لا يزال في الدنيا حقائق

يمرّ الكاتب والفنان بأوقات يزهد فيها بكل شيء. أسباب كثيرة تكون وراء ذلك منها، أن يفكر في جدوى ما كتب والعالم حوله يزداد شراسة وقبحا، أو شعوره بأنه رغم تكرار ما كتبه، خاصة حين تكون كتابته للمقالات، إنه لم يعد هناك شيء يقوله، لأن الحياة انتهت إلى أن البدهيات قد صارت عصية على الفهم، وانقلبت الحقائق إلى نُكت، وصارت النُكت حقائق. ومنها فقد الأحباء المتكرر الذي يذكره بالموت نهاية كل حي، وقد يخيفه فيذهب إليه، ومنها العمر ونوستالجيا الماضي، التي قد تجعله لا يرى أمامه، ومنها الغضب المكتوب حين يرى حوله متوسطي القيمة وغير الموهوبين يتصدرون المشهد الإعلامي، ومن ثم الثقافي، فيري طوابير أمامهم في حفل توقيع لكتاب لا قيمة ولا معني له. والشاشات مفتوحة للاشيء.
ليست المنافسة وراء هذا الغضب، لكنه الإحساس بالتغير إلى الخلف كثيرا في الأذواق! ومنها.. ومنها.. ومنها، أشياء كثيرة قد تصل بالكاتب إلى هذا الشعور. وحين أقول الكاتب أعني الكاتبة أيضا، وربما الكاتبة أكثر، فالإبداع فعل أنوثة أكثر مما هو ذكورة. هو زيادة في هرمون الإستروجين لا التِستوستيرون إذا جاز التعبير. أسهل ما ينتاب الكاتب هو ما يعرف بقفلة الكاتب، سواء أدرك الكاتب أو لم يدرك، فهي دائما مؤقتة وسيعبر منها، لأنها تحدث دون تفكير منه فيها.
في لحظات ينسي القلم قديما، أو الديسك توب حديثا والكتابة عليه. يدركها الكاتب بعد وقوعها، ويعرف إنه سيخرج منها إذا خرج من عالم الكتابة، بعمل غير مألوف، وحده، أو مع أصدقاء في حانة أو مقهى، أو في سهرة في حيّ شعبي عريق أكثر من ليلة، أو بالوقوف على الشاطئ لعدة ليالٍ، كلّ حياته أو ما يهواه في الحياة وشغلته عنه الكتابة. تصبح المسألة صعبة على الكاتب حين تأخذه الأزمة، أو يأخذه الزهد إلى شاطئ يرى نفسه فيه وحيدا، ولا يدرك أن هناك في الدنيا غيره من الكتّاب. هنا يمكن أن يخرج من الحياة كلها، إذا كان زهده في الإبداع كبيرا، أو يستمر في الزهد إلى نهاية عمره، ويبدو له أصدقاؤه خيالات أو مجرد أشباح.
المدهش في حياة الكاتب إنه في السن المبكرة يحاول أن يبتعد عن كل ما يعوقه عن الكتابة، فإذا كان موظفا كما كنت أنا، يختار عملا لا يضيّع فيه وقته. العجيب أن الأعمال القريبة من الإبداع تبدو مغرية، لكن الكاتب ما أن يدخل فيها، كأن يعمل في جريدة أو مجلة، حتى يجد نفسه وسط مشاكل الكتّاب. البعض يعتبرها عادية لأنها مكررة محصورة في مواعيد نشر ما يصل إليه، ومكافأة صاحب الموضوع، وإذا تأخر النشر، فلا بد أن المسؤول الثقافي يكرهه. هكذا الكتَّاب على الحافة دائما، فإذا ذهب أو اتصل بالمسؤول لا يجد شيئا من ذلك، ويجد الأمر لا يزيد عن نظام النشر وزحام المواد التي لديهم، فينسي ما أحس به. وهكذا تكون الأسباب تقليدية وعادية، لكن في بعض الحالات تكون صعبة، حتى أن الكاتب المسؤول قد يترك الموقع. صعوبتها في بلادنا أكثر من غيرها لأسباب أخرى، بينها الكتّاب حقا، لكن أكثرها ليسوا هم السببب فيها. فأنت في مصر مثلا أو غيرها من العالم العربي، أمامك أسوار لا يمكن القفز عليها. أسوار من الدين والجنس والسياسة، وليس كل من يريد النشر عندك مدركا لذلك، وقد يعتبرك السبب حين تعتذر له عن نشر قصة أو مقال. جربت ذلك يوما، ولم أستمر غير أربع سنوات.. ما بين عام 1996 وعام 2000 حين تم تأسيس سلسلة أدبية في هيئة الكتاب المصرية هي «كتابات جديدة» كنت رئيسا لتحريرها، ومع أول أعمال نشرناها قامت الدنيا ضد رواية كان عنوانها «الصقَّار» صاحبها شاب ذلك الوقت، كان اسمه سمير غريب علي يعيش في باريس الآن، وبعدها صارت هناك حواجز وأسوار، يجب أن لا نسمح بتجاوزها. هناك من الكتّاب من وافق على ملاحظات لم تكن لي، لكن للرقيب الخفي للهيئة، وهناك من لم يوافق، وشن هجوما عليّ في الصحف، فأنا الذي في الواجهة، فوجدت الراحة أن ابتعد وأعود إلى عملي التقليدي موظفا في الثقافة الجماهيرية التابعة لوزارة الثقافة مشهور بالغياب.

وإذا كان لما جرى من فضل لها عليّ الآن، فهو أني عشت أياما بعيدا عن القلق الوجودي، أرى الفلسطينيين أمامي يفتحون الطريق المسدود، الذي قامت من أجله حروب لم تصل إلى أبوابه. يجعلون من فلسطين حقيقة.

كان أجمل أيام حضوري هو يوم أن ذهبت فوجدت المبنى مغلقا. سألت الحارس فقال لي اليوم هو الثالث والعشرين من يوليو/تموز، عيد الثورة، وهو إجازة رسمية، كيف لا تعرف؟ تفاصيل تلك الأيام التي اعتبرتها رغم قسوتها مضحكة، في كتابي عن الأيام الحلوة فقط لن أزيد فيها. لكن هناك أشياء أخرى قد تزيد من إحساس الكاتب باللاجدوى. أشياء لا يد له أو لغيره فيها، ومنها التقدم في العمر.
قرار التوقف عن الكتابة أمر صعب خاصة للمبدعين، فالذي لا يدركه الكاتب أو يدركه، هو أن التوازن النفسي له لا يتم إلا بإلابداع ، دون الإبداع الذي خصك الله به سترى كل ما حولك قبيحا غير جدير بأن يعاش. لكن كثيرا ما يكون التقدم في العمر وراء الإحساس بعبث كل شيء. يبدأ كراحة نفسية للكاتب حتى لا يشعر بالتقصير، ثم يصبح حقيقة، والتقدم في العمر أيضا لا يعطي الكاتب فرصة التمرد والسهر والطيش، التي لا شك تحدث توازنا في روحه. وتأتي جائحة كورونا الآن لتزيد من هذا الإحساس لأنها حتى لا تعطي الكاتب فرصة الجلوس في المقهى. لن أقول الطيش فلم يعد لي، كورونا التي جعلت النهار كالليل والليل كالنهار، لكن الذي حدث أنه في هذا العصر ظهرت الميديا فجعلت العالم أمام أي شخص في الهاتف المحمول، أو في اللاب توب أمامه. العالم قد يكون مسليا، فكوارث البلاد الأخرى قد تخفف من إحساسك بما حولك، ويمكن أن تردد كغيرك نحن أحسن من سوريا والعراق، لكن بقليل من التأمل تجد الحقائق ضاعت في أشياء كثيرة، فلا أحد يعرف إلى أين ينتهي الصراع على مياه النيل، وعليك لكي ترتاح أن لا تهتم بمياه النيل. ولا أحد يعرف كيف تأخر معرض الكتاب الدولي في القاهرة عن موعده في يناير/كانون الثاني الماضي، والشواطئ كلها مفتوحة، والأفراح تقام في الفنادق الكبرى، وفي الأحياء الشعبية، وترى حولك كل يوم نقاشاً حول تطوير التعليم، وعند الامتحانات يقع السيستم الإلكتروني وتتعطل أجهزة الطلاب. كيف لم يضع من طوَّر التعليم إلى اللابتوب، ضعف شبكات الاتصال المصرية المصرية في باله؟ وغير ذلك كثير من الحقائق الأشبه بالنكت، ولا ترحمك الميديا فتنقل إليك حقائق البلاد العربية، التي أحاول دائما أن أبتعد عن الإسهام في النقاش فيها، تقليلاً للألم، لكنها مشكلة فلسطين لم أستطع الابتعاد عنها.
وإذا كان لما جرى من فضل لها عليّ الآن، فهو أني عشت أياما بعيدا عن القلق الوجودي، أرى الفلسطينيين أمامي يفتحون الطريق المسدود، الذي قامت من أجله حروب لم تصل إلى أبوابه. يجعلون من فلسطين حقيقة.. لا يهمني أن أغلب الكتّاب الشباب لا يهتمون بالمسألة مثل العواجيز كما يقولون، ولا ألومهم، فرغم كل الآلام والتضحيات التي رأيناها أمامنا، صار العواجيز شبابا. ولا يهمني أن كثيرا من الحقائق حولي صارت نكتا. تكفي حقيقة فلسطين الآن. وسيعود هرمون الإستروجين ينشط للحمل والولادة، حتى ولو بعيدا عن فلسطين! المهم أن يتسع العمر.

روائي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية