يحاكي خان الإفرنج في مدينة صيدا اللبنانية، ببنائه الضخم الأثري، تاريخا قديما مفتوحا على البحر وحكايات الرحالة اليومية التي لا تنتهي. يجمع في موقعه الجغرافي قبالة ميناء مدينة صيدا وعند حدود الأحياء القديمة، بناسها الطيبين وأسواقها الشعبية، ويقع مقابل مرفأ مدينة صيدا والقلعة البحرية، وله بوابتان، إحداهما مطلة على البحر والأخرى مشرفة على ساحة باب السراي وسط المدينة القديمة.
أطلق على هذا المبنى اسم «خان الفرنج» أي «فندق الفرنسيين» أو «الإفرنج» لأنه كان يستقبل التجار والمبعوثين والدبلوماسيين القادمين من أوروبا. واستعمل كإقامة للقنصل الفرنسي والرهبان الفرانسسكانيين.
وخان الإفرنج هو أحد ستة خانات مخصصة لنزول التجار والمسافرين، ومنها خان الرز والقشلة القديمة وخان المطرانية وخان الشاكرية والخان الفرنساوي، ولكن لم يبق منها سوى خانين وهما الإفرنج والرز.
أهم الخانات في الشرق
وتعني تسمية «خان» عند العرب الوكالة، وهي كانت نوعا من الفنادق التي تتوافر فيها كل وسائل الراحة المبتغاة، ينزل فيها التجار والمسافرون مع أمتعتهم وبضاعتهم، فيمضون الوقت اللازم لإتمام صفقاتهم التجارية.
وخان الإفرنج من بين أبرز المعالم التاريخية والأثرية في لبنان، وهو بناء مربع الشكل تتوسطه بركة ماء ونافورة، ويعتبر من أهم وأجمل الخانات في الشرق كله، وقد بُني من طابقين على الطراز الإسلامي، حيث خُصص الطابق الأول للتجارة، بينما خُصص الطابق الثاني للنزلاء، وقد كان مركزاً تجارياً هاماً.
وهو عبارة عن بناء ضخم مربع، يتم ولوجه من باب ضخم لجهة مرفأ صيدا، ومعماره فني بامتياز. وقد شيد هذا البناء على الطراز الشرقي التوسكاني ويدل على النهضة العمرانية التي عرفتها صيدا خلال حكم المعنيين، في عهد الأمير فخر الدين المعني. ويتألف الخان من ثلاثة أقسام، أولها الخان الكبير، حيث تقوم معارض التجار والاسطبلات والحمامات، وفي الطابق العلوي غرف نوم التجار والملاحين.
القسم الثاني هو البيت القنصلي ويتم دخوله بواسطة درج حجري من ناحية سوق البزر وكان يؤدي مباشرة إلى الطابق الأول. ويتألف البيت القنصلي من غرف متنوعة، وقد كان مخصصا لممثل الملك الفرنسي. وإلى جانب البيت القنصلي، بنيت كنيسة تعرف بإسم «تراسنتا» أي الأرض المقدسة، أما الخان الصغير فيقع إلى الجنوب الغربي من الخان الكبير، ويتصل مباشرة بالبيت القنصلي.
العمارة الإسلامية
خان الإفرنج بطابقتين، وقد بني بمعالم العمارة الإسلامية، التي تعتمد على المنحنيات والعقود والقباب، ففيه قبة تعلو مدخله الشمالي، وقبة أخرى تعلو القسم الشرقي من البناء، وقد خصصت الطبقة الأولى من الخان لأعمال التجارة لأهمية ما شهده هذا العصر من تبادل تجاري، وهو كان يحتوي على حمامات وإسطبل خاص بالخيول التي كانت ترافق التجار في رحلاتهم. أما الطبقة الثانية وهي مخصصة للنوم فتحتوي على 56 غرفة، صممت نوافذها بشكل هندسي يصلح لان تكون دشما عسكرية للمراقبة في كل الاتجاهات، في حال نشوب حرب.
والدخول إلى الخان يتم من باب ضخم عال معقود بأحجار ضخمة، عبر رواق مقنطر مفتوح من الشمال أي من جهة الميناء، وهو فن معماري إسلامي، والباب الآخر هو جنوبي يشرف على ساحة باب السراي حيث تقوم قصور آل معن، فيما كان يوجد سابقا في وسط الخان، حوض أنيق من الرخام جرَّ إليه الماء، وتظلل الحوض أشجار باسقة وشجرات موز كبيرة، وعلى جوانب الساحة الكبيرة تنتشر أروقة مسقوفة ومعقودة تطل عليها غرف عديدة.
سلالم حجرية
وفي الخان سلمان حجريان يقودان إلى السطوح، حيث كان التجار يصعدون للتنزه واستنشاق الهواء ورؤية البحر من دون أن يخرجوا من الخان، وإلى الشمال يقع بيت القنصل الفرنسي، وهو يشتمل على ست غرف واسعة مربعة الشكل تغطي سقوفها الأخشاب الضخمة، وكان الأمير فخر الدين قد بناه ليكون مسكنا لنسائه، ولكنه قدمه بعدئذ للفرنسيين ليصار استخدامه مركزا تجاريا لهم.
ولكي يؤمن فخر الدين حماية الطرق التجارية، فقد رمم الحصون وبنى مراكز للمراقبة والقلاع، كذلك بنى الخانات لراحة التجار خلال قيامهم برحلاتهم التجارية داخل البلاد.
ويشير استاذ مادة التاريخ في الجامعة اللبنانية الدكتور وسام نوفل إلى أن خان الإفرنج بني في أوائل القرن السابع عشر، من الحجارة الرملية الضخمة، لافتا إلى أن طابقه الأرضي مقسم إلى ردهات كبيرة واسعة مضيئة، وقسم التجار هذه الردهات إلى عدة أقسام منها ما هو معد للبيع وللشراء، ومنها ما هو مرتب للسكن وآخر للتخزين.
ويرجح الدكتور نوفل، أن الخان بني عندما تولى الأمير فخر الدين الثاني السلطة في منطقة الشوف جنوب شرق بيروت، فبنى قصراً وجسراً وحماماً وخاناً، لتسهيل استقبال الوفود الأجنبية والعربية، لا سيما الآتية من الجهة البحرية وجعل الدورة الاقتصادية تتحرك بشكل أفضل.
ويصف الدبلوماسي الفرنسي الشيفالييه دارفيو، خان الإفرنج بقوله: «هو مبني بالحجارة، طابقه الأرضي مقسم إلى ردهات كبيرة واسعة مضيئة. وقد جرى التقسيم بناء إلى حاجة التجار العملية.
بنى الأمير فخر الدين الثاني خان الإفرنج، حدود عام 1720 أي بعد عودته من منفاه في ايطاليا عام 1718 على شكل بناء ضخم مربع الأضلاع والزوايا، طول الجانب منه مئة وخمسون قدما، وقد شيّد على الطراز الشرقي ويدل على النهضة العمرانية التي عرفتها صيدا في عهد فخر الدين. ويبلغ طول ضلعه 58 مترا وكانت تتوسطه بركة تنفث نافورتها الماء وتحيط بها أشجار متنوعة وأزهار.
التدمير وأعمال الترميم
توالت عمليات تضرر خان الإفرنج التي كادت تجهز على أجزاء منه، ففي عام 1820 أصابت الخان أضرار جراء تقلبات الأنواء البحرية، حتى ان الجامع العمري المجاور له تأثر بها أيضا كما يذكر. وفي العام 1822 أي بعد عامين من تلك الأضرار التي لحقت بالخان، ضربت مدينة صيدا هزة أرضية عنيفة دمرت العديد من مبانيها والتي رجح الخبراء الهندسيون في تلك الآونة ان يكون الخان قد تعرض أيضا خلالها للتدمير الجزئي.
وفي المعارك العسكرية، لم يسلم هذا المكان من القصف ففي عام 1840 ضرب الأسطول الانكليزي والنمساوي المدينة، مما أدى إلى اصابته بأضرار جسيمة، وترك هذا المبنى منذ ذلك الحين من دون ترميم فعلي يذكر حتى العام 1881 أي انه بقي أربعين عاما ينازع بين الموت التاريخي والمادي لبناءه الحجري العريق وبين إحيائه وبعث الروح فيه من جديد الذي لاحت أفقه ببدء أعمال الترميم تحت إشراف مهندس فرنسي ونائب القنصل. ومنذ ذلك العام دامت عمليات إصلاح الخان 12 عاما وانتهت عام 1893.
رمم خان الإفرنج لأول مرة عام 1809 من قبل الدولة الفرنسية، إلا أنه تعرض لزلزال عام 1738 فأصيبت بعض جدرانه بالتصدع فجرى ترميمه للمرة الثانية في نفس العام.
وأجمع عدد كبير من المؤرخين على أن ضخامة هذا الخان سببها وفرة البضائع التي كانت ترد إلى صيدا ولبنان عبر مرفأ المدينة.
وقد اختلف المؤرخون حول ملكية خان الإفرنج، لكن الثابت أن الأمير فخر الدين المعني الثاني بن قرقماز هو الذي بناه، وأهداه للفرنسيين مقابل تقديمات له، ويذكر في هذه السياق أن الجنرال شارل ديغول أقام في الخان عندما زار لبنان عام 1940 وفي المقابل، تؤكد بعض الدراسات أن الخان هو وقف إسلامي انتزعته الدولة الفرنسية إبان الانتداب الفرنسي للبنان وقد دعمت آراءها لكنها لم تحسم الأمر قطعا، فيما المؤكد اليوم أن الخان مسجل في الدوائر العقارية الرسمية لصالح فرنسا.
في العام 1986 وقعت مؤسسة الحريري وقعت بروتوكولا مع الدولة الفرنسية، يخولها على استخدام خان الإفرنج لمدة 35 عاما، وقد نص البروتوكول على إنشاء مكتبة سمعية ــ بصرية، وتنظيم معارض فنية وتحقيق برامج ثقافية وإقامة عروض مسرحية ونشاطات سياحية، وعلى الأثر قامت المؤسسة بإجراء عملية ترميم واسعة للخان، لتبدأ معها تنظيم النشاطات الثقافية والسياحية والتراثية والفنية، إضافة الى معارض وأشغال حرفية، وهو يلعب اليوم دورا في إحياء التراث اللبناني وتنمية المواهب الثقافية والفنية في الحياة اللبنانية، على قاعدة أن التراث ليس كنزا يعرض، لو حجرا أو لوحة جميلة تركها الآباء والأجداد، للتفاخر بها أو التغنى بها، بل التراث قيمة معنوية ووطنية تفوق غالبا كل القيم المادية التي تحملها.
وبهذا المعنى، فقد تحول خان الإفرنج مع بداية التسعينات من القرن الماضي إلى مركز فني وصرح للنشاطات الثقافية على مدار العام.