على الرغم من شعبيتها الجارفة، كانت رياضةً كرة القدم مقتصرةً بشكلٍ كبير على الذكور. ولكن في العقدين الأخيرين، شهدنا تطورًا هامًا في مجال كرة القدم النسائية حول العالم، لا سيما في ظل صعود الجانب الاقتصادي ونمو سوق الرعاية والاستثمار الرياضي.
وقد تزايد الاهتمام عربياً بمشاركة النساء في هذه الرياضة، خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، فتشكّلت فِرَقٌ صغيرة في بعض البلدان.
وعلى الرغم من التحديات والصعوبات، نمت اللعبة تدريجيًّا في البداية، لتواجه لاحقاً صعوبات مالية واجتماعية. الأمر الذي كرس من الصبغة الذكورية للعبة في بلداننا.
ومع كل مناسبة رياضية عالمية يطرح الناشطون أسئلة غريبة على الـ»سوشال ميديا»: أين هي فرقنا العربية؟ وهل حقاً مجتمعاتنا العربية متحررة، بما يكفي لتساعد المرأة على تجاوز التحديات، التي تواجهها لتثبت حضورها على المستوى الرياضي الدولي، كما سبق وحققت نجاحات على المستوى الأكاديمي والعلمي والأدبي؟ بكل أسف لا تبدو الأمور مبشرة.
بالأمس خرج منتخب سيدات المغرب لكرة القدم من بطولة كأس العالم، بعد خسارة من نظيره الفرنسي، وذلك بعد مشاركة مشرفة. فالمغرب كان أول منتخب عربي يشارك في نهائيات البطولة، التي تقام نسختها الحالية في أستراليا ونيوزيلندا.
وقد خلقت «لبؤات الأطلس» شعوراً بالفخر والاحترام، خلال تلك البطولة العالمية، التي هزمن فيها منتخبات كولومبيا وكوريا الجنوبية.
وعلى الرغم من أهمية الإنجاز لمنتخب سيدات الأطلس، إلا أن إنجازهن لم يحظَ بالتقدير والاحتفال المستحق، الذي حظي به أسود الأطلس على الـ»سوشال ميديا» العربية. وهذا يعكس بشكل صريح التمييز الجنسي والثقافي في مجتمعاتنا العربية. فبعض هذه المجتمعات ترى أن هذه الرياضات مخصصة للذكور، من وجهة نظرها الثقافية، مما انعكس على تطور اللعبة وانتشارها عربياً.
وقد أورد موقع كوووورة الواسع الانتشار تقريراً يلخص، «نجاح المغربيات في خطف قلوب الجماهير وإذكاء شغف المولعين بالكرة. وهو الشغف الذي بدأ منذ تحقيقهن مفاجأة الوصول إلى نهائي بطولة أمم إفريقيا التي أقيمت في المملكة العام الماضي، رغم الهزيمة أمام جنوب إفريقيا 1-2، في نهائي حطم رقماً قياسياً من حيث إقبال الجماهير على مباراة لكرة القدم النسوية».
لقد أكد التقرير الإقبال الكبير على مباريات المغرب في تلك البطولة و»كان الملعب يمتلئ بنحو 50 ألف متفرج، وهو أمر غير مسبوق». شكراً للجمهور المغربي، الذي آمن بقدرات المرأة المغربية وتجاوز كل التحديات، ونجح بتغيير الصورة النمطية للمرأة في المجتمع وتعزيز دورها كرياضية ومنتجة قادرة على صناعة الفارق أينما تكون.
وليس بعيداً عن نساء المغرب، أوضحت شبكة «الجزيرة» أن الحكمة هبة سعدية أول فلسطينية ومحجبة تشارك في تحكيم مباراة في تاريخ كأس العالم لكرة القدم للسيدات، إذ كانت حكمة مساعدة في مباراة إنكلترا والصين في ختام منافسات المجموعة الرابعة للمونديال.
وقال الاتحاد الآسيوي لكرة القدم عبر حسابه على منصة «إكس» (تويتر سابقا) «كتبت هبة سعدية التاريخ بأن أصبحت أول امرأة فلسطينية على الإطلاق ضمن فريق تحكيم مباراة بكأس العالم لكرة القدم للسيدات».
ومن دروس الإلهام المغربية والفلسطينية، التي نتمنى أن تنتقل عدواها إلى كل الدول العربية، نستذكر الراحل أولاد أحمد، الذي كتب عن نساء بلاده: كتبتُ، كتبتُ.. فلم يبق حرفُ. وصفتُ، وصفتُ.. فلم يبق وصفُ
أقولُ، إذا، باختصار ٍ وأمضي: نساءُ بلادي نساءٌ.. ونصفُ.
رجال متمسكون بحيوانيتهم
ولكن الجانب المضيء في حياة نسائنا قد يخفت عنوة في حضرة بعض الرجال المرضى والمتمسكين بحيوانيتهم.. وقد يزيد من فرص نجاحهم في استغلال النساء انتشار الجهل والأمية.
لقد نشرت مؤخراً «بي بي سي» عربي تحقيقاً سرياً قامت به لكشف ممارسات من يسمون أنفسهم بالمعالجين الروحيين، الذين يشرعون خلف ستارة الدين مستغلين القرآن الكريم للتحرش بالنساء والاعتداء عليهن جنسياً.
فقد تمكن بعض «الشيوخ» من خداعهن وإقناعهن أنهم قادرون على إخراج الشياطين من خلال لمس أجسادهن.
تروي دلال قصتها، وهي واحدة من النساء المغربيات اللواتي تعرضن لاعتداء جنسي، بعد أن لجأت لشيخ روحاني بسبب معاناتها من مرض الاكتئاب. مرض أرهق كاهلها لسنوات طويلة. تقول إن الشيخ عرض عليها أن تشم رائحة تشبه المسك لتفقد الوعي بعدها: «فقدت الوعي وعندما استيقظت وجدت نفسي عارية بين ذراعيه. صدمت وخرجت وأنا أشعر بأني كارهة لنفسي. ولم يمر الوقت طويلاً لأكتشف بأني حامل. بدأت أفكر بالانتحار».
دلال ليست الوحيدة، التي تعرضت للتحرش والاغتصاب. هناك قصص كثيرة مماثلة، لا تقل إجراماً عن قصة تلك السيدة. لقد قدمت 85 امرأة من المغرب والسودان شهادات حية لـ»بي بي سي» عن استغلالات تعرضن لها خلال ما يسمى بالعلاج الروحاني من قبل 65 معالجاً، قد تتراوح بين تحرش واغتصاب.
وهذا سبق صحافي كبير حققه فريق «بي بي سي» عربي في خطوة جريئة قد ساعدت في كشف خبث ومرض وإجرام هؤلاء «المعالجين»!
وقد زار الفريق «مركز فاطمة للرقية والعلاج» المخصص للنساء فقط، بالقرب من الخرطوم. وهناك صرحت إحدى النساء أن العلاج يتم عبر لمس أماكن حساسة لإخراج الشياطين. ومن بين كل مئة امرأة، هناك 25 تعرضن للاعتداء الجنسي!
وللتأكد من صحة الأخبار المتناقلة، قامت صحافية سودانية، بالتعاون مع فريق «بي بي سي» وزارت أحد الشيوخ، ويدعى الشيخ إبراهيم، مدعية أنها تعاني من العقم، فلم يتردد الشيخ بملامستها، رغم طلبها أن يرفع يده عنها، لكنه لم يأبه لكلامها. وكانت الزيارة مصورة، ورغم ذلك فقد أنكر الشيخ أفعاله المريضة.
في ظل غياب القوانين، التي تنظم ما يسمى بالعلاج الروحاني، تحتاج نساؤنا وبقوة إلى سلاح العلم والتوعية لحماية أنفسهن من الاستغلال ولتثقيفهن حول حقوقهن والقضايا المتعلقة بالاعتداءات الجنسية، وتعزيز الوعي، بما يشمله السلوك المقبول وغير المقبول. يحتجن لتدريبات رياضية مكثفة منذ الصغر ليتمكن من الدفاع الشخصي عن أرواحهن وكيفية التصرف في حالات الخطر.
*كاتبة لبنانيّة