لبنان: انتصار بثمن باهظ
حكم البابالبنان: انتصار بثمن باهظلا توجد طريقة في العالم لتحقيق انتصار سياسي أسوأ من تلك التي استخدمتها المعارضة اللبنانية يوم الثلاثاء الماضي، عبر إشعالها للاطارات وإغلاقها للطرق بالسواتر الترابية، للتعبير عن احتجاجها علي تجاهل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة لوجودها ومطالبها وحاجاتها، فمثل هذه الطريقة فضلاً عن كونها تساهم في إضعاف حجة أكثر المطالب عدالة، نقلت الاحتقان المذهبي والطائفي الحسّاس في لبنان إلي حالة مواجهة دموية مباشرة، لن تستطيع ايقافه لا النداءات الحزبية ولا الفتاوي الشرعية، وسيفلت في لحظة من اللحظات من أية رقابة أو ضبط مهما إدعي أي فريق في لبنان من قدرات علي ضبط فريقه ومناصريه.أنا هنا لا أتجاهل الدوافع التي جعلت المعارضة اللبنانية تقرر اتخاذ مثل هذه الخطوة الخطرة، وأعتبر أن من اللغو الفارغ الركون إلي اعتبارها مجرد أدوات سورية وايرانية وحذفها من الحياة السياسية لهذا السبب، كما يحاول فريق الصقور في القوي المشكلة للسلطة في لبنان تفسير تحرك القوي المعارضة، وحتي لو سلمنا جدلاً أنها قوي منفذة للأوامر السورية والايرانية، فلا يمكن للسطة تجاهل ثلث أو نصف الشعب اللبناني لمجرد اختلافها معه في الرأي والتوجهات، وبالتالي إلغاء وجوده والاستئثار بحكم البلد، بحجة حصولها علي أغلبية نيابية، فبلد فسيفساؤه الطائفية والمذهبية بحساسية لبنان، لا يمكن حكمه بالطريقة التي يتم بها حكم بلاد عريقة في لعبة الانتخابات الديمقراطية، يفوز حزب فيحكم حتي نهاية ولايته، ويخسر آخر فيبقي في المعارضة حتي موعد الانتخابات التالية. وبسبب هذا الوضع الحساس الذي علي أية سلطة لبنانية أن تراعيه مهما كان عدد المقاعد النيابية التي تملكها، من الخطورة أن تلجأ المعارضة إلي الأسلوب الذي لجأت إليه في قطع الطرقات وإحراق الاطارات، والذي يكاد يكون مبرراً استخدامه من قبل أية معارضة في مواجهة سلطتها، في بلاد لا تتحكم فيها الفسيفساء الطائفية والمذهبية مثلما تتحكم بلبنان، والحرب الأهلية فيه يمكن إشعالها بعود ثقاب، علي الرغم من كل التصريحات التي تحاول كل التيارات المتصارعة في لبنان نفيها، وهو ما ظهر واضحاً في أحداث يوم الخميس الماضي، الذي أظهر أن اغلاق المعارضة لطرق بيروت قبله بيومين، ترك أثراً أكبر من الأضرار التي خلفتها الاطارات المشتعلة والطرق المقطوعة بالسواتر الترابية، ولم ينته بإطفاء هذه الاطارات أو إزالة تلك السواتر.ربحت قوي المعارضة كما أعلنت ولو ظاهرياً معركة الاطارات المشتعلة والسواتر الترابية وقطع الطرقات، ولكن بعد أن دفعت ثمناً باهظاً تمثل بفقدان ثقة المواطن اللبناني بعد أن دخلت في مواجهة مع حياته، وهو ثمن أكبر بما لا يقاس مما جنته من اعتصامها.. وربحت قوي السلطة كما أعلنت أيضاً معركة إطفاء الإطارات وإزالة السواتر وفتح الطرقات، ولكن بعد أن دفعت ثمناً باهظاً أيضاً، تمثل بفقدان ثقة المواطن اللبناني بحكومته ودولته، وهو ثمن أكبر بما لا يقاس مما جنته من استمرارها بالحكم!أخيراً منذ أن بدأت الأزمة بين فريقي السلطة والمعارضة سقطت كل التعريفات التي يتباهي بها سياسيوه عند وصفهم لبلدهم من كونه الوطن النهائي لكل أبنائه، أو وطن العيش المشترك، أو البلد المفتوح خلافاً لكل جيرانه، أو واحة الحرية في المشرق العربي، وتحول إلي ساحة لحرب قبيلية، كل منها يدافع عن حارته وأرضه وعشيرته، فإذا انتقدت حركة أمل يسارع النائب علي حسن خليل للاتصال بأقرب تلفزيون ليرد، وإذا مس طرف تيار المستقبل يسمع صوت عضو كتلته النيابية وليد عيدو في أول نشرة أخبار مدافعاً، وإذا قيلت كلمة في حق حزب الله يظهر النائب حسين الحاج حسن علي أول شاشة منفعلاً وإذا مرر شخص في برنامج سياسي جملة عن التيار الوطني الحر لا يمهله اتصال من النائب ابراهيم كنعان حتي ينهي جملته، وهذا ما يفعله النائب أنطوان زهرة فيما لو تم التعرض للقوات اللبنانية، والنائب فيصل أبو فاعور فيما لو تم ذكر الحزب التقدمي الاشتراكي، وشعار كل واحد من هؤلاء قول دريد بن الصمة:وما أنا إلا من غزية إن غوتغويت وإن ترشد غزية أرشد! 9