لبنان: ثقافة التخوين

حجم الخط
0

لبنان: ثقافة التخوين

حكم البابالبنان: ثقافة التخوينبغياب أدلّة قاطعة وإثباتات دامغة تثبت التهمة علي أية جهة وجهت إليها أصابع الاتهام باغتيال النائب والوزير اللبناني بيار الجميّل، وإلي حين العثور علي القتلّة الذين نفذّوا عملية الاغتيال واعترافهم بارتكاب الجريمة، فإن ثقافة التخوين التي يتم تداولها علي نطاق واسع داخل المجتمع اللبناني، ربما تكون أحد الأسباب التي حرضت أو ساهمت أو بررت الاغتيال، فما دامت حكومة الرئيس السنيورة ـ التي كان الجميّل أحد أعضائها ـ قد اتهمت صراحةً في خطاب الأمين العام لحزب الله بأنها حكومة السفير الأمريكي فيلتمان، ومادامت هذه الحكومة شريكة في العدوان الاسرائيلي علي لبنان بطريقة من الطرق، في عدة روايات كررها أكثر من قيادي في الحزب وفي أكثر من مناسبة، ومادامت الولايات المتحدة الأمريكية هي العدو الرئيسي للعرب والمسلمين، فمن حق أي وطني متحمس، يريد الدفاع عن أمته، أن يقوم باغتيال أحد وزرائها أو كلهم لو تمكن من ذلك، ومن دون أن يشعر بذنب أو يحس بوخزة ضمير، مادام يعتقد أنه يقوم بأداء عمل وطني ولايرتكب جريمة.قد تكون هذه الرواية لحادث اغتيال بيار الجميّل افتراضية أو متخيّلة، ولكن من يستطيع أن ينفي أو يؤكد استحالة حدوثها؟ فماذا لو توصلت التحقيقات ـ افتراضياً أيضاً ـ إلي الجناة الذين نفذوا عملية الاغتيال، وتم القبض عليهم، واعترفوا بارتكابهم الجريمة مدفوعين بالغيرة علي الوطن والدين، ومزهوين باقتصاصهم من الخونة، ومقتنعين قناعة كاملة بأن ما قاموا به يستحق أوسمة علي صدورهم لا عقوبات علي فعلتهم (وهذا مايمكن أن يكون أحد تفسيرات ارتكابهم للجريمة بوجوه مكشوفة في وضح النهار)، ومستندين في قناعتهم هذه إلي خطب وفتاوي ومرجعيات دينية وسياسية، ما هو حينها الموقف الافتراضي أيضاً للجهة التي خونت باللسان الصريح لا بالايماءة والتورية، وعلي كل المنابر التي ألقت خطبها من خلفها، وعبر كل التلفزيونات التي ظهرت علي شاشاتها، الحكومة وأعضاؤها، وشككت بوطنية مواقفها ومواقفهم، واتهمتهم بتمرير المشاريع الأمريكية وخدمة شقيقتها الاسرائيلية!؟ هل ستعتذر وقتها من أهل الضحية معللة ما حدث بضيق أفق الأشخاص الذين فسروا اتهامات التخوين التي أطلقتها حرفياً ولم يفهموها باعتبارها كنايةً أو استعارةً أو تحذيراً من توجه وليس تحريضاً ضد شخص أو أشخاص محددين؟ أم أننا سنعثر علي من سيخرج من بين أعضائها ليعلن بكل ثقة أنه لايوجد بين أعضائه أو مناصريه أو جماهيره عناصر غير منضبطة تقوم بارتكاب مثل هذا الفعل بقرار شخصي منها؟ ولكن ماذا لو وجد بالصدفة مثل هذا الشخص الانفعالي الذي فهم اتهامات التخوين بحرفيتها، ودفعته غيرته علي بلده ودينه إلي تجاوز حالة الانضباط ليرتكب ما ارتكب؟! وهل يمكن اعتباره مجرماً فعلاً وقد فعل مافعل بدافع وطني حقيقي استطاع التجييش الخطابي الحزبي التخويني اقناعه به؟ أضع هذا الاحتمال الافتراضي الذي قد لا تتجاوز نسبة وروده الواحد في الألف أو حتي المليون، ولكنه ليس مستحيل الحدوث، لأنبه إلي خطورة الخطاب السياسي الذي يحتكر الوطنية في قبضته، ويوزعها حسب تحالفاته وأهوائه، مستسهلاً حديث التخوين الشائع اليوم في لبنان، والذي لا يأخذ بعين الاعتبار أنه بحاجة إلي أدلة قاطعة، أو تحقيقات دقيقة، أو محاكمات عادلة لاثباته، ويكفي اختلاف أي طرف سياسي مع آخر في الرأي أو الرؤية أو التحالف ليتهمه بالعمالة والتخوين، وتنسج له مخيلته الوقائع والارتباطات، بدون حاجة لاثباتها، فالحكومة اللبنانية التي تتهم اليوم بالخيانة، والجهة التي توجه إليها مثل هذه التهم كانا أمس شركاء في حكومة واحدة، وقبل أمس حلفاء في الانتخابات النيابية، وقبل قبل أمس شركاء في معادلات لبنان السياسية كلها، فكيف يمكننا اقناعنا بانتقالهم من الوطنية إلي الخيانة بهذه السرعة، استناداً إلي مجرد إشارات وتلميحات وغمزات وخطابات حماسية كل اثباتاتها وأدلتها كلمات مثل: نحن نعرف.. ووصلتنا معلومات نحتفظ بسريتها.. ولدينا وقائع سنكشفها لاحقاً، في حين يحتاج اتهام أي شخص بجريمة جنائية بسيطة إلي تحقيقات وشهود وجلسات محاكمة ومدعي عام ومحامي دفاع لاثباتها أو نفيها، وكيف يمكن اقناعنا بأن الجهة التي لديها استراتيجية متكاملة وتخطيط مستقبلي، وقدرة علي اختراق خطط العدو وإفشالها، يضحك عليها شركاؤها القريبون كل هذه السنوات لتكتشف في هذه اللحظة بالذات أنهم ليسوا أكثر من مجموعة خونة! وإذا كان هؤلاء لايحترمون تاريخهم القريب وتحالفاتهم الطويلة، فعلي الأقل عليهم احترام عقولنا وذاكرتنا، واحترام حياة البشر وأرواحهم التي قد تنهيها أو تبرر إزهاقها كلمة تخوين، كان كل هدف مطلقها انهاء جملة أو استجداء تصفيق أو شحذ همم جمهوره!9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية