يعمدُ “حزب الله” إلى إرسال مواقف متضاربة ومتناقضة حول موقفه من المطالب التي تضمنتها الورقة الأمريكية التي يفاوض على أساسها الموفد الرئاسي الأمريكي توماس برَّاك أركان الدولة اللبنانية. لا شك في أن ما يُعلنه “الحزب” من التمسُّك بالسلاح يحمل في طياته اعتبارات حيال بيئته السياسية والعسكرية وحاضنته الشعبية، وما تمليه ضرورات التفاوض. لكن ما يُقلق الكثير من المتابعين هو أن يذهب مرة جديدة إلى خيارات قاتلة والمراهنة على إحداث وقائع استنزاف يستطيع من خلالها “محور إيران” التقاط الأنفاس لتمرير عهد دونالد ترامب.
ما أَسرَّت به وكالة “رويترز”، عن “مراجعة استراتيجية كبرى” يُجريها “حزب الله” بعد الحرب المدمرة مع إسرائيل تتضمن تقليص دوره كجماعة مسلحة من دون تسليم سلاحه بالكامل، فيه كثير من المنطق، ويصبح أكثر ضرورة وإلحاحاً بعد الحرب الإسرائيلية – الإيرانية المباشرة والدخول الأمريكي على خط ضرب منشآت نووية إيرانية رئيسية لتحييد برنامجها النووي، ما أفقد طهران المزيد من أوراق قوتها بعد محاصرتها في الداخل وهزّ ركائز مؤسساتها الأمنية والعسكرية. فبحسب ما نقلته الوكالة عن مسؤول لبناني كبير ومصدَرين آخرين مطَّلعَين على النقاشات الداخلية لـ”الحزب”، فإنه خلص إلى أن ترسانة الأسلحة التي جمعها لردع إسرائيل ومنعها من مهاجمة لبنان أصبحت عبئاً عليه. وعبَّر المسؤول اللبناني عن قناعته بأنه كان لدى “حزب الله” “فائض قوة، فتحوَّل كله إلى “نقطة نقمة”، مستطرداً إن “حزب الله” ليس “انتحارياً”. وهي مقولة يرددها منظرو “الحزب”، لكنهم يشيرون في الوقت نفسه إلى البعد العقائدي الديني المرتكز على ولاية الفقيه التي بنى على أساسها وجوده وسرديته ومشروعه كجزء من الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها مرجعية الشيعة في العالم.
في المقابل، تأتي تغريدة على منصة “إكس” للكاتب والمحلل السياسي الداعم لـ”المحور” إيليا ج. مغناير لتأخذ النقاش إلى بُعد آخر لا علاقة له بما كان يُمثّله “الحزب” من لاعب إقليمي ودور محوري في مشروع ولاية الفقيه وفي رفع راية تحرير فلسطين والأقصى، إذ يعتبر أنه “في اليوم الذي يُسلِّم فيه حزب الله سلاحه رسميًا، ستدخل الطائفة الشيعية في لبنان مرحلة جديدة من التهميش قد تكون أشدّ قسوة مما عانته طوال العقود الماضية. فلطالما واجه الشيعة تهميشاً ممنهجاً وتمييزاً تاريخياً، إلا أن صمودهم مكّنهم من الحفاظ على قدر من التماسك والتأثير. ومع ذلك، فإن نزع السلاح قد يُجرِّدهم من وسيلتهم الأساسية للدفاع عن النفس ومن أوراقهم السياسية، ما يجعلهم عُرضة لتهميش متزايد، وضيق اقتصادي، وربما حتى قمع ممنهج. وقد يؤدي هذا التحوُّل إلى تعميق الانقسامات داخل لبنان، وإضعاف موقعهم الاجتماعي والسياسي، وزيادة قابليتهم للاستغلال من قبل قوى خارجية أو فصائل داخلية تسعى إلى الهيمنة. إن التبعات خطيرة للغاية، فهي قد تحوِّل مجتمعاً صامداً إلى جماعة مهمّشة ذات حقوق وتمثيل محدود في مستقبل البلاد”.
إنها ببساطة حالة التخبُّط والضياع التي تعيشها الجماعات والفصائل والأذرع العسكرية التي زرعتها طهران ونمَّتها في لبنان، والعراق، واليمن، وفلسطين، وحيث يمكن أن تصل يداها في إطار “تصدير الثورة” والتمدد خارج الحدود وخلق قوى رديفة للدولة وما فوقها في استراتيجية توسيع النفوذ والسيطرة.
يأتي توماس برّاك، الأمريكي من أصول لبنانية، والذي يحظى بثقة عالية من ترامب، إلى لبنان الاثنين في 7 تموز/يوليو لتسلّم رد السلطة اللبنانية على الورقة التي قدَّمها قبل أسابيع إلى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب. هو استبق وصوله بحديث مع “نيويورك تايمز” أشار فيه إلى الفشل الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب بين إسرائيل و”حزب الله” في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 لأنّ إسرائيل ما زالت تقصف لبنان، ولأنّ “الحزب” ينتهك بنود الاتفاق. لافتاً إلى أن المقترح الذي سلَّمه من وزير الخارجية مارك روبيو إلى لبنان يُبيِّن للحكومة اللبنانيّة، بأهدافٍ وجداولٍ زمنيّة محدّدة، كيفية نزع سلاح قوّات “حزب الله” وإنعاش اقتصاد البلاد، معتبراً أنَّ نزع سلاح “حزب الله” سيستلزم “عصا وجزرة”، وأنّ الجيش اللبناني سيُفتّش البيوت بحثًا عن أسلحة. وربما يلاقي ذلك مقاومةً من المجتمعات الشيعيّة التي طالما رأت في “الحزب” حاميًا للبنان و”مقاومة” ضد إسرائيل. وبالتالي، لمنح هذه المجتمعات حافزًا للمشاركة، فإنّ الولايات المتحدة تسعى إلى الحصول على مساعداتٍ ماليّة من السعودية وقطر تُخصَّص لإعادة الإعمار في أجزاءٍ من جنوب لبنان تضرّرت خلال الحرب، معرباً عن قناعته بأنه “إذا حصل شيعة لبنان على شيء من هذا، فسيتعاونون”.
ماذا في المعطيات لدى متابعين للتحرّك الرسمي؟ يقول هؤلاء إن أركان السلطة اللبنانية توصلوا، عبر ممثليهم، إلى صيغة تتعلق بوضع آلية لتسليم السلاح. وبالتالي لا تباين بين الرؤساء الثلاثة، بل هناك اتفاق بينهم مفاده أنه إذا لم يوافق “حزب الله” على صيغة الرد، فإنهم سيبقون متماسكين في ما بينهم وعلى موقف واحد مقابل موقف “الحزب”. وهذا يُعتبر، من وجهة نظر بعض المراقبين، تقدماً إيجابياً بما يعنيه من تمايز ولو محدود بين “حزب الله” وبري الذي بقي رئيسا الجمهورية والحكومة يتعاملان معه بوصفه رئيساً لمجلس النواب. ولم يعمدا إلى وضعه في كفة واحدة مع “الحزب”، كما كانت ردة فعل بعض القوى السياسية. فليس خافياً أن “الحزب” الذي كان لاعباً إقليمياً كبيراً يتقدَّم أذرع إيران في المنطقة أضحى بفعل التطورات الكبرى يحتاج إلى مظلة بري كي يستطيع أن يمرر المرحلة بأقل الخسائر الممكنة وتأمين بعض المكاسب مقابل تسليم السلاح.
خلال الأيام القليلة المقبلة، سيظهر ما تتضمنه الورقة اللبنانية من مضمون، وما هي ردود الفعل الأمريكية عليها. غير أن الأجواء في دوائر القرار الرسمي تتحدث عن أن الأمور “ميسَّرة” وليست متعثرة. واتجاه الرؤساء الثلاثة على البقاء موحَّدين يؤشِّر إلى حجم الضغط الأمريكي الهائل وربط موضوع السلاح بموضوع إنقاذ عجلة الاقتصاد ولقمة عيش اللبنانيين، وربطهم ببعضهم البعض أجبر الدولة اللبنانية على أن تختصر الوقت وتذهب بورقة موحدة. ما يُشير إليه مطَّلعون هو أن هناك توافقاً رئاسياً ثلاثياً على ورقة برَّاك وسيكون الرد المفصَّل إيجابياً، ويشمل كل الجوانب المتعلقة بالملف مع إسرائيل، والملف مع سوريا، والملف الداخلي المتعلق بالإصلاحات. وسيكون مرتكزاً على صيغة تزامنية حول تسليم السلاح، فقد نرى معادلة “التزامن” بدلاً من “خطوة مقابل خطوة”.
فخ الحوار والكلفة المرتفعة
على أن متابعين لحركة الإدارة الأمريكية وموقف واشنطن يتخوفون من أن لا تكون الدولة اللبنانية قادرة على إعطاء جواب يفي بمتطلبات الولايات المتحدة، ما سيوصل الأمور إلى حائط مسدود. وتعتبر في هذا السياق الكاتبة الصحافية راغدة درغام، الخبيرة في السياسة الأمريكية، أن الرؤساء الثلاثة سقطوا في فخ الحوار مع “حزب الله”، وأسقطوا القرار السيادي من أيديهم ووضعوه في يد طرف واحد هو “الحزب”، ما يُشكِّل هروباً من السلطة اللبنانية إلى الأمام وتخلياً كاملاً عن المسؤولية كـ”دولة” والتي يجب ألا تكون مُلحقاً بـ”الدويلة”. وبالتالي، إذا بقي هذا الوضع المبهم، فسندخل في دوامة صعبة جداً لا تنتهي بتملّص “حزب الله” من تسليم سلاحه إنما القضاء على تلك الترسانة مهما كانت الكلفة على لبنان البلد.
تشاؤم درغام مرده إلى أن قرار “حزب الله” هو في طهران التي تتصرَّف وفق مصلحتها، ولن تقبل بالتخلي عن الأذرع، ولن تسمح لـ”حزب الله” بتسليم سلاحه وفتح الباب أمام الخطوات التالية من ترسيم وإصلاحات. وهو موقف يشاركها فيه الكثير من القوى السياسية التي ترى أن لبنان الرسمي يتصرَّف كوسيط بين الولايات المتحدة و”حزب الله”، فيما عليه أن يتصرف على أنه صاحب السلطة والقرار في البلاد، وأن أي خطأ في التقدير السياسي سيضع لبنان برمته في وجه المجتمع الدولي والأمريكيين الذين سيلجأون، حين ينفد صبرهم، إلى ممارسة مزيد من الضغوط على لبنان عبر محاصرته ومنع المساعدات الاقتصادية عنه، وفرض عقوبات على بعض أركانه، وصولاً إلى إمكانية أن يُؤدي التردد اللبناني إلى الإطاحة بالتمديد لقوات الطوارئ الدولية في ظل وجود دونالد ترامب الذي يحلو له تقليص مساهمة الولايات المتحدة في القوة الدولية، لا بل شطبها بالخالص.
كي لا تضيع الفرصة
التقاط الفرصة هو المطلوب أمريكياً. فرغم كل الأجواء الإعلامية عن الضغوط الأمريكية، فإن ثمة رغبة حقيقية لدى واشنطن بمساعدة لبنان للخروج نهائياً من كل الأزمات، سواء مع إسرائيل أو سوريا أو الداخل الاقتصادي مقابل حصرية السلاح اللبناني وغير اللبناني التي يضع لها الأمريكي سقفاً زمنياً حتى نهاية السنة.
قد نشهد اجتماعاً لمجلس الوزراء في صدد تنفيذ مضامين الورقة، وقد يجتمع المجلس الأعلى للدفاع ويخرج بصيغة بأن “قيود السلاح اللبناني وغير اللبناني أصبحت في عهدة الجيش، وهو جزء من الأمن القومي اللبناني، بحيث يصير كل السلاح بيد الجيش وهو المسيطر على المواقع والمخازن، فليس كل السلاح للتلف والتدمير”. ويقول عارفون في هذا المجال إنه حين تصبح هذه المخازن بتصرف الجيش وفق قيود، لا يعود حينئذ لأي جهة القدرة على التصرف بها ما دامت هي في عهدة الجيش.
السؤال المحوري لدى كل الأطراف يتمثل بمن هو الضامن؟ وكيف يمكن الثقة بالولايات المتحدة التي سبق أن ضمنت اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان بالنيابة عن “حزب الله”؟ تبقى الإجابة على الدوام: إنها ضمانة الأمريكيين. جاء الأمريكي من أجل أن يجد حلاً مستداماً مع إسرائيل، وجاء السعودي من أجل حل مستدام في العلاقة بين لبنان وسوريا، ولا سيما أن هذا الملف أضحى ملفاً شائكاً مع سقوط نظام بشار الأسد ومجيء أحمد الشرع الذي يستعر يوماً بعد يوماً الضخ الإعلامي اللبناني ضده وضد جبهة “النصرة” وتنظيم “داعش” وخطر تلك التنظيمات على الحدود اللبنانية الشرقية، حيث في شرق لبنان ثمة غالبية شيعية مع تواجد سني ومسيحي.
البحث الجاري في الورقة الأمريكية والرد على الورقة هو بحث عن تسوية كبرى وتسوية شاملة. وبالتالي حين يكون الحديث عن تسوية شاملة، فإنه من الجنون أن لا يذهب أركان الدولة إلى قبول الحل الشامل. ووفق المعطيات، فإن الرئيس نبيه بري، أكثر عجلة حتى من رئيسَي الجمهورية والحكومة. ففي نهاية المطاف، يريد بري أن تؤول خريطة الطريق إلى “لملمة الشارع الشيعي” وضمان عودة الجنوبيين إلى أراضيهم وإعادة إعمار قراهم المهدمة، والانضواء في كنف الدولة في ظل المتغيرات الكبرى الحاصلة وتبدّل موازين القوى.
لا يرى صحافي معارض لـ”حزب الله” أن “الثنائي الشيعي” قد يذهب في هذه اللحظة إلى المطالبة بمكاسب سياسية إضافية. يقول: “حساباتهم دقيقة جداً، بحيث إن الثنائي لا يريد التخلص من المشكلة مع إسرائيل للدخول في مشكلة طائفية داخلية”، معتبراً أن الشيعة لديهم حصتهم في النظام. ويروي أنه سبق أيام الأمين العام الأسبق حسن نصرالله أن عُرض عليه تسليم السلاح مقابل مكتسبات في التركيبة المؤسساتية، كمنح قيادة الجيش للشيعة، وحتى إلى حاكم مصرف لبنان، لكنه رفض حينها. وهو لا يعتبر أن طروحات البعض لـ”الديمقراطية العددية” يمكن أن تلقى آذاناً صاغية لها في الداخل والخارج في هذه المرحلة الدقيقة.
تنطلق الصورة لدى المتفائلين إلى أن المطلوب تفكيك الهيكل العسكري لـ”حزب الله”، والإبقاء على الهيكل السياسي له للاندماج في الحياة السياسية اللبنانية وفق الدستور وتحت القانون. ولا يعتقد هؤلاء أن لدى “الحزب” القدرة على المناورة والمراوغة فيما تتربص به إسرائيل وتواصل استهدافه يومياً، كما قد تكون إيران، من خلال تصريحاتها المتتالية بأن “إيران ليست لبنان”، هدفت إلى منحه هامشاً ودفعه باتجاه الانكفاء لبنانياً على غرار انكفائها المتوقع إيرانياً!
ماذا إذا كنا أمام مشهد تقطيع الوقت ليس إلا؟ وماذا إذا لجأ “حزب الله” إلى المراوغة والتذاكي والانقلاب على الورقة، وماذا لو خلق أحداثاً داخلية لعرقلة مسار التنفيذ؟ يجيب سياسي مخضرم: في المبدأ، لن يعرّض “الحزب” نفسه وبيئته لحرب كبيرة مع إسرائيل، وقد يتجنّب لبنان “الكأس المرة” شرط أن يكون هناك تماسك داخلي، ولكن إن فعل “الحزب” وراوغ: “رح ياكل قتلة”.