لا يخاتل التأويل أو يرتدي أقنعة عديدة: ملامح النص الغاضب

علي لفتة سعيد
حجم الخط
0

إن المتغيرات الكبيرة التي حصلت وتحصل في العالم أو حتى في جزء من العالم هي كفيلة بأحداث تغييرات أيضا في البنى الارتكازية لهذا المجتمع أو ذاك، وأن هذه المتغيرات التي لابد أن تكون عظيمةً أو لنقل كبيرة وواضحة وحاملة لعلامات المتغيرات، سواء كانت سلبية أم إيجابية، فإنها تؤثّر على الفاعلية الجمعية للمجتمع، وبالتالي الفاعلية الجمعية للثقافة وإنتاجها، على اعتبار إن الفنان بمن فيه منتج النص هو الأسرع في التأثير والإسراع في قبول المتغيّرات وتلقّفها والتأثير فيها وتبنيها أيضا وإمساكها، لكي يعمل على تطويرها، خاصة إذا كانت هناك إمكانات كبيرة للإتيان بشيءٍ جديدٍ ما كان له أن يحصل قبل حصول المتغيرات.

بمعنى أن في العراق مثلا ما كان يمكن مواجهة التابو السياسي لولا المتغيّر الذي حصل عام 2003 والذي استثمره الفنان/الأديب في إنتاج نصوص مواجهة ليس للتابو السياسي بل لكل التابوات المعروفة، بما فيه التابو الديني وتابو الجنس حيث حفلت الكثير من النصوص السردية والشعرية وكذلك الفنون الأخرى من مواجهة مع هذه التابوات، وهو ما يعني إن الفنّان يحتاج إلى فسحةٍ من الحرية لكي يقوم بتثوير المخيال العام الذي يعيشه.

إن هذه المتغيرات، سواء في العراق ما بعد عام 2003 أو العالم العربي ما بعد الربيع العربي، أوجدت فسحةً كبيرة من الحرية في تناول الكثير من الأعمال التي تفكّك الممنوع السابق، وإن اختلفت الممنوعات في هذا البلد عن ذاك. فكان في مصر مثلا يختلف عما يكون العراق أو الخليج أو سوريا أو المغرب العربي، فكلّ مجتمعٍ له مرتكزاته البيئية والفنية، حيث كان الفن في مصر متقدّما في تفكيك المجتمع ونقده وإن لم يصل إلى مواجهة التابوات إلّا بما لا يمسّ السلطات المختلفة.

ولكن فسحة الحرية التي وجد المبدع العربي نفسه في محتواها لم يجدها تكفي للتعبير عن كوامنه وقدرته على تفكيك الحيثيات الثابتة، لأنه وجد نفسه في مجالٍ قمعي آخر أو مجالٍ سلطوي جديد يمتلك طريقته الخاصة في مواجهة المبدع. وهي سلطة أدّت بالضرورة إلى أن يكون المبدع في دائرة الضيق والخوف من فلتان حالة التمتّع بالحرية والعودة إلى الكبت والحرمان والخوف والسجن والاحجام والقمع بشكلٍ عام، أو الاندفاع بشكلٍ أو بآخر إلى المسافات البعيدة ريثما يحصل الفعل السياسي الغاضب. لذا وأمام هذه الحالة، كان هناك صراع من طرفين، الأول أن المبدع العربي وجد نفسه أمام واقعٍ سياسي جديد لابد أن يفضي إلى نصّ جديد، نصٌّ لا يزعج هذه السلطات الجديدة ولا يفكك محتواها بحسب ما تريده هذه السلطة الجديدة غير العسكرية بالضرورة أو التي لم تأت بانقلابات عسكرية كما كان الحال في القرن العشرين، بل من خلال ثورات شعبية. والثاني، أن السلطة الجديدة لا تريد الذهاب إلى القمع المباشر والواضح الذي يمكن أن ينسب إليها، كونها تخشى على الكرسي والسلطة وما تتمتّع به من امتيازات فلا تذهب إلى ما كانت تذهب إليه السلطات ما قبل التغيير، وبالتالي فإن المبدع لا يريد أن يفلت منه خيط التعبير عن المواجهة مع السلطة التي اختلفت عن كل السلطات السابقة في القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة.

أمام هذه الحالة المرتبكة الباحثة عن ثوابت ما بعد التغيير، كان لابد من ابتكار طريقٍ آخر للنص الإبداعي، نصّ لا يستفز السلطة ولا يجعلها قادرة على قمع المبدع ونص لا يكون مخاتلًا أو يرتدي أقنعة عديدة تفقد مهمة التأويل على المتلقّي البسيط، ويكون النص خاضعًا للنقاد أو الطبقة النخبوية التي تفهم. لذا كان النص الغاضب أو نصّ ما بعد الغضب، كما هي النصوص الأخرى التي جاءت بعد كلّ الأحداث العالمية سواء ما جاء بعد الاحتلال أو الكوارث أو الحرب أو أي شيء آخر.

أن هذا النص يتميز بعلامات ظاهرية وداخلية، ومن أهم هذه العلامات الظاهرية أنه يذهب إلى ردة الفعل باتجاهات مختلفة تصل بالسلطة، من محيط الدائرة ولا يقترب من مركز التلويح بالقوة، ولا يعلن ضدّيته المباشرة. ومن هذه العلامات:

1-  أنه نصّ ردة الفعل على فعل الخيبة التي وجد نفسه فيها، فصار يحمل أدوات التراجع والسوداوية أكثر منه حمل أدوات النقل الحرفي للواقع.

2-  سوداوي يحمل صورة القناع التي كان النص يحمله في زمن ما قبل التغيير ولكن بطريقة المباشرة الواعية وليس النص المراوغ.

 3-  جالد للذات المبدعة أكثر منه جالد لمسبب الخيبة التي حصلت منا بعد التغيير.

4-  يحمل خيبات المثقف الذي أراد ان يمارس سلطة الإبداع في زمن اريد له أن يكون أكثر جمالا فكان أكثر قتامة.

5-  يتناول الكثير من المعتقدات سواء منها الدينية باتجاهات مختلفة بائنة في الكثير من النصوص السردية والشعرية والمسرحية وحتى الفنية بطرق عديدة بحسب اجتهاد المدون للنص إن أراده مباشرا أو مقنعا ولكنه أكثر وضوحا في عملية التأويل.

6-  يحمل الكثير من المدنّسات في مواجهة تحشيد ممّا يرد لها ان تكون مقدّسات، كردّة فعلٍ غاضبةٍ على الأحداث، وكأنه نصّ غاضب على مسبّبات الخيبة.

7-  يحمل عصبيته المضادة لما حصل، كونه يريد أو يحاول إقناع الآخر المتلقّي إنه في زمن كبتٍ أقوى، وفي زمن استغلال كلّ شيء حتى السماء.

8-  يصل إلى مستوياتٍ عليا من المبالغة في ردّة الفعل، سواء كانت جلدًا للذات، أو تلويحًا للمخالفة عمّا هو مضاد للطبيعة الحياتية.

9-  يريد أن يُرجع أسباب الخيبة إلى جهاتٍ عليا، تعتمد عليها السلطة الجديدة في عملية غسل الأفكار.

10-  منشطر على ذاته ويحمل الكثير من المتناقضات التي قد لا يجد فيها المتلقّي متعته القرائية الدائمة إلّا في لحظة التلقّي ذاته، باعتباره نصًّا يقول نيابةً عنه، ما يريد قوله للآخر، أو إنه يحمل الضدّ لمن هو مع السلطة، فيحصل على عملية تصادم.

11-  انفعاليّ، لذا فإن أغلبيته لن تكون عملية إدامة صالحة لزمنٍ أطول، إلّا في عمليات التأشير النقدي للمرحلة، كما هي في نصوص سنوات الحصار التي تم فيه استخدام الأدوات اليومية للتعبير عن الجوع أكثر من نقد السلطة.

12-  يبيّن تفكيك العلاقة ما بين المنتج للنص وبين الجهات التي تحيطه، سواء المجتمعية أو السلطوية لغياب ثوابت الثقة أساسا.

13-  يريد ان يكون بديلًا عن الصمت الذي يعانيه المواطن/ المتلقّي

14-  يحمل جرأته وبالتالي التأشير على شجاعة المنتج/ المدون في مرحلةٍ زمنيةٍ هائجةٍ بالانفعالات العصبية المتعصبة.

15-   يؤرّخ لاهتزازات المرحلة وفقدانها عوامل بناء المجتمع للانطلاق نحو أفاقٍ جديدةٍ في العلاقة بين المركز والهامش الذي تمثله السلطة الجديدة والقاعدة.

16-  يريد أن يكون متحدّثًا نيابة عن الجمهور لذا يتخذ طريق العصبية في أدبية الأحداث المختلفة، لأن المرحلة مبنيةٌ أساسًا على فعل ورّد الفعل المواجه.

هذه العلامات يمكن لها أن تتناسل أكثر لتشعّب النص الغاضب بحسب المدوّن/ المنتج وثقافته ووعيه وقدرته على إنتاج الفكرة التي تحمل روحية ردّ الفعل للفعل المانح للغضب. وهي علامات تسيّدت الإنتاج المختلف لهذه المرحلة التي انولدت بتأثير الفعل السياسي وما يتبعه من أفعالٍ أنتجها الواقع، الذي حصل ما بعد التغييرات التي حملت صدمتها مثلما حملت في بدايتها الدهشة الكبيرة، لأن ما حصل هو الوقوف بوجه ما كان سائدًا من حكمٍ شمولي، ليأتي حكمٌ قاتم يستغل كلّ الأشياء، فكانت ردّة الفعل قاسية هي الأخرى.

أما العلامات الداخلية التي توضّح النصّ الغاضب والكامنة في إنتاجه لتكون دالًّا لمدلول الصفة التي نريد تحميلها ليكون مصطلحّا قادما، فإنها علامات إنتاجية داخلية نقدية أكثر منها علامات قرائية، لما يمتلكه النصّ من معايير الصورة الخارجية، ولكنها داخل الإطار الواحد للنص. ومن هذه العلامات الداخلية:

1-  أنه نصّ يعتمد على مراوغة اللغة في إنتاج المتن السردي.

2-  يعتمد على المناوبة في الحدث والانتقالات المتذبذبة للزمن.

3-  يفكّك المكان إلى جزئيات بحسب الحادثة أو الواقعة الزمنية التي تقوم بها الشخصية.

4-  يفكك الحادثة ويعيدها إلى مرجعيات الفعل ليقابله في القوة ويعاكسه في الاتجاه.

5-  يناور في الفعل الدرامي وتثوير الصراع وتوزيعها على شكل بؤرٍ موزّعة على المتن.

6-  يغادر البطل الواحد أو الأبطال بتعدّد الأصوات، إلى جعل التأويل والغاية لتكون هي البطل.

7-  يستخدم الدوافع النفسية والفلسفية القائمة على مغايرة الأفكار المطروحة ليطرح وجهة نظر غاضبة على ما تم طرحه سابقا.

8-  يفكّك الثوابت التدوينية، ليس من خلال تفتيت المركز وإعلاء شأن الهامش، بل من خلال جعل المادة الفكرية التي تحمل غائيتها المراد توصيلها إلى المتلقّي هي الأساس في ثنائيات الشخصية والمكان، والزمان والمكان، والتاريخ والزمان، والفعل الدرامي والحوار.

9-  يريد جعل الحوار حوار المنتج/ المدون وليس حوار الشخصيات، وإن بدت هي أصواتهم لكنها مشبّعة بغضب المنتج.

10-  إنه نصّ الصوت كردّة فعل على الأحداث أكثر منه امتلاك مفعول المناورة في تسلسل العملية التدوينية التي كانت عليها النصوص السابقة للغضب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية