لبناني ينتحر لأجل رغيف الخبز… وعراقيّ يصرخ: “من قتل أخي؟”

حجم الخط
14

قصة مأساوية عرضتها شاشة “أل بي سي أي” اللبنانية. بطل هُزم قبل أن تكتمل معركته مع الحياة.
إنه ناجي. رجل لبناني فقير. يعمل في منشرة خشب. يخرج في الصباح حوالي الساعة الخامسة والنصف ولا يعود حتى المساء. يجتهد لساعات طويلة كي يتمكن من إعالة أولاده وتأمين الدواء لزوجته المصابة بالسرطان. كان يتصارع مع الحياة ومتطلباتها التي تفوق إمكانياته كي لا يقصّر بواجبه كأب محب وزوج مسؤول.
ولكن وضع البلد بدأ يسوء يوماً بعد آخر. ولم تعد هناك أية فرص عمل متوفرة. أغلقت المنشرة أبوابها بسبب الوضع الاقتصادي التعيس.
لكن ناجي لم يستسلم فبدأ يبحث بشكل مكثف عن عمل جديد. يدور من مكان إلى آخر. يسأل في كل المناطق، ولكن من دون جدوى.
هكذا لم يعد أمامه حل كي يُطعم أبناءه إلا أن يستدين المال من إخوته. يشتري من الدكان بالدين. من بائع الخضراوات بالدين أيضاً. حتى أصبح يخجل أن يذهب إلى الدكان أو بائع الخضار، بسبب تراكم الديون.
شعر أن الحياة لم تعد ترحمه. كأنها تضغط عليه من كافة الجوانب. ولم يعد يعرف كيف يؤمن لقمة العيش لعائلته، التي تنتظره أن يعود كي تأكل ما يبقيها على قيد الحياة ليوم آخر.
طلبت منه زوجته أن يحضر لها كيس أرز وكيس سكر وربطة خبز، ولكن لم يكن معه ليرة واحدة. وفي الصباح قبل أن تخرج ابنته من البيت إلى مدرستها طلبت من أمها ألف ليرة يعني أقل من دولار فقالت لها أمها: اذهبي إلى والدك وهو يعطيك ما تحتاجيه.
فعلت الفتاة تماماً كما قالت لها أمها وتوجهت إلى والدها. وهو لم يخجلها. بل قال لها: حاضر. ولكن انتظريني قليلاً سأعود. وما كان من ناجي إلا أن خرج من بيته الصغير وذهب خلف الحائط. هناك، علق حبلاً، وشنق نفسه ميتماً أبناءه ومرملاً زوجته المريضة.
مات ناجي شهيد رغيف الخبز والعوز والفقر والظلم. مات لأنه لم يعد قادراً على إطعام عائلته. لأنه لم يملك أقل من دولار واحد يعطيه لابنته كي تصل إلى مدرستها.
ذكرني موته بقصيدة شعرية لشكسبير من خلال شخصيته المسرحية “عطيل”، يقول فيها: لا تحاول أن تستمر في حياة لا تجد فيها مكانك.
التقط روحك وطر بها إلى مكان آخر.
قد يكون الأعلى الشفيف أو قد يكون المهوى السحيق.
حاول أن تستمر في حياة تحضنك بدون وجع.

نعم إنه الوجع، الذي لم يعد يتحمله قلب هذا الرجل المسكين فطار بعيداً.
ناجي ضحية طبقة سياسية نهبت البلد وأغرقته بالديون وأوصلت المواطنين إلى حالة من الفقر المرعب. والفضل كل الفضل لزعمائنا الفاسدين!
وفي العراق ومن جوف ثورة الشباب المطالب بالحق أطلت علينا قصص لا تقل وجعاً عن قصة ناجي. قصصٌ شغلت مواقع التواصل الاجتماعي وتناقلتها المحطات التلفزيونية.
أبطالها شباب لا ذنب لهم سوى محبتهم لوطنهم ومطالبتهم بحقوقهم كمواطنين أشراف في زمن يحكمه زمرة من الأوغاد.

من أين نبدأ؟

من قصة شاب بعمر الورد، استيقظ صباحاً وهو متلهف لمساندة أصدقائه في ساحة المظاهرات. ليهتف معهم عالياً باسم الكرامة والحرية.
أخذ من أمه 5 آلاف دينار ليطبع على تيشيرته بـ 4 آلاف دينار “نريد وطناً”. أما الباقي فكان أجرة ذهابه إلى ساحة المظاهرات وعودته إلى البيت. وجدوا في جيبه 500 دينار أجرة العودة.
لم يعد إلى حضن أمه، ربما لأنه لم يجد وطناً. كانت بانتظاره طلقات رصاص من ميليشات مجرمة. اخترقت التيشرت وتلطخت عبارة “نريد وطناً” بالدم. حفرت الرصاصات طريقها متجهة إلى صدره النقي. فاستلقى كحمامة سلام جريحة.
وكيف ننسى تلك الصرخة الغاضبة المجروحة المتألمة. صرخة دوت في كل أنحاء العراق. اهتزت لها كل جثث الشهداء المستلقية على الأرض.
“من قتل أخي؟” صاح عراقيّ وهو يستجوب جنوداً حاملاً قميص شقيقه الملطخ بالدماء.
هل هناك مشهد أقسى من هذا؟
كيف يمكن للعالم أن يصمت أمام هذا الفيض المتدفق من الأوجاع. عراق يحتضر أمام تخاذل عالمي مرير. أين أصوات مثقفينا؟ لمَ يهتز العالم لموت شخص واحد في بلد أجنبي، بينما لا يهتم بموت مئات الشباب في العراق؟ هل اعتادوا على موت شبابنا؟ أم أن دماءنا لا لون لها؟
لقد بتنا نخاف أن نتعرف إلى ضحايانا عبر وسائل التواصل الاجتماعي. نفتح صفحاتنا لنتفاجأ بصورة لقريب أو صديق اصطادوه وهو يتظاهر سلمياً بصدر عارٍ إلا من الوطنية والشجاعة والمحبة الخالصة.
أصبحنا نخاف أن نفتح صفحة الفيسبوك أو تويتر أو انستغرام كي لا تصدمنا صورة لعزيز ملطخة بالدماء.
هذا تماماً ما حصل لأب عراقي فجع بمقتل ابنه وهو يقرأ منشوراً لصديق على صفحة الفيسبوك.
نشر مهدي حميدي، أحد رواد الـ”سوشيال ميديا”، على صفحته الفيسبوكية، صورة لأحد ضحايا الاحتجاجات في مدينة النجف، سائلاً أصدقاءه إن كان أحدهم يعرف هوية القتيل، الذي فارق الحياة قرب ما يعرف في مدينة النجف في مسيرات ثورة العشرين ولم تكن في جعبة الشاب هوية ولا هاتف.
كانت الصدمة في أول تعليق جاء تحت المنشور. كلمات قليلة ولكنها كافية لتهد جبالاً بحالها: “هذا ابني يا مهدي”.

إنها أفاعي الأنظمة المسمومة تزحف صوبنا من كافة الاتجاهات لتلسع أبناءنا. لكن أرواحهم تبقى ترفرف فوقنا، وفوق كل بقعة في أوطاننا المنكوبة، المبتلاة بالقمع والطغاة والقتلة، ولا بد أن ينتصر الحق وإن كان بعد حين.

كاتبة لبنانيّة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية