لبنان تحول لميدان النزاع على اليمن بين السعودية وإيران وقادته الجشعون يحبونه «مجنونا»

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

مرة أخرى يجد لبنان نفسه في دوامة النزاع أو التنافس السعودي- الإيراني، وبسبب مخالب طهران الممتدة في المنطقة العربية.
وتشي تصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان التي أطلقها على هامش قمة العشرين الأخيرة في روما بطبيعة موقف الرياض. وقال فيها إن السعودية قطعت العلاقات مع لبنان بسبب هيمنة حزب الله على القرار السياسي في لبنان وأن التعامل معه «لم يعد مثمرا».
وجاءت تصريحات الوزير عقب قطع السعودية علاقاتها مع لبنان ووقف استيراد المواد الغذائية منه. وبناء على هذا الموقف قررت ثلاث دول خليجية أخرى وهي الإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت الطلب من سفراء لبنان مغادرة أراضيها في 48 ساعة.
والسبب الداعي لهذه الإجراءات هي تصريحات وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي المعروف، وهي تصريحات أغضبت السعودية لأنها مست عصبا حساسا، اليمن التي تحاول الخروج منها بعد سبع سنوات من حرب أدت لأكبر كارثة إنسانية في العالم ووصفها بالحرب العبثية وأن الحوثيين يدافعون عن أنفسهم ضد معتد خارجي- السعودية والإمارات. لكن التصريحات جاءت من وزير محسوب على تيار حزب الله ومؤيد لسوريا، وترك العمل مع السعوديين بسبب مواقفه هذه. وكان يمكن للأزمة أن تنتهي عند هذا الحد، فهي من شخصية معروفة بمواقفها المضادة للمملكة، وزعم أن تصريحاته سبقت تعيينه في الحكومة التي شكلها نجيب ميقاتي التي ولدت بطريقة قيصرية بعد استقالة الحكومة السابقة نتيجة الانفجار الكبير الذي ضرب مرفأ بيروت العام الماضي والذي يعد أضخم انفجار غير نووي في التاريخ.
وكلام قرداحي صحيح، فهي تصريحات شخصية ولا تلزم الحكومة الجديدة بالموافقة عليها، بل وشجبها لأنها لا تسهم في العلاقات بين البلدين، ولكون السعودية ظلت من أهم المانحين للبنان، حتى وقت قريب. وكان قرداحي يعرف أنه ينكش عش دبابير سيثير المشاكل. ومن هنا طلبت الرياض استقالته، وهو ما رفضه، ويرفضه حتى الآن، رغم مطالب رئيس الحكومة اللبنانية له بتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية.
وكالعادة في لبنان والمنطقة العربية يتم التنازع ويشهر كل طرف أسلحته وسط حروب إعلامية وتضليل وتسريبات مضادة وتذكير بالخير الذي قدمته دول الخليج للبنان والدول العربية ودعمها المستمر، وهذا صحيح، فالسعودية تحديدا ساهمت في إعادة إعمار لبنان واحتضنت الطائف المتخاصمين اللبنانيين في عام 1990 لوقف الحرب الأهلية التي استمرت 15 عاما وأدت لتقاسم السلطة بين لبنان الطوائف.

أمراء الحرب في ثياب ساسة

لكن الدعم لم يصب في مصلحة البلد بشكل عام بل واستفاد منه أمراء الحرب الذين تحولوا فجأة للسياسة وصاروا حكاما للبلد وساهموا معا في تدمير لبنان، وهو ما تناوله تقرير طويل أو تحقيق نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» (28/10/2021) وكشفت فيه عن دور أمراء الطوائف أو شركة «الخمسة» التي حكمت لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية وأفسدته ودمرته بالتالي. وكان تفجير بيروت في 4 آب/أغسطس واحدا من «التمظهرات القبيحة لكل شيء خطأ واجه لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية في 1990 وشجبا للنظام الذي سمح لنخبة قليلة من السياسيين للسيطرة وتسيد واستغلال كل وجوه الدولة».
ويشبه النظام السياسي الذي نشأ بعد نهاية الحرب الأهلية النظام الذي جلبته الولايات المتحدة إلى عراق ما بعد صدام في 2003 والذي أسهم في تفكيك البلد وإفلاسه، رغم ثراء العراق النفطي، مقارنة مع لبنان المحروم والضعيف.
وبسبب النخبة الجديدة وفسادها انهار البلد تحت وطأة أزمات متتابعة وظهرت ملامحها منذ عقود: انفجار مالي واقتصادي وجمود سياسي وانفجار 4 آب/أغسطس. وفي تشرين الاول/أكتوبر خرج اللبنانيون الذين ضاقوا ذرعا من سوء الإدارة وعجرفة النخبة السياسية وطالبوا برحيل رموزها جميعا «كلن يعني كلن» كانت الصرخة. وتمت مقاومة ثورة أكتوبر بالقوة ثم تلاشت.

الكفاح للبقاء

ويكافح اللبنانيون اليوم للنجاة من أسوأ كارثة اقتصادية تمر على البلاد منذ 150 عاما وأطلق عليها البنك الدولي «كساد مقصود». وخسرت العملة المحلية 90 في المئة من قيمتها واستفاق اللبنانيون عام 2019 ليجدوا أن ودائعهم محرمة عليهم ولا يستطيعون سحبها من البنوك. ونظرا للتضخم العالي جدا فقد زاد الغلاء بنسبة 550 في المئة وارتفعت معدلات البطالة وأغلقت المصالح التجارية ابوابها وتنزف البلاد طاقتها البشرية التي تهرب إلى الخارج، وزادت ساعات انقطاع الكهرباء ولم تعد الإنترنت متوفرة إلا بشكل متقطع وهناك نقص في المواد الطبية والأدوية. وتمتد الطوابير لساعات بل وأيام للحصول على المواد الأساسية مثل الخبز. وهذا هو السياق الذي يجب فهمه قبل النظر للحرب الدبلوماسية والإعلامية بين لبنان من جهة والسعودية وحلفائها، فأي عقوبات تطال لبنان من محور السعودية ستؤدي لانهياره، فلبنان يعتمد على تحويلات العمالة اللبنانية في الخليج والتي تحول ما بين 3-4 مليار دولارا سنويا. واستمرت التحويلات رغم مصادرة المصارف لتوفيرهم وحرمانهم أموالهم، فاللبنانيون في الشتات يرسلون الأموال خارج النظام المصرفي لمساعدة عائلاتهم. وتعيش نسبة 87 في المئة من اللبنانيين في مستوى الفقر، وسط اختفاء كل المواد الأساسية والأدوية وتضخم وليرة لبنانية لا قيمة لها، وأصبحت مثل السورية التي سخر السوريون منها بجعلها ورقا للف سجائرهم. وأشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» (2/11/2021) إن الإجراءات الأخيرة تهدد بتدمير الاقتصاد الذي يعاني أصلا من وضع كارثي. وأضافت أن دول الخليج تشعر بالغضب من عجز بقية الأحزاب السياسية من وقف التأثير الإيراني في لبنان والذي منحها منفذا على البحر المتوسط وتأثيرا إقليميا عبر حزب الله، وحركة سياسية- عسكرية لديها عمليات في سوريا واليمن. وتخوض السعودية وإيران منافسة على الهيمنة في المنطقة منذ عدة عقود، ودعم كل منهما طرفا أو أطرافا في التنافس، بما في ذلك العراق وسوريا. وفي محاولة من البلدين خفض التوتر، عقدا أربعة لقاءات سرية بشأن اليمن والقضايا الثنائية مثار الخلاف ولكنها لم تؤد إلى نتائج ملموسة. ويعبر الموقف السعودي من لبنان عن فقدان صبر. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» (30/10/2021) أن لبنان في ظروفه الكارثية الحالية التي ابتلعت أموال التوفير وأدت لقطع الدعم عن المواد الأساسية، لا يتحمل مشاكل جديدة مع جيرانه الأثرياء أو التهديد بوقف الاستثمار الأجنبي الذي يعتمد البلد عليه. وذكرت الصحيفة بالدور السعودي والإنفاق السخي من السياح السعوديين والخليجيين في العطلات الصيفية واستثماراتهم. ونقلت عن محلل قوله إن الأزمة الحالية هي سياسية بحتة، حيث بات السعوديون يتعاملون مع لبنان كبلد واقع تحت سيطرة إيران.

نقد عن نقد يختلف

ولاحظت التقارير الصحافية الغربية أن النقد لحرب اليمن موجود وبلهجة أشد في دول الغرب، ولا يكاد يخلو يوم من نقد للحرب المستمرة وأثرها الإنساني والكارثي على هذا البلد الذي يعد من أفقر الدول العربية. وقالت «نيويورك تايمز» أن نقدا لحرب اليمن، مشابها لتصريحات قرداحي برز من ساسة غربيين وجماعات مدافعة عن الحقوق واتهموا فيها السعودية بالتسبب بمقتل ضحايا مدنيين والقصف الذي لا يميز وإطالة أمد الحرب التي جرت اليمن إلى حافة المجاعة ودمرت البنى التحتية وأفرغت الاقتصاد. واتهم تقرير الأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر طرفي الحرب – التحالف الذي تقوده السعودي والذي تدعمه الولايات المتحدة عسكريا، والمتمردين الحوثيين الذين تدعمهم إيران، بانتهاك القانون الدولي وقتل المدنيين. وجاء فيه إن غارات التحالف جرحت وقتلت 18.000 مدني يمني على الأقل منذ عام 2015. وفي الوقت نفسه قصف الحوثيون المشردين اليمنيين في المعسكرات والأحياء المدنية والمطارات والأسواق. وزاد الضغط على السعودية لإنهاء الحرب بتولي الرئيس جو بايدن الذي أوقف الدعم العسكري للتحالف في شباط/فبراير. لكن الحوثيين رفضوا وقفا لإطلاق النار من السعودية بداية هذا العام واستمرت الأعمال العدائية، والتي تركزت في الفترة الماضية على مأرب.

حزب الله رأس الحربة

إلا أن تصريحات الوزير اللبناني زادت حدة الغضب في الرياض ودول الخليج، فهي كما ترى السعودية دليل على هيمنة إيران على لبنان. أو كما قال المعلق في صحيفة «فايننشال تايمز» ديفيد غاردنر، فعندما تنظر دول الخليج السنية إلى لبنان ترى أمامها حارسا للحرس الثوري الإيراني على البحر المتوسط. وترى في حزب الله، الجماعة العسكرية التي تسيطر على الدولة اللبنانية الضعيفة رأس حربة لطهران في المشرق والخليج. وأشار إلى أن المواجهة كانت ستحدث في أي وقت لكنه عبر عن استغرابه لتأخر السعوديين في فرض المقاطعة على لبنان. وقال إن الخلاف بين لبنان المدمر ورعاته السابقين الأغنياء في الخليج هو مأساوي. وقد يكون بداية تسد آخر منفذ لتدفق النقد إلى لبنان الذي يقترب اقتصاده من الانفجار الكامل. ووصف تبرير قرداحي لكلامه بأنه كان خارج مسؤوليته الحالية، مخادع، فهو مقدم برامج تلفزيونية معروف وأصبح ثريا من خلال مجموعة «أم بي سي» القناة التي تملكها العائلة السعودية المالكة، حيث ظل على مدى عشرة أعوام يقدم النسخة العربية من برنامج «من يربح المليون». وترك القناة السعودية لدعمه المجازر التي ارتكبها بشار الأسد ضد التمرد السني.

لا دعم هناك

كل هذا لا يعني أن دول الخليج كانت تنتظر تصريحاته لكي توقف دعمها لبنان وإنقاذه. وذكر الكاتب أن دول الخليج قدمت النصيب الأكبر لدعم لبنان بعد حرب حزب الله مع إسرائيل عام 2006 حيث تم جمع 3.4 مليار دولار كدعم طارئ للبنان. لكن الخليج وبالتحديد السعودية، توقف عن دعم لبنان ونخبته منذ مدة. وفي 2016 أوقفت السعودية دعما عسكريا بـ 4 مليار دولار إلى لبنان بعدما شعرت أنها تقوم بتمويل صعود حزب الله وهيمنته على الدولة. ومن هنا جاء سياق سجن رئيس الوزراء السابق سعد الحريري، الذي استدعي إلى الرياض عام 2017 وأجبر على تقديم استقالته، بسبب فشله في الحد من صعود حزب الله. وكانت السعودية غاضبة بالتحديد لمساعدته حليف الحزب، ميشيل عون ليصبح رئيسا للجمهورية. ونعرف أن الحريري عاد لمنصبه ليستقيل عام 2019 بعد الاحتجاجات التي ضربت لبنان مطالبة بخروج النخبة، لكنه وللمفارقة حاول عام 2019 دفع الإمارات لتسلم إدارة الميناء والمطار في بيروت، بدون نتيجة، وهذا قبل أن يأتي الانفجار على مرفأ بيروت وأحياء عدة في العاصمة عام 2020. وفي عام 2018 فاز تحالف من جماعة عون وحزب الله بانتخابات عام 2018 البرلمانية، مما عزز من سيطرته على الدولة. وهو انتصار عده المسؤول الإيراني المقرب من المرشد الآعلى للجمهورية الإسلامية، علي أكبر ولايتي نصرا لإيران وحزب الله. وقد استعرض الحزب قوته عندما أحضر ناقلة نفط إيرانية وبدا المنقذ للبنان ويحاول عرقلة التحقيق في مرفأ بيروت، الذي كان حدوثه متوقعا للجميع، ويرى أن طارق بيطار، القاضي الموكل بالتحقيق متحيز يجب أن يرحل مثل سلفه. بشكل أدى إلى عنف لم يشهد لبنان مثله منذ أكثر من عقد.

السياق الجيوسياسي

ولأن لبنان هو ساحة صراع بين دولتين في المنطقة، فلا يمكن فصل أزمة قرداحي عن المواقف الدولية من إيران. فقد بات من الواضح أن استراتيجية «أقصى ضغط» التي تبنتها إدارة دونالد ترامب طهران لم تنجح بتغيير النظام في طهران أو تركيعه، ورغم الدعم المفتوح الذي منح لولي العهد السعودي وحلفائه في الخليج، فقد أدت هذه السياسات لفوز المتشددين في انتخابات حزيران/يونيو، وصعود إبراهيم رئيسي للرئاسة. وفي ظل المناورات العسكرية واستعراض القوة الأمريكية والإسرائيلية، والتي شاركت فيها دول عربية فهناك مخاوف من ضربة للمنشآت النووية، وبخاصة بعد زيادة معدلات تخصيب اليورانيوم، واقتراب طهران من إنتاج القنبلة النووية، حسب بعض التسريبات في الصحافة الأمريكية. وبالعودة إلى «أزمة قرداحي» فمن الصعب استقالته أو عزله بعدما حصل على دعم حزب الله. وهذا هو ما يتمسك به الآن المدافعون عنه، حيث يرون أن المسألة لم تعد مرتبطة بشخص ولكن بدولة تريد السعودية تركيعها بدون مقابل أي «إملاءات». والمشكلة مع لبنان أنه بلد بدون أصدقاء ومفلس ولن يصمد أمام الأزمات المتعددة، بل وسيرى حزب الله فيها «شرعية» لاستمرار حكمه، تماما كما حدث في العراق حيث تركت أمريكا الفصائل الشيعية تتحكم بالبلد وتعزز بالضرورة الهيمنة الإيرانية. ولبنان كما قال غاردنر «ليس قطر التي تحملت مقاطعة استمرت ما بين 2017-2021، فهي بلد غني بالغاز الطبيعي وبأصدقاء كثر». ووسط أزمات لبنان المحزنة والمأساوية ينشغل ساسته كما فعلوا من قبل بأمورهم ويتصرفون وكأن البلد آمن ومفتوح للسياحة، فمن يريد أن «يدعس» لبنان، قال تعليق في تويتر ويزور بلدا مفلسا يحلم سكانه بأكل اللحم علاوة على توفير الخبز. ولكن وزارة السياحة خرجت بشعار صمم مجانا في دبي «بحبك بجنونك» في توقيع على أغنية فيروز «بحبك يا لبنان» التي تغنت بلبنان الجميل وجباله وأعلنت عن تعلقها به حتى لو كان مجنونا، لكن جنون لبنان الحالي هو نتيجة لجشع وفساد نخبته، وحملة سياحية في وقت الجوع لا معنى لها، وحتى أبناء الشتات اللبناني لم يعودوا يأتون لزيارته، مرة أخرى لبنان هو ضحية قادته والسياق الإقليمي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية