لبنان بين القرار الظني وقمة دمشق

حجم الخط
0

رأي القدس يشهد لبنان هذه الايام سباقا متسارعا بين التصعيد والتهدئة، بين الذهاب الى فتنة طائفية قد تتطور الى عدوان اسرائيلي، وبين جهود للتهدئة تقوم بها اطراف عربية عدة لتطويق الازمة ومنع انفجارها، او على الأقل تأجيل هذا الانفجار لكسب المزيد من الوقت لمواصلة الوساطات والجهود الرامية الى حل الأزمة.

شهدت دمشق بالأمس قمة ثلاثية شارك فيها رجب طيب اردوغان رئيس وزراء تركيا، والشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر وراعي اتفاق الدوحة، الى جانب الرئيس السوري بشار الاسد، وهي قمة تزامنت مع صدور القرار الظني عن المحكمة الدولية المتعلقة بجريمة اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري.

القمة اعطت اول ثمارها من حيث تأجيل المشاورات التي يقوم بها ميشال سليمان الرئيس اللبناني لتشكيل حكومة لبنانية جديدة، بعد انهيار حكومة سعد الحريري اثر انسحاب وزراء المعارضة منها.

ولكن ما زال من غير المعروف ما اذا كانت هذه القمة ستنجح في معالجة اساس الازمة، وهي المحكمة الدولية واحتمالات بتوجيهها الاتهام الى عناصر من ‘حزب الله’ اللبناني بالتورط في عملية الاغتيال.

الازمة اللبنانية اعقد بكثير مما يتصوره الكثيرون داخل لبنان وخارجه، لان اطرافا خارجية وخاصة الولايات المتحدة واسرائيل لا تريد الاستقرار والتفاهم بين الاطراف اللبنانية، وتضع عقبات في طريق المصالحة وتستخدم المحكمة الدولية ذريعة لتجريم المقاومة اللبنانية كخطوة لنزع سلاحها سواء بالقوة والغزو او من خلال الضغوط السياسية، وربما الحرب الاهلية.

السيد حسن نصر الله زعيم المقاومة اللبنانية ابدى وعيا ملموسا ومعمقا بهذه الاهداف الامريكية والاسرائيلية عندما اكد في خطابه امس الاول بانه لن يتعاون مع المحكمة، ولن يقبل بحكومة يشكلها السيد سعد الحريري وتقبل بشروط هذه المحكمة واملاءاتها.

القرار الظني المتوقع صدوره في غضون اسابيع معدودة قد يكون المفجر للازمة اللبنانية لانه اذا ما اتهم حزب الله صراحة وطالب الحكومة اللبنانية او الانتربول باعتقال العناصر المتهمة فهذا يعني انفجار الازمة وتصاعد احتمالات التدخل الاسرائيلي.

الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي، الذي غاب عن القمة الثلاثية في دمشق لاسباب لا نعرفها، قال اثناء مشاركته في مؤتمر في اسطنبول بان انهيار الحكومة اللبنانية وتأزم الاوضاع في هذا البلد قد يؤديان الى تفجير منطقة الشرق الاوسط باكملها. فهل هذا يعني ان الامير السعودي يعرف ما لا يعرفه الآخرون حول المخططات الامريكية او السيناريو الامريكي المتفق عليه بين قوى لبنانية محلية واخرى خارجية بشأن التعاطي مع الملف اللبناني؟

التسريبات التي بثتها محطة تلفزيون ‘الجديد’ اللبنانية، وكشفت فيها عن تسجيلات توثق لقاء السيد سعد الحريري مع المحقق الدولي ليمان وشاهد الزور زهير الصديق، ويتهم فيها الرئيس السوري بشار الاسد باغتيال والده ويتطاول فيها على عدد كبير من الشخصيات اللبنانية والسورية وحتى السعودية بطريقة غير مسبوقة، هذه التسريبات تكشف عن تسييس مسبق للمحكمة وقراراتها، مثلما تؤكد وجود السيناريو الذي اشرنا اليه بتفجير لبنان وانهاء المقاومة على ارضه.

السيد سعد الحريري اعتذر رسميا لكل من تطاول عليهم في هذا الشريط، ولكن ما هو مطلوب منه في نظرنا اكثر من الاعتذار، اي التخلي عن طموحاته المزمنة في البقاء رئيسا لوزراء لبنان، واتخاذ وقفة وطنية شجاعة بالتنازل عن نزعاته الثأرية الانتقامية ورفض المحكمة الدولية واحكامها من اجل مصلحة لبنان والمنطقة باسرها، وحقن دماء آلاف او ربما عشرات الآلاف من الضحايا التي يمكن ان تسفك بسبب هذه المحكمة.

على السيد الحريري الابن ان يختار بين دخول التاريخ كشخص قدم مصلحة لبنان على مصلحته واسرته، او كرئيس وزراء ساهم او سهل تدمير هذا البلد. ونأمل ان يكون خياره هو الاول رغم صعوبته بالنسبة الى شخص فقد والده في جريمة غادرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية