لبناني يستخدم السلاح لتأمين حليب أطفاله… وماذا يفعل الخميني في العراق؟

حجم الخط
20

نعود لنعدم كل أسبوع ونحن نشرع قلوبنا لواقع مرير ميؤوس منه.. نعدم ونحن نبحث عن نقطة ضوء ولو بعيدة تعيد أملاً ضائعاً.
اليوم لا كفن لنا سوى الكلمات.
شعب يحتضر ولا أحد يسمعه.
أصواتنا ضجيج لا تصل القصور العالية.
أرواحنا رخيصة لا تعني المسؤولين.
من أين نبدأ؟
قصص لا ندري كيف أرويها. فكل حادثة أسوأ من الأخرى.
أنبدأ من بعلبك حيث افترش مواطن الرصيف معلقاً يافطة كتب عليها: «أنا مثقف أنا متعلم أنا عم اشحد حتى عيش»! أو نخبركم عن مواطن لبناني آخر دخل الصيدلية وهو يحمل السلاح مهدداً صاحبها.
فمد الأخير يده بسرعة وأخرج المال. لكن المواطن المسلح طلب منه إعادته إلى الدرج وإعطاءه بدل الفلوس علبة حليب أطفال!
إنه لم يدخل بهدف السرقة، ولكنه لم يحتمل رؤية طفله جائعاً. لم يحتمل تخيل موت ابنه أمام عينيه فأسرع ليحضر له الحليب بأي ثمن.
من منا يستطيع أن يترك أطفاله أسرى الجوع والموت والمرض من دون تحريك ساكن؟
هل هذا الرجل مجرم أو الجوع هو المجرم؟ هل يستحق العقاب أم العقاب لمن أوصله إلى هذه الحال؟
هذا الرجل ليس كافراً. «إنما الجوع هو الكافر». عبارة رددها أحد المواطنين قبل أن ينهي حياة الذل التي يعيشها.
انتحر. قتل نفسه عله يستريح من حياة لا كرامة فيها.. لقد ضاقت به الحياة على أرض يسيطر عليها «شلة» من السراق والقتلة والزعران.
نعم إنهم قتلة. يذبحون كل يوم شعبهم وهم يعتلون كراسيهم غير آبهين.
لبناننا استحال مقبرة جماعية. بحرنا الأزرق يفقد لونه. وها هو يتحول إلى بقعة دماء ترتفع بارتفاع أمواجه. «لم يبق لنا شيء»!
هكذا عبر شاب لبناني يدعى آلان نخلة عن حالنا، عن قصتنا المزرية في فيلم وثائقي قصير انتشر بصورة واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي لما يحمله من صدق وألم.
عنوان الفيلم يختصر القصة: «مش هينة تكون لبناني»!
فيلم يستحق جائزة! إن الابداع يأتي دائماً من رحم الألم.
يبدأ الفيلم بولادة طفل في عائلة محبة. يبدو الطفل سعيداً إلى أن يكتشف جنسيته وحينها تبدأ المأساة: «حروب وتعتير وشحار وأم تعيش على الأخبار بتحاول تفهم شو صار»!
طبعاً إنها محاولة فاشلة.. ولكن لا بد منها!
ويكمل الفيلم بجملة جارحة مثل الواقع:
«وبيك عفواً بس متل الحمار بين القصف والدمار عم يركض ليطلعلو قرشين يطعميك.
بس قطعت خلصت الحرب وقلنا بسيطة. الأيام الجاية أكيد أحسن».
يكبر الولد الصغير ليصبح شاباً ويكتشف أن والده لن يعطيه إرثاً سوى العلم ليس لأنه لا يريد، ولكن ببساطة «مش هينة تكون لبناني».
يكبر ليعلم أن بلده لن يؤمن له شيئاً!
«بلدك منو مأمنلك شي لو ما أهلك حارمين حالن من كل شي يمكن ما رح يكون عندك بيت تنام فيه»
يكبر ليسأل نفسه لمَ نعيش هكذا: مظاهرات وخطابات، وزبالة بالطرقات، واغتيالات وانفجارات.. كلما كبرنا وكبرت طموحاتنا أصبح بلدنا أصغر.
آلان نخله حول بإبداعه الوجع إلى فيلم، إلى نقطة ضوء صغيرة.
ولكن هل ستصل هذه النقطة إلى قصر بعبدا فيخرج منه عهد أنهى لبنان؟
أم أننا فعلاً انتهينا وهذا هو الوداع الأخير؟

ألا يحق للعراقي أن يعيش في سلام؟

تعيش المنطقة العربية مرحلة غير مسبوقة من صراعات زمن ما قبل الدولة. ويصعب عدم ملاحظة هذه الهشاشة السياسة والاقتصادية والاجتماعية وصعود للجماعات الدينية والطائفية وظهور للميليشيات الطائفية المسلحة التي تستقوي على هيبة «ما بقي من الدولة» الرمز الحصري للسيادة الوطنية. ففي بلدان مثل لبنان وسوريا والعراق يبدو الأمر واضحا من خلال الصور والأعلام، التي تحتل الساحات والأماكن العامة، وتغمز في مضمونها إلى لون الطائفة والمذهب، وهو ما يعني أننا فعلا نعيش زمنا تتصارع فيه الهويات والانتماءات القاتلة لمفهوم الدولة الوطنية.
ففي لبنان تجد منذ وصولك لمطار بيروت صورا للجنرال الإيراني قاسم سليماني، وصورا لآية الله علي خامنئي، وفي طرابلس تجد صورا للرئيس العراقي الراحل صدام حسين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الأمر الذي يعكس حساسيات طائفية واضحة قد تتطور إلى عنف وعنف مضاد في أي لحظة.
أخيراً، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي خبرا فجر ردود فعل متباينة حول قرار منسوب للحكومة العراقية التي يرأسها مصطفى الكاظمي، يقضي بإزالة صور المسؤولين الإيرانيين من شوارع ومدن العراق. وحتى يكتسب الخبر شيئا من المصداقية تم إرفاقه بصورة رافعة تحمل صورة كبيرة لمؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله الخميني، توحي كما لو أن القرار بدأ بتنفيذه على وجه السرعة، الأمر الذي يعكس حزم الحكومة العراقية الجديدة على وضع حد للنفوذ الإيراني، الذي لا تخطئه العين.
بالنسبة للصورة المرفقة بالخبر، أثبتت محركات البحث لاحقا أنها تعود للعام 2015 حيث قامت بلدية النجف، في 18 فبراير/شباط 2015 بإطلاق اسم «الخميني» على أحد شوارع المدينة.
ورغم عدم التحقق من صحة الخبر، إلا أن انتشاره بهذه السرعة تزامن مع حدثين مهمين، الأول: إزالة صورة كبيرة للخميني وضعتها الجماعات الموالية لإيران في محافظة ديالى.
وقد جاء في بيان منسوب لقائم مقام مدينة بعقوبة عبدالله الحيالي: «وجهنا بإزالة الصور، التي تعود لشخصيات من إيران ولبنان واليمن، لأن بعقوبة ليست معرضًا لإبراز العضـلات، ومن الأولى وضع صور لمراجعنا وقادتنا الذين سطروا الملاحم ضد أعداء العراق».
أما الحدث الثاني، فهو إيقاف مسلحين موالين لإيران في 26 حزيران/يونيو في العاصمة بغداد، تتهمهم الحكومة العراقية بتنفيذ هجمات على منشآت عراقية تستضيف جنوداً أجانب ودبلوماسيين، إضافة إلى السفارة الأمريكية في بغداد، ولو أنهم اطلقوا سراحهم بعد يومين فقط.
وبعيدا عن مدى مصداقية قرار الحكومة العراقية، فقد رحب الكثير من العراقيين الرازحين تحت النفوذ الأمريكي والإيراني بالقرار «المفترض» واعتبروه خطوة في اتجاه عودة العراق للعراقيين.
هنا عينة من التساؤلات على الـ»سوشال ميديا» برسم الحكومة العراقية الجديدة: ما الذي تفعله صور الخميني والخامنئي وقاسم سليماني وحسن نصرالله وعبدالملك الحوثي في شوارع العراق؟
ألم يصرخ الشباب العراقي «كلا كلا للأحزاب»؟ ألا يحق للعراقي أن يعيش بسلام بعد عقود من الحروب والطغيان؟
ألا يحق للعراقي أن يتساءل لماذا ترفع صور قادة وشخصيات من دول أخرى في بلاده؟
لماذا وضعت الصور أساسا حتى تتم إزالتها؟
الولاء لمن وعلى أي أساس؟ وما الذي قدموه هؤلاء القادة الأجانب لأرض الرافدين، غير الأحزاب الدينية والميليشيات الطائفية؟
ألا تستفز صورهم بقية مكونات المجتمع العراقي؟ متى يتوقف الاستثمار في العراق والعراقيين؟
لا أعتقد أن هناك صورة واحدة للمعمارية العالمية زها حديد، أو تمثالا لعالم الاجتماع العراقي علي الوردي، ولا حتى معلما ثقافيا يحمل اسم بدر شاكر السياب أو محمد مهدي الجواهري أو ناظم الغزلي، وغيرهم الكثير؟!

*كاتبة لبنانيّة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية