لبنان بعد الحصار: التفاعل مجددا مع الاقتصاد الدولي

حجم الخط
0

لبنان بعد الحصار: التفاعل مجددا مع الاقتصاد الدولي

د. لويس حبيقةلبنان بعد الحصار: التفاعل مجددا مع الاقتصاد الدولي انتهي الحصار وسيعود لبنان تدريجيا الي لعب دوره الاقتصادي الطبيعي. لا شك أن مشاكلنا الاقتصادية زادت، لكن الارادة الشعبية قوية ولا بد للحيوية من أن تعود. فبينما نحن غارقون في أوضاعنا الصعبة المستمرة منذ شهرين، يواصل الاقتصاد الدولي تقدمه ولا ينتظرنا. يتغير باتجاه دور أكبر لآسيا في الانتاج والاستهلاك. نجحت الدول الآسيوية في اعتماد سياسات اقتصادية ذكية أكملت الأسواق ولم تحل مكانها. دعمت العديد من الصناعات فحافظت علي الناجحة وألغت الفاشلة. تبقي المنطقة العربية، وليس لبنان فقط، غارقة في مشاكلها بسبب الحروب والأمن والسياسة كما بسبب التأخر في تطبيق الاصلاحات في القوانين والمؤسسات. لن تستطيع المنطقة العربية توسيع دورها الاقتصادي بالرغم من ارتفاع أسعار الطاقة بسبب ضعف التنويع الانتاجي وعدم التنبه الي عاملي الانتاجية والتنافسية. تحتاج أوروبا واليابان الي المزيد من المنافسة في أسواق الخدمات الوطنية التي تستوعب أكثر من 70% من العمالة وتنتج حوالي 70% من القيمة المضافة. تحتاج الدول الغربية الي تحقيق نمو قوي اذا رغبت في الحفاظ علي مستوي الضمانات الاجتماعية السخية التي تقدمها الي مواطنيها في وقت يزداد فيه الخلل الديموغرافي. ستبقي أفريقيا غارقة في مشاكلها وأمراضها وبالتالي تشكل التحدي الأساسي لكل مؤسسات التنمية الاقليمية والدولية. يتحجم الدور الاقتصادي النسبي للولايات المتحدة ليس فقط بسبب سياساتها المتحيزة في الشرق الأوسط وبقية مناطق العالم، وانما أيضا بسبب الخلل الحاصل في الموازنة وميزان الحساب الجاري. يؤثر عجز الموازنة علي مستوي الفوائد وبالتالي علي تكلفة الاستثمارات. يزيد اقتراض القطاع العام من السوق والمصارف، فتتأذي مصالح القطاع الخاص تماما كما يحصل في لبنان. يعني عجز ميزان الحساب الجاري، أن الاقتصاد يقترض من الخارج بسبب عدم توافر مصادر مالية داخلية كافية ومناسبة. هذا يجعل الاقتصاد الوطني مرتبطا، بل معتمدا، علي المقرضين في الخارج وشروطهم. بلغ عجز ميزان الحساب الجاري الأمريكي 225 مليار دولار في الربع الأخير من السنة الماضية و805 مليارات دولار لكل سنة 2005. ما يدعو للعجب أن الاستثمارات المباشرة في أمريكا لم تتأثر بالخلل المالي. يبدو أن الأسواق المالية تتجاهل واقعي الموازنة والحساب الجاري الأمريكيين في فترة تقلبات سياسية (الأوضاع العراقية واللبنانية) واقتصادية (ارتفاع أسعار النفط والفوائد). لذا يجب مراجعة بعض النظريات التي ربما شاخت وتقاعدت أو وجب تصحيحها أو تعديلها لشرح الواقع. لماذا لم تسقط الأسواق المالية؟أولا: تجاهل المستثمرين للمعطيات والمؤشرات أو عدم فهم بعضهم لها. أهمل المستثمرون في ظروف سابقة معطيات السوق وخسروا الكثير، تماما كما حصل في سنة 2000 مع أسهم شركات التكنولوجيا والاتصالات. لماذا لا يتعلم المستثمر من تجارب الماضي المؤذية ويستمر في التهور دون تقدير جدي للعواقب المحتملة؟ ما يحصل في أسواق الاستثمار يحصل أيضا في أسواق الاستهلاك، اذ لم يعد المستهلك ملكا كما كان في الماضي. من المفروض أن يكون دور المستهلك أكثر فعالية بحيث يفرض علي المنتج احترام ذوقه وحقوقه. كم هو عدد المستهلكين الذين يجددون مثلا قروض السكن كلما انخفضت الفوائد؟ لماذا يستمرون في تسديد فوائد مرتفعة بينما تنخفض تكلفة الاقتراض في السوق؟ هل يخاف المستهلكون من السوق أم لا يفهمون تقلباتها؟ تشير الدراسات الي أن المستهلكين يتجنبون التبادل المالي المتتابع لتحقيق أرباح قليلة ويفضلون الانتظار حتي تصبح الأرباح أكبر مرة واحدة. هذا يمكن تفسيره في علم النفس ولا مبرر له في العلوم المالية والاقتصادية.ثانيا: تشير العلوم الاقتصادية الكلاسيكية الي علاقة قوية بين التوازنات الاقتصادية وصحة الأسواق المالية. لذا توقعت النظريات سقوط الأسواق المالية الأمريكية، لكنه لم يحصل. تقول النظريات الجديدة ان السقوط المالي لم يحصل بسبب دور الولايات المتحدة الرائد في تصدير الخبرات في ادارة الأعمال والتكنولوجيا المتنوعة. اذا احتسبت هذه الخدمات الخفية، يتغير وضع ميزان الحساب الجاري، أي يخف العجز كثيرا وربما يحصل فائض. تقول نظريات أخري أن مؤشرات الادخار المحتسبة والمعلنة لا تأخذ في الاعتبار واقعا جديدا وهو أن عدد الأمريكيين الذين يؤسسون شركات جديدة ويديرونها بأنفسهم قد ارتفع كثيرا. هذا يعني أن ادخار هؤلاء الأشخاص يستثمر تلقائيا في شركاتهم وبالتالي يظهر كاستثمار وليس كادخار. تؤكد هذه النظريات ان مؤشرات الادخار الأمريكية المعلنة تعطي أرقاما أدني بكثير من الواقع.كي تتجنب أية دولة انحسار دورها الاقتصادي عليها أن تستثمر أكثر في البحث والتطوير، أن تخفض تكلفة الاستشفاء والاستشارات القانونية وأن ترفع مستوي التعليم المدرسي. لا يخفي علي أحد أهمية المستوي التعليمي المدرسي وتأثيره المباشر علي الانتاجية والتنمية والحريات. بلغت الصادرات اليابانية والأوروبية في السلع الي الصين السنة الماضية تباعا حوالي 79 مليار دولار و 49 مليار مقارنة فقط بـ37 مليار دولار لأمريكا. يجب علي الشركات الأمريكية الصغيرة والمتوسطة أن تنجح أكثر في الوصول الي العمق الصيني، وهذا لم يحصل حتي اليوم. من جهة أخري انخفض الانفاق علي البحث والتطوير في أمريكا من 60% من المجموع العالمي في الستينات الي 30% اليوم. لا يخفي علي أحد أهمية هذا الانفاق للتجديد الانتاجي والابتكار السلعي والخدماتي وبالتالي للنمو الاقتصادي العام. بينما زادت الانتاجية الأمريكية الصناعية بنسبة 27% خلال السنوات الخمس الماضية، زادت أقساط التأمين الاستشفائي بنسبة 34% وتكلفة المنازعات القانونية بنسبة 33% مما يعني أنهما ألغتا عمليا مفاعيل الزيادة الانتاجية الايجابية علي الاقتصاد. أما مستوي التعليم المدرسي فيظهر عبر الامتحانات الدولية التي يتقدم اليها طلاب المدارس والتي تظهر نتائجها تراجع مستوي التعليم المدرسي الأمريكي. تظهر هذه النتائج أيضا ارتفاع مستوي التعليم المدرسي في شرق آسيا مما يعكس دورها الاقتصادي المتزايد.يبلغ الحجم السكاني الآسيوي حوالي نصف سكان العالم (باستثناء روسيا والشرق الأوسط). يبلغ حجم الناتج الآسيوي حوالي 23% من المجموع، أي أقل من الثقل السكاني. في المقابل، تحتوي كل من مجموعتي دول شمال أمريكا والسوق الأوروبية تباعا علي 7% و 6% من سكان العالم وتحققا 34% و 29% من الانتاج العالمي. لا شك أن الدور الآسيوي سيكبر بسبب النمو الاقتصادي القوي الذي يتحقق بفضل عمالة رخيصة ونشطة ومتعلمة وتمويل مناسب ومتوافر كما بفضل توجه الشركات العالمية للاستثمار فيها. سيساهم الدور الاقتصادي الآسيوي الجديد في تخفيض تكلفة العمالة دوليا، في انخفاض الأسعار بسرعة نتيجة توسع أسواق الاستهلاك كما في ادخال الجميع الي عالم الانتاج. لذا سيساهم في تخفيف سوء توزع الدخل وفي زيادة مستوي الرفاهية الاجتماعية لعمال الدول النامية والناشئة. هل نحن قادرون في لبنان وفي اقتصادياتنا العربية عموما علي بناء ادارات عامة منتجة وفاعلة؟ هل نحن قادرون علي مساعدة المشاريع الناجحة فقط وترك الفاشلة تزول؟ هل نحن قادرون علي ابعاد المصالح السياسية عن القرارات الاقتصادية الصحيحة؟ هل يمكن تحديد دور القطاع العام الأساسي فقط بتأمين المناخ المناسب والمشجع لاستثمارات القطاع الخاص؟ هل يستطيع القطاع العام العربي واللبناني تحديدا توفير المعلومات الصحيحة والكافية للقطاع الخاص بحيث يتجنب الأخطاء ويحسن الخيارات؟ بعد انتهاء الحصار وبدء ورشة البناء في البيوت والمصانع والبنية التحتية، لا بد وأن نعيد النظر في دور القطاع العام اللبناني في الاقتصاد فنستفيد من تجارب الغير كما من أخطائنا الكثيرة السابقة. كاتب من لبنان8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية