لا يشبهني
ربيعة ريحانلا يشبهني كنت كتابا مفتوحا أمامه كما يقال، وكنت بعيدا عن مجرد التفكير في أن أتفرعن كما كان يدعي، أو ألوذ بلباقتي الزائدة وتفنني في اللباس، أو أدخن بتلك الطريقة السافلة باستعمال مقدمة أصبعي في القبض علي السيجارة، ثم نفث الدخان قريبا من محيا البنات كوسيلة للاجتذاب بلغة الصيد التافهة.كان دوما متشحا باللارضي والضيق.. وقد عمٌر ذلك معه.. لكن ولأنني أحبه وأخلص بلين لتلك الأيام الطويلة التي اكتشفنا فيها معا ونحن نجتاز الطفولة، أكثر المواقف إثارة للدهشة والفجور، كنت أتصرف وكأن ذلك الكلام لا يعنيني، لعلمي بحاجته إلي، وانخراطه العجيب في التخلص علي عجل من تلك الإساءات الهينة، بإلقائه ظلا آخر من الهزل والضحك والاستخفاف بعد أن نبقي وحدنا.مضي زمن كي أدرك بعد العشرين أن صديقي كان يفعل ذلك لإحساسه بالإهمال، ليس مني طبعا، بل من البنات حولنا. كنا قد تصاحبنا علي البحر ذات صيف قائظ. جاء مع أبيه الذي كان يزين الحدائق بمشاتل الورد في البلدية، وجئت مع أبي الذي رآهما فهب هاشا للسلام والغرق في الثرثرة، لننجح نحن بعفوية ووفاق في أن ننسج في تلك العشية باللعب الحلو والعراك، أول خطو علي طريق صداقتنا التي ابتدأت بتلطيخ أجسادنا بالرمل.كان قصيرا هشا عكسي تماما، وحين ازرق شاربي ولحيتي نبتت علي غفلة منه شعيرات بذيئة متفرقة، صهباء كزغب الحمير، صار ينتفها بملقاط حواجب البنات الذي كان يدسه لهذه الغاية في جيب جينزه الخلفي المرقع، موضة ذلك الوقت.لكنه كان مسكونا بالنظافة والتوضيب، أما أنا فظللت حتي بعد أن تزوجت مهملا في كل شيء بما في ذلك استغفال زوجتي قليلا في الاحتفاظ بقدمي من غير غسل، مستمتعا وحدي بتلك الرائحة الملعونة التــي لأمــــر ما كـــانت تروقني، وأنا أشبك أصابع يدي بهما وأشــتم سرا ما علق بها من قذارة.كنت أشعر أنه يغار.. ليس مني فقط لكن علي كذلك، لذا كان صلبا في الاحتفاظ بي، متنبها إلي بذرات التقرب من الأولاد الآخرين الذين كانوا يجدون في انطلاقي فرصة تشجعهم علي المناداة علي، أو المرور المفاجيء أمام البيت، لنخرج معا ونقف طويلا أسفل عمود النور.كان ينزعج كثيرا ويتضايق حين يراني معهم، ويتجاوزنا عمدا وهو يولينا ظهره كأنه لم يرنا، قبل أن نهتف عاليا باسمه، فيأتي علي مضض ليقف صامتا إلي جنبنا ويظل عصبي الرد والضحكة والابتسام. أمه كانت ضاجة بالخوف عليه. كانت تناغيني بصوتها الكسير:ـ لا تغضب منه يا ابني، إنه سباعي.. تقول ذلك في غيابه، ثم توصيني بصيغتها المعهودة وهي تحضنني ألا أقول شيئا له ـ عنداك تقولها ليه !!.. تكون عريس أنت وهو انشاء الله.. فهمت معني أن يكون سباعيا. بالنظر إلي ضآلة حجــمها افـــترضت أن ســــر خـــلاصه المفاجيء من بطنـها قبل شهره التاسع، يعود إلي ذلك الضيق. نكون معا، فتتشكل تلك الحلقات اللذيذة في الكوليج، منا ومن البنات في الساحة، فأعصف غير قاصد بصبره بالنكت التي أحكيها والاحتكاك واللمس العابر المقصود، الذي كنت أجاهد في تداعيات الكلام أن أجعله غير مقصود، قبل أن تجهر بنت جسورة بالحكي عن آلام حيضها، أو بكلام أنثوي طريف لايحتمله مزاجه، فينظر بحدة نحوي وبخجل وتجهم نحوها.لم تتطور علاقتنا نحن الاثنين فقط، دخلت العائلتان في شبكة من المجاملات بدءا، كالتبريك في الأعياد أو التهنئة في المناسبات، لننتقل جميعا إلي أن نكون دون تعثر أهلا حقيقيين.سمعت مرات مقترحا غريبا من أمه تعرضه علي أمي:ـ لماذا لا نكتب الأخوة عند العدل أنت وأنا ؟؟..أما عمر وسعيد فهما أخوان..عمر أخي الذي لم تلده أمي، كنا نكبر فأكتشف فجأة أن ما يزداد طولا فيه هو لسانه وشعر رأسه وكعب حذائه الشبيه بأحذية بعض الليبيين.صار فتي نزقا أكثر من ذي قبل، لكن بمذاق آخر مختلف. يدمن القراءة ومشاهدة الأفلام، ويقبل أكثر مني علي المثابرة والتحصيل. حفظ الكثير من أشعار رامبو وهيغو وبودلير وقرأ لسارتر وكافكا ودوبوفوار، وصار يلوذ في النقاش باستعمال الفرنسية التي لم يكن يتقنها أحد سواه من أبناء حينا التعساء، فأعطاه هذا الامتياز بعضا من أنفاس جميلة في الصبر والتسامح والوضوح.فتح صدره لي فأخبرني أنه متيم برشيدة زميلتنا في الصف. كدت أسأله لماذا هي بالذات لعلمي بتبجحها لكنني صمت. ظللت مشغولا قليلا بروح إفساده للقاءات، فتبدت لي في الخيال صوركثيرة للمناوشات..ماذا سيقول لها في لحظات الخلوة الباذخة التي تتطلب منا سلوكا معدلا ولسانا كالسحر، خاصة حين يتلبسنا جنون الرغبة المحمومة في الفوز بلحظات نمنح عمرنا ثمنا لتحقيقها للتو؟؟. لاطاقة لعمر بذلك، أو هكذا أعتقد. ومع ذلك، كان هو من جرني إلي تلوين حياتي بانفلاتات رحيبة. استفدت من عبوسه وتجهمه. ـ خليني.. والله أنا اليوم طالع لي الدم !!.. يقول ذلك في حنق، فأفهم أن رغبة الشرب قد اكتسحته، وأنه علي أن أصحبه لنشتري لنا خمرا أو نبحث عمن يزودنا بقطعة حشيش. كان ملاذي يوم نقدم علي فعل كل تلك المحرمات، كان بيته سترا علينا، ذلك أن أمه كانت تري فيه من غير أن تدري السبب ابنا آخر مختلفا، حنونا يجترح الحماقات، لكنها حماقات مضحكة، تحقق تلك الصورة والمبتغي لأمنيات سيدة تحلم أن يكون ابنها مشمولا بالفرح.يغني بصوته الرخيم مقاطع لعبد الوهاب، ويرطن جملا لبريسلي ثم يتسلطن فيقلد حركاته الصاخبة وكأنه يعزف علي غيتار. تضحك أمه من السعادة وأظل أنا محتاطا ألتزم الصمت والابتسام، ربما من درسه الأول الذي علمني إياه في سكرته الأولي..كان ذلك بين مبني ثانوية الحسن الثاني والبعثة الفرنسية، علي المنبسط الترابي الصلب. وكنا لا زلنا في بداية الثانوي تسكننا أحلام اليقظة الجامحة، ونحن نسترق النظر إلي عري أطراف أستاذاتنا الأجنبيات وإلي بعض التلميذات. بعد تلك الوصلات من الهرج في نهاية الموسم والتلسين البذيء وغمر الأستاذة المجنونة بكل الشهوات حد الاستمناء، وهي تبرك بنصفها العاري المكشوف بالميني جيب علي حرف المكتب قبالة مراهقتنا عمدا أو بعفوية بلهاء، وتبادل الرسائل السرية المكتوبة أو الشفهية بيننا عن تفاصيلها اللحمية، والضحك المكتوم والتهيؤات، قررعمر ونحن نغادر: ـ ما رأيك، نشتري قنينة نبيذ ونشرب هنا خلف الثانوية ؟؟.. كنت أعقل من أن أخالفه المقترح.. تخففنا من الأصحاب، ورحنا إلي المارشي القريب منا بالمدينة الجديدة، وعدنا نحمل القنينة مخبأة في محفظته وعلبتي أولمبيك الزرقاء وسندويشات السردين الحار. في الكأس الأولي كان صوته ألين وهو يقرأ الشعر ويضحك ويتمازح. في الثانية، صار رصينا قابعا تحت معزوفة اعترافات لقضايا شائكة حصلت له لا أدري متي وكيف، وتركت تلك الجروح والبصمات التي يطلع خفاياها الآن عاريا من أي حرج أو رقيب. الضربة القاضية كانت في الثالثة.لم أعرف يوما أن بإمكانه أن يكون بمثل تلك القوة والهذيان.. ـ faites taire vos chiens، sale bourjeois كان يصيح عاليا ونحن عائدين، فيصخب نباح الكلاب في الفيلات المجاورة. كانت تلك طريقنا إلي الثانوية. نعبر حي المدينة الجديدة باتجاه شارع كنيدي لنسير رأسا نحو حينا الآهل. ـ aendez nous les voleurs ..on va venirكان الليل قد امتد، وكنت مرعوبا مما حل به. ربما لأنني عصيته ولم أتبع تعليماته القاتلة نجوت.. خاف ألا تتكفل قنينة واحدة بتدويخنا فلجأ إلي الفضاء العالي والنجوم البعيدة، يرقبها طويلا ويغمض عينيه ثم يفتحهما:ـ شوف.. افعل ما سأقول لك مرا، وستري..وكان مستلقيا علي ظهره، ورأيت فعلا ما أزعجني حقا. أحسست بالرعب وأنا أسنده وانتظرت بين الفينة والأخري مرور دورية أو أحد من السكان أو فتية مشاغبين يحوطوننا كالحلقة، وفي أهون الأحوال يشبعوننا صفعا أو يجردوننا من السروال !!..كان يصرخ مرتخيا: ـ هيه كاثرين.. أيتها الاستعمارية، لن أضاجعك أبدا مهما تجملت..طال سخطه كل شيء، الشارع والبيت والناس والأصحاب وحتي مدرستنا الفرنسية العظمية، رغم أنه كان تلميذها النجيب. شكلنا groupe فيما بعد كانت من ضمنه بنات، لنتردد علي بعضنا في إقامة surprise partie. لم يكن ذلك شيئا عاديا، لذا كانت بعض البنات يحضرن في الخفاء. يكذبن علي الإخوة والآباء ويأتين وهن يدسسن سجائرهن في السوتيان لينتقمن لأنفسهن بالممارسات المحظورة، أو الاكتفاء بانهمارالمداعبات والقبل في الرقصات. كان يصيب عمر صداع في الرأس يشجه من الموسيقي العالية فيقلقني بالتشكي. كنا نجتاز عالما بأكمله من الصخب، بينما يبقي هو صامتا تحت حلقات الدخان، مسترقا تلك النظرات المتجسسة التي لا تخلو من اشتهاء.وحين نهجم عليه مصرين علي تحريك مزاجه الراكد، تدب الفوضي في ملامحه ويعجز عن أن يسلمنا أمره وهو يهددنا بأن ينهض ليغادر. ودوما أكون أنا مثار تجهمه وملامته رغم أنني كثيرا ما وددت أن أسأله:ـ لماذا تأتي إذا وأنت لا ترغب في شيء ؟؟…لكنني كنت أصرف النظر عن ذلك. لم أفهم معني لهذا الاختلاف الجسيم. كنت لا أجد غضاضة في أن يظل عمر صديقي. ففي البيت حين نكون وحيدين كنت أكتشف عاما بعد آخر أن شقا فنيا جميلا يحوم حول روحه القلقة. كان بارعا في سرد قراءاته. يحكي بهدوء محولا وجهتي إلي تقدير ما سأسمع. تلك الدقة في إعادة تمثل ما يحكي كانت تسرح بي فأذوب في التفاصيل.. فصرت فيما بعد أحتاجه ساردا مغريا في البكالوريا لدروس التاريخ المتعبة.كنت أتصور بعد كل هذه الملازمة أن أسوار صداقتنا العالية لا تتسلقها بيسر تعاريش الفراق، لكننا افترقنا، ومضي كل منا دون حتي أن يمعن في خلقة الآخر الغاضبة.لم يكن غضبا حقيقيا، كان نتاجا لسلوك حاد أخلف موعده من زمن، لكنه الآن وفي شروط أخري لا تسمح باسترساله علي ذلك النحو، حصل… كبرنا إذا !!..ونحن علي مشارف إنهاء الجامعة، كان قد وطد علاقته غيابا عني مع طالبة. عن هذه لم يحك لي شيئا. لمحتهما مرات من بعيد وهما يسيران عبر باب الرواح أو يجلسان في مقهي باليما. أخفي ذلك، قال لي:ـ أنت لايؤمن جانبك.ـ أنا؟؟..ـ أرجوك.. لا أريدك أن تتجرأ عليها أو تمزح معها، هذه خطيبتي.ـ خطيبتك ؟؟..ـ نعم..ـ دون علمي ؟؟… ـ أنت بو البنات، ولك تجارب. لا أحب أن تعرف سلمي ذلك أو تعرف شيئا عني..ضحكت بسخافة. لم أدر.. مني أو منه ؟؟…تذكرت البرد والمطر القديم. كنا نتعاضد ونقترب من بعـــضينا لحـــاجتنا للدفء، ولا نصاب بالخيبة ونحن نتعثر بسبب احتكاكنا في برك الماء العكرة.لم أخف شيئا عنه أبدا. أكون سعيدا وأنا أسر له بدقة متناهية كيف تبرق في ذهني مثلا وبشغف عارم تلك اللذة المبهمة لصدر أنثي أو ردفيها، وكيف تشعلني حركاتها الراقصة. كنت لا أخلد إلي الراحة والسكون دون أن أداعبه بالجهر بغصتي إذا لم أنلها، أو آتيه بصورة من تلك الصور الجنسية النادرة التي كان يأتي بها في المجلات، البحارة العابرون في البواخر العابرة ويروجونها سرا في الميناء.ننظر إليها ببلاهة في البدء، ثم نتخاطفها من بعضينا ونحن نرمش مشدوهين مغتلمين، مقاومين خفرنا هناك في الخلفية، بالضحك العصبي العالي وبالتنكيت.كان عمر وجهي الآخر الذي لا أخجل وأنا أري فيه كامل طهري أو نذالتي. ياه..!!.. رمقته وهو ينقذف بعيدا.. كان يشد قـامته القصيرة عاليا وهو يرتقي الدرج و.. يمضي.. ہ قاصة من المغرب0