سعد الياسبيروت – ‘القدس العربي’ إتخذت جلسة الحوار التي انعقدت في بعبدا امس بعداً مميزاً لجهة مضمون بيانها الختامي الذي جاء بعكس كل التوقعات مسهباً وقارب كل الملفات الداهمة والمزمنة. واعتبر بمثابة ‘اعلان بعبدا’ تلتزمه جميع الأطراف وتبلغ نسخة منه الى جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة. فبعد انقطاع دام أشهر وتلبية للدعوة التي وجهها رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال سليمان، انعقدت هيئة الحوار الوطني في مقر رئاسة الجمهوريّة في بعبدا برئاسة رئيس الجمهوريّة ومشاركة أفرقاء الحوار، وقد تغيب منهم الرئيس سعد الحريري لوجوده في الخارج وقاطع الجلسة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع لعدم اقتناعه بجدوى الحوار طالما حزب الله يرفض وضع سلاحه تحت إمرة الدولة، كما تغيب الوزير محمد الصفدي بداعي المرض.
بعد الوقوف دقيقة صمت إجلالاً لروح الراحل الكبير عميد الصحافة اللبنانية غسان تويني العضو السابق في هيئة الحوار، افتتح رئيس الجمهورية الجلسة بإبراز الحاجة الملحّة التي دفعته للمبادرة للدعوة الى استئناف أعمال هيئة الحوار، والتي جاءت لتؤكدها الأحداث المؤسفة الأخيرة، خصوصاً في الشمال وتداعياتها السلبيّة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، في وقت يتحضّر فيه لبنان لموسم الاصطياف ولزيارة قداسة البابا الرسميّة لأراضيه منتصف شهر أيلول (سبتمبر) المقبل، وهو البلد الذي يتوجّب على اللبنانيين المحافظة عليه كرسالة حرية وعيش مشترك وحوار. وبعدما استعرض ما حققته الهيئة من إيجابيات في جلساتها السابقة ولاسيَما منها مواكبة استحقاقات السنوات الاربع المنصرمة في أجواء ديموقراطية وهادئة، تطرق الرئيس سليمان إلى الاعتبارات التي أدّت إلى توقّف أعمالها، مؤكداً ضرورة تذليل العقبات التي تقف في وجه نجاحها في تنفيذ قراراتها السابقة، وفي المضيّ بأعمالها بانتظام وثبات لغاية تحقيق كامل الأهداف الوطنيّة التي أنشئت من أجلها.
ولفت في هذا المجال إلى ما حصل من وقائع وأحداث وتطوّرات داخليّة وإقليميّة ودولية جديدة منذ توقّف أعمال هيئة الحوار.
وقد تمت مناقشة عامة لبنود جدول الأعمال كما طرحها رئيس الجمهورية، كذلك تمّ الاستماع إلى آراء ومواقف أفرقاء هيئة الحوار بمواضيع مختلفة وطارئة تستلزم اهتماماً ومعالجات فوريّة. وبنتيجة التداول تمّ التوافق على النقاط والمقرّرات الآتية:1 ـ إلتزام نهج الحوار والتهدئة الأمنيّة والسياسيّة والإعلاميّة والسعي للتوافق على ثوابت وقواسم مشتركة.2 ـ إلتزام العمل على تثبيت دعائم الاستقرار وصون السلم الأهلي والحؤول دون اللجوء إلى العنف والانزلاق بالبلاد إلى الفتنة، وتعميق البحث حول السبل السياسية الكفيلة بتحقيق هذا الهدف.3 ـ دعوة المواطنين بكلّ فئاتهم للوعي والتيقّن، بأن اللجوء إلى السلاح والعنف، مهما تكن الهواجس والاحتقانات، يؤدّي إلى خسارة محتّمة وضرر لجميع الأطراف ويهدّد أرزاق الناس ومستقبلهم ومستقبل الأجيال الطالعة.4 ـ العمل على تعزيز مؤسسات الدولة وتشجيع ثقافة الاحتكام إلى القانون والمؤسسات الشرعيّة لحلّ أيّ خلاف أو إشكال طارئ.5 ـ دعم الجيش على الصعيدين المعنوي والمادي بصفته المؤسسة الضامنة للسلم الأهلي والمجسّدة للوحدة الوطنيّة، وتكريس الجهد اللازم لتمكينه وسائر القوى الأمنيّة الشرعيّة من التعامل مع الحالات الأمنيّة الطارئة وفقاً لخطة انتشار تسمح بفرض سلطة الدولة والأمن والاستقرار.6 ـ دعم سلطة القضاء تمكيناً من فرض أحكام القانون بصورة عادلة ومن دون تمييز.7 ـ الدعوة الى تنفيذ خطة نهوض اقتصادي واجتماعي في مختلف المناطق اللبنانيّة.8 ـ دعوة جميع القوى السياسيّة وقادة الفكر والرأي الى الابتعاد عن حدّة الخطاب السياسي والإعلامي وعن كل ما يثير الخلافات والتشنّج والتحريض الطائفي والمذهبي، بما يحقّق الوحدة الوطنيّة ويعزز المنعة الداخليّة في مواجهة الأخطار الخارجيّة، ولا سيَما منها الخطر الذي يمثّله العدوّ الإسرائيلي، وبما ينعكس إيجاباً على الرأي العام وعلى القطاعات الاقتصاديّة والسياحيّة والأوضاع الاجتماعيّة.9 ـ التأكيد على ضرورة إلتزام ميثاق الشرف الذي سبق أن صدر عن هيئة الحوار الوطني لضبط التخاطب السياسي والإعلامي، بما يساهم في خلق بيئة حاضنة ومؤاتية للتهدئة ولتكريس لبنان كمركز لحوار الحضارات والديانات والثقافات.10 ـ تأكيد الثقة بلبنان كوطن نهائي وبصيغة العيش المشترك وبضرورة التمسّك بالمبادئ الواردة في مقدمة الدستور بصفتها مبادئ تأسيسيّة ثابتة.11 ـ التمسّك باتفاق الطائف ومواصلة تنفيذ كامل بنوده، على أن ينظر في كلّ رغبة في التطوير أو التعديل أو التفسير بالتوافق واستناداً إلى الآليّات الدستوريّة بعد التهيئة لذلك داخل الأطر المتعارف عليها للحوار.12- تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليميّة والدوليّة وتجنيبه الانعكاسات السلبيّة للتوتّرات والأزمات الإقليميّة، وذلك حرصاً على مصلحته العليا ووحدته الوطنيّة وسلمه الأهلي، ما عدا ما يتعلق بواجب إلتزام قرارات الشرعيّة الدوليّة والإجماع العربي والقضيّة الفلسطينيّة المحقّة، بما في ذلك حقّ اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم وديارهم وعدم توطينهم.13 ـ الحرص تالياً على ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانيّة السوريّة وعدم السماح بإقامة منطقة عازلة في لبنان وباستعمال لبنان مقرّاً أو ممراً أو منطلقاً لتهريب السلاح والمسلحين، ويبقى الحقّ في التضامن الإنساني والتعبير السياسي والإعلامي مكفول تحت سقف الدستور والقانون.14 ـ إلتزام القرارات الدوليّة، بما في ذلك القرار1701.15 ـ مواصلة دراسة السبل الكفيلة بوضع الآليّات لتنفيذ القرارات السابقة التي تمّ التوافق عليها في طاولة وهيئة الحوار الوطني.16 ـ تحديد الخامس والعشرين من حزيران الجاري موعداً للجلسة المقبلة لهيئة الحوار الوطني لمواصلة البحث في بنود جدول أعمالها.17 ـ اعتبار هذا البيان مثابة ‘اعلان بعبدا’ يلتزمه جميع الأطراف وتبلّغ نسخة منه إلى جامعة الدول العربيّة ومنظمة الامم المتحدة.
وكانت جلسة الحوار بدأت في الحادية عشرة والدقيقة العاشرة من قبل الظهر بمصافحات، وابتسامات متبادلة، انتظر بعدها الجميع وصول رئيس الجمهورية الى قاعة الحوار، بعد خلوة عقدها مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، واستتبعها بأخرى مماثلة بينه وبين ورئيس مجلس النواب نبيه بري. وبعد كلمة رئيس الجمهورية تحدث الرئيس ميقاتي في مداخلة قال فيها ‘إن المشهد التوافقي رسالة ايجابية للبنانيين في الخارج ودعوة لدول العالم لترجمة اهتمامها وحرصها لتمكيننا من مواجهة التحديات، وسأل: اذا لم نلتق ونتحاور بمسؤولية فكيف نحل مشاكلنا وما البديل عن الحوار والتفاهم؟’. وقال: ‘ان لبنان قام على تسويات وطنية منذ الاستقلال وبالتالي لا يمكن لأي فريق أن يفرض رأيه بالقوة سواء أكانت معنوية أو مادية أو بقوة السلاح، وأكد ان اتفاق الطائف هو أساس بناء الدولة ودعا الى تطبيقه كاملاً وأكد ان خيار النأي بالنفس لا يجعلنا في منأي عن شظايا ما يحصل في سورية، وقال ليس اسهل من اطلاق الشعارات وتدبيج المذكرات، والقاء تبعات التقصير على الغير، لافتا الى أننا اليوم أمام فرصة هي المدخل الحقيق للانقاذ، ومن هنا حكومتنا ملتزمة ترجمة ما يتم الاتفاق عليه على طاولة الحوار.’بعده تحدث الرئيس فؤاد السنيورة، ثم الرئيس أمين الجميل الذي شدد على أهمية الحوار والانفتاح في هذه الظروف الصعبة، ودعا الى عدم جر لبنان الى أي نزاعات دولية والى الالتزام بالحياد.
وكانت كذلك لقاءات ثنائية مع رئيس الجمهورية ابدى جميع الأفرقاء فيها رغبتهم بعدم جعل لبنان ساحة للصراعات الخارجية.
وفي الاولى والدقيقة السابعة انتهت الجولة الأولى من الحوار التي تضمنت 6 مداخلات، لتستأنف بعد استراحة قصيرة حيث تمّ الاستماع الى 5 مداخلات متبقية. وقد حمل الى هذه الجلسة النائب وليد جنبلاط ملفاً أبيض، وحمل النائب محمد رعد ملفاً أسود والرئيس أمين الجميل ملفاً أحمر.
وفي الثالثة والدقيقة العاشرة انتهت جلسة الحوار، فكان أول المغادرين النائب ميشال عون الذي قال رداً على أسئلة الصحافيين: ‘الأجواء خلال الحوار كانت جيدة جداً، وهناك بيان سيصدر، فانتظروا البيان’. كما وصف الرئيس بري الحوار بالجدي.
وكان حضر الجلسة: رئيس حزب الكتائب الرئيس أمين الجميل، رئيس مجلس النواب نبيه بري، رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، الرئيس فؤاد السنيورة، والنواب: فريد مكاري، وليد جنبلاط، هاغوب بقرادنيان، ميشال عون، اسعد حردان، ميشال المر، سليمان فرنجية، محمد رعد، جان اوغاسبيان، ميشال فرعون وطلال ارسلان والبروفسور فايز الحاج شاهين.
واللافت أن بيان بعبدا لم يقارب ملف سلاح حزب الله، لكنه أناط مهمة ضمان السلم الأهلي بالمؤسسة العسكرية وسائر القوى الأمنية الشرعية للتعامل مع الحالات الأمنية الطارئة وفقاً لخطة انتشار تسمح بفرض سلطة الدولة والأمن والاستقرار.
وتوازياً، تواصلت الاتصالات اللبنانية ـ السورية للافراج عن المخطوفين الجدد، بعدما اثارت عمليات الخطف المتبادلة امس موجة استياء عارمة في الاوساط الشعبية والسياسية، مذكرة اللبنانيين بالحقبة السوداء ابان الحرب الاهلية، ما وضع المقار الرئاسية في حال استنفار لإرساء الاطر الكفيلة بالمعالجة ومنع تمدد حالة الخطف الى مناطق اخرى.
وعلى رغم تأكيد المعنيين في المنطقة ان القضية شخصية ولا تتسم بأي بعد طائفي، فإن مصادر وزارية اعربت عن قلقها من محاولات تفجير الوضع على الساحة اللبنانية في ظل اصرار على افتعال المشكلات والخضات الامنية المتتالية، بهدف اشعال الفتنة ونقل المواجهات من سوريا الى الداخل اللبناني، خصوصاً ان مفتعلي الحوادث او من خلفهم يلعبون على وتر الفتنة المذهبية التي وان اخفقت سابقاً بين السنة والشيعة، فإنها انتقلت الى المحور السني ـ العلوي علها تجد ارضاً خصبة لتنفيذ مآربها.
الا ان المصادر اعربت عن اعتقادها ان وعي القيادات السياسية الذي تبدى في مشاركتها في جلسة الحوار يبعث على الاطمئنان ويرفع نسبة الرهان على عدم الانزلاق الى الفتنة واقحام لبنان عنوة في وحول الازمة السورية لتنفيسها وتخفيف الضغط عن دمشق.