب في مراسم زفاف مرئي، كل شيء فيه محدد بالساعة والثانية، حتى ‘البوسة’ الملكية.
جمعة الفرح البريطانية ليست لنا، لهم جمعة الرضا ولنا جُمع الغضب، مواعيدنا كالعادة غير محددة بدقة. ومثلما نضرب مواعيدنا الفردية ‘بعد العصر’، ‘بعد العشاء’ صرنا نأخذ مواعيدنا مع الموت ‘بعد الجمعة’. بعد الجمعة، ثمة شارع وهتاف في الشارع وقناصة فوق الأسطح أو خلف صناديق القمامة. يمضي الشباب إلى احتمالات الموت كما يخرج غيرهم إلى رحلة صيد، يصيدون حريتهم بصرخة تقاتل دانة دبابة.
كلما رأيت يافعًا يسقط في درعا أو صنعاء أو المنامة أو مصراتة تمتلىء عيني بالدموع مجددًا على ابني الذي لم يمت، وقد أصر أحمد أن يخرج من مسجد آخر غير الذي خرجنا منه (بقية الأسرة وأنا) حــــتى لا أعيقــــه بخــــوفي، أتذكر دعابته شديدة الوقاحة والدنيوية ليخفف عن أمه وهو خارج: ‘إذا مت، وصي بابا يبقى يشد السيفون بعدما يدخل الحمام’. ضبطني أحمد أكثر من مرة بجرم النسيان، وهذا فقط ما يعكر صفو علاقتنا، أو هكذا أراد أن يمازح أمه ليقلل من خوفها.
لماذا يكون كل هذا الرعب من نصيبنا؟!
لماذا لا تستقيم عصابات الحكم وتعطي الشعوب شيئًا من الكرامة، لماذا يستحوذ أبنــــاؤهم على حصة أكبر من أوكسجين البلاد، فينفخون صدورهم على آخرها أينما تحركوا، بينما نحبس نحن أنفاسنا وتحدودب صدورنا خوفًا أو إيثارًا للغير، كي يجد شركاؤنا في الأرض ما يتنفسونه معنا؟!
كيت ميدلتون هي العروس الثامنة عشرة التي تخرج من كنيسة ‘ويستمنستر’. ميدلتون العريقة إلى حياة من الحزن غالبًا، لكنه حزن المرفهين على أية حال، ولا وقت لدينا لنفرح على زفاف ملكي أو لنحزن على إحباطاته اللا مرئية فيما بعد.
لدينا أحزاننا، ولا وقت لدينا حتى لنتأملها أو نتأمل ما يقوله قادة أعراس الدم عن موتنا. جنون الاتهامات البشعة للشباب من أنظمة، تتمتع بوقاحة الفشل والتباهي به. يتهمون الخارجين إلى الموت بالعمالة وتلقي الأموال من الخارج. ماذا يستفيد الإنسان من أموال الخيانة إذا لم يعد من الشارع؟!
النظام المصري البائد اخترع تهمة تناسب تواضع أحلام المصريين وقناعتهم: ‘وجبة كنتاكي’ كأن شباب مصر خرج مقامرًا بحياته من أجل ‘ورك فرخة’ اسودت عظامها في رحلتها إلى بلاد كان ازدهار كنتاكي فيها دليلاً دامغًا على إخفاقها السياسي: أنظمة أخفقت حتى في أن تقلي الدجاج من تلقاء ذاتها، فتسابقت المافيات التي تكونها على طلب التوكيلات الأمريكية.
ينفي المكلومون التهمة عن أنفسهم بدمهم المدلوق في الشوارع وبرعشة لحمهم قبل أن يسكن، ويمنعنا صخب الرصاص المسكوب من تأمل هذه المفارقة العجيبة. يتهمون الحريصين على الموت بالعمالة للأجنبي، بينما أذلهم الحرص على الحياة، فكانوا هم العملاء والوكلاء في تقييد الشعوب وحماية إسرائيل. هم يعرفون أكثر منا أن الغرب المتهم بالضلوع في المؤامرة مع الشباب يحب النظام العربي القديم أكثر من عينيه، وبرمش العين كان سيفديه لو استطاع، لكنه يبيعهم عندما يستحيل الفداء، فالنظام الغربي محكوم بشارع فاعل سيلومه إن سكت على كل هذا القتل الفادح.
ولنا أن نتأمل ـ لو كانت لدينا فرصة ـ كيف ترتعد إسرائيل الآن وهي ترى صديقًا لدودًا يترنح بعد سقوط صديق حميم. الأنظمة المتداعية هي الأساس في تصحير بلادنا من الكفاءات بتسييد الارازل في كل مفاصل الدول، وهي الوكيل لتجارة السلاح المحرمة وماركات الملابس والاكسسوارات والطعام، يفرضون علينا سباق اللبس من ماركة وتذوق مايرتأون، نحن سادة الحس وفنانو الطعام!
وها هو اتفاق الأبوات والشيوخ في فلسطين لا تخفى دلالته، لكن أزيز الرصاص يمنعنا من تأمل الحقيقة البشعة، فكل ديكتاتور عربي لم يكن يحبس شعبه الخاص فحسب، بل ثلاثة شعوب.
الذين دمروا أقدار شعوبهم دمروا معها الشعبين الفلسطيني واللبناني، بالفتن بين شركاء النضال لدى الشعب الأول واللعب في اللحمة الاجتماعية للثاني. وما اتفاق فتح وحماس إلا صدى انهيار الداعمين للطرفين، وإن وصلت الثورات العربية إلى بر الأمان سيتحرر الشعب الفلسطيني وستستقر الطائفية اللبنانية في قعر مزبلة التاريخ.
تعبنا، وسئمنا الموت الواقعي بالرصاص والمعنوي باغتيال السمعة، الذي يمارسه الموصومون ضد الشرفاء.
تعبنا والله، واشتقنا للحظة فرح. ولا ينقصنا أن ينط، إلى داخل كادر الدم، البشير بعصاه وميكروفونه مهددًا الجنوب مجددا بالحرب. خرج مثل صوت مستهجن يخرج من أسفل في حفل كنيسة ويستمنستر المهيب.