لا يزال هناك يوم عاشر في صحوننا: قبل الطوفان بساعتين كنا نبحر وكانت المياه من فوقنا

حجم الخط
0

فاروق يوسف’نحن في العشرة الاواخر’ قالها يوما فسُحرنا ببلاغة المجاز. إنه شعر وما كان الرجل بشاعر. سحر ولكن الرجل ليس بساحر. انه المزيج الكيميائي الذي صنعه لهاثنا المتصلب ودموع عيوننا المتصابية. ‘هبة التاريخ للعرب’ قال الآخر المتأني في لعثمة إنشائه فرقصنا نشوة وابتهاجا. قال الرجل الذي هو كل الرجال ‘نحن’ وهو يقصد ‘أنتم’. فلو فتش علماء اللسانيات في تلك الـ(نحن) لما عثروا على واحد بالمئة من أناه المتمنعة. ما من أثر للأنا. لا (أنا) من تلك الأنوات التي كانت تسابق الخيول في في الدوس على رؤوسنا وأيدينا وكراماتنا وتحطيم مروأتنا أمام أعين أبنائنا. وحين أتضح أن عشرته ليست عشرتنا. رمضانه لم يكن رمضاننا. لا أصابعه تعد الأرقام وهو الذي يقرأ الخيانة في العيون ولا سنته الهجرية تمر بالقمر وهو الذي لا ينام ليلتين متتاليتين على السرير نفسه. كان الوقت قد محا خطوط الرمل البيانية. صرنا نتهكم على الرماد الذي يسبق ناره. انتهت الحرب ولم تنته العشرة الموعودة. دخلنا في حرب أخرى وصار لدينا طرق للموت ولم تنته تلك العشرة. هلك ربع مليون شاب كانوا قد رقدوا في طريق الموت بين الكويت والبصرة ولم تنته العشرة. كانت هناك عشرة ايام هزت برلين، عاصمة الرايخ الثالث. أما بغداد فقد انتظرت أكثر من عشرين سنة من أجل أن تتحقق النبوءة القاسية. هي ذي الأيام العشرة تقفل على الرقم 9. في 7 نيسان ولد الحزب القائد الذي سلمنا عبيدا للمحتل في التاسع من الشهر نفسه حين احُتلت من جديد عاصمة الخلافة. هناك لا يزال يوم ناقص. يوم نتخيله، ماكرا وجاحدا وكافرا وأصيلا. يوم للزحف والركوع والخيانة ونقد الذات والتكبير والقفز المتذاكي على الأوجاع. مفرد ينظر إلى جمعه بإستياء، بصلف وكبرياء زائفة وبعنقود قنابل فسفورية. ألا نستحق النسف؟ ألا تستحق أقدامنا القطع بعد أن رقصت وهربت واستباحت وأغتصبت وهانت عليها الأمتار التي تفصلها عن اليوم العاشر. كانت العشرة الأواخر من رمضان هي الأصعب. تتعفف المعدة فيها عن الطعام المباح ويكف اللسان عن تذوق الكلمات الطيبة المتاحة. هناك فكرة واحدة يلخصها مضي المرء بكل ما تبقى من قوته إلى أقصى الملعب. أرسم بالرمل الأبيض هدفا وهميا. أما الكرة فيحق لكل واحد منا أن يتخيل مادتها. كرة من قطن.كرة من رصاص.كرة من يقطين.كرة من مخاط زواحف ميتة.كرة هي رأس أبي جعفر المنصور الذي اختفى من بغداد.كنا قد شخنا. أبواب بيوتنا سرقت (بعنا سقوف تلك البيوت في زمن القحط الذي كان واحدة من أعظم المكرمات) صارت شيخوخاتنا تصنع وسائدها من مطاط معاد بعد أن سُرقت اطارات سياراتنا. كان شارع الشيخ عمر يزود الصناعة الوطنية بعبقرية موهبة أبنائه، وهم الذين جروا التقنيات المعاصرة إلى الكراج الخلفي، بعد أن يأسوا من الوقوف في طابور الانتظار في مدارس المتميزين. مَن كان حزبيا فليرفع يده. مَن كان في عائلته شهيد، ابا أو أخا فليرفع يده. مَن كتب تقريرا أودى بضحاياه إلى الاعدام فليرفع يده. كانت المسافة تتقيأ. كانت الجمل عمياء. في اليوم الأخير من السنة، في الدقيقة السماوية الأخيرة من الحياة. في الاصبع الأخير، حيث لا يد كنا نقيم مجتمعين. لقد انفتحت الرصاصة عن حق أعمى. سأحدثك عن أشجار اليوم الأخير. ‘جئت لأسليك’ تقول الشجرة. ولكن عينيك تبصرانني. خوفي عليك يتدحرج من التلة إلى البلدة ومن هناك إلى السوق. تسبقني فضيحة بطولتي. كنت شجرة. الشجرة كانتني. كنتها وكانتني. أنا المجنون بها. هي المجنونة بي. وقفت بها في السوق ووقفت بي في المكان عينه. لقد تآخذينا. اختفت الشجرة لكي تسمح لي في أن أختفي. ولم يبدأ اليوم الأخير من العشرة، من السنة، من السماء التي لم تكن قد اتخذت موقفا مجاورا. هل كانت أصابع البيانو عاطلة؟ تسعة أصابع عاطلة، ولكن ماذا عن الاصبع العاشر؟ سأمشي بالرومانس إلى حدائقه. حلوا وخفيفا ومتأنقا يهبط على السرير من الابريق. سأكون في حاجة إلى الموسيقى من أجل الكتابة. من أجل الموسيقى لابد للمرء أن يكتب. من أجل شعب، سعادته تجتر مقاهيها تحت الشمس. حزنه يموء، هناك قطة مرسومة على الجدار، تشعر فئران حقيقية بالخوف منها. ‘أنت القطة’ قال القائد للشعب. لم أكن سوى قطة مرسومة على الجدار إذاً. للشعب حوامضه وقواعده. مغناطيس روحه الذي يلهم يديه التصفيق. على اللوح الأبيض اكتب الاسم فتخونني ذاكرتي. كيف يمكن أن يولد المرء في التاسع من نسيان؟ سيكون الناقوس مكسورا وما من كنيسة. لقد أودعت المؤذن في قارورة عسل وقلت’عليك السلام سيدنا’. لقد ذهبتم ببغداد إلى قيامتها. لا يزال هناك يوم ناقص. لن يكون ذلك اليوم يوم عطلة. سيجر ذو القرنين الحسينيات إلى ملعب الشعب ويفتح قصر الرحاب مقصوراته للأوغاد. شعراء مزخرفين وحوريات بأنواط شجاعة وجلبي بمكية وقنبر بمقتدى ومطلك بسدارة ومختار الطرف الجعفري ونواويس من قصر العاشق وفهد الذي انجب أباً لداود وبراءات اختراع يضعها صولاغ على لحده ومنسيات المالكي في السيدة زينب ولطامي المضيع وطن وين الوطن يلقاه ومضمد رئاسة الوزراء والتكنوقراط سمير الشيخلي والمنسية ثيابه تحت جسر الجادرية في ليلة الفزع الأعظم وذهب الماجدات ودموعهن أيضا وحزب الله فرع الجبايش وصلاح الدين البرزاني ومسعود العمارتلي وما تيسر من سورة الفلق وكوثر السيستاني أخت محمد رضا بهلوي. من أجل قاريء عربي متخَيل لن أهبط أكثر. سأكف عن ذكر المفردات السوداء. كانت الكارثة قد سبقتنا إلى المطبخ. كنا نغني ‘هلا يا نور عيني’ في انتظار يوم أسوأ، لم يكن الفجر وقتا طيبا. كنا نود لو توقف الحفارون عن تعميق الحفرة. لا يزال هناك وقت لتزجيج جدران القبر الداخلية، لتزيينها بالرسوم، لرص الأنواط عليها من نوط الفيضان إلى نوط أبي سيفين مرورا بأنواط التوابين. صور وحكايات. صور لحكايات وحكايات لصور. مَن لم تكن لديه حكاية، فعليه أن يخترعها. غير أن الصور وحدها تكفي. صار القبح يرتجل كل لحظة صورة لفتنة حراسه، ترى من أين يستمد الوحش قوته؟ كنا قد أعددنا مائدة باذخة لضيف اليوم العاشر. يذهب الخيال العربي إلى (الباجة) ما أن يذكر المطبخ العراقي، كما لو أننا أخترعنا وحدنا لذة البحث عن المخ في الرأس المقطوع. تأمل عيني كائن قتيل. التنفس بمنخاري ذبيحة. صارت الباجة فضيحتنا التي تقطع السير أمام طلاب المدارس. لقد كان علينا أن نتنقل بين المتاريس لتظل الباجة بجيمها الاعجمية رمزا لفخامتنا، لثقل طباعنا، لفظاظتنا، لسوء مزاجنا الصيفي. نأكل باعتبارنا قتلة. كان اسماعيل فتاح يفضل أن يُرجم إذا منع من الذهاب فجرا إلى باجة الحاتي. يومها كان البخار أعمى وكانت بغداد تمشي بحذر على شظايا قنديلها المكسور. رمضانها لم ينته ولا أكتملت عشرته الأخيرة. سيقطع البلاشفة جزءا من وقت ينصتوا فيه إلى خطبة بويهية. ماركس بعمامة سوداء. كان الوقت يزحف مثل ذبابة تُحتضر. كنا قد عدنا إلى زمن المخطوطات. ورق أصفر وأقلام حبر من نوع باركر وقمصان سوداء بأزرار مفتوحة. خُيل إلي ذات مرة أن نساء اسماعيل فتاح بانوثتهن الفائضة قد جلسن على الرصيف في انتظار أن تمر مواكب العزاء. العراقيات كما لم يصورهن أحد من قبل. بمزاج النغم الذي يشوي شهقة الحياة على نار الشهوة. أما كان لبرامكتنا أن يكونوا أقل قسوة بعد أن ورثوا كل هذا الحرير؟ كل الاسئلة تحضر متأخرة. البركة في اليوم العاشر الذي لن يحضر. سينزلق المهدي المنتظر بزلاجته على تل من الثلج فيهمس الهدهد في اذن سليمان. هو ذا شعب يهرع إلى السفينة قبل أن يشيدها نوح. قبل الطوفان بساعتين كنا نبحر وكانت المياه من فوقنا. qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية