لبنان ربح وقتاً إضافياً على ساعة كورونا ورزنامة شهر رمضان

رلى موفّق
حجم الخط
0

صيدا التي غالباً ما فاخرت بحلويات رمضان بدت خاوية

يختزل المشهد أمام مسجد محمد الأمين في وسط بيروت “الحال اللبنانية” البالغة “التراجيديا” مع التداخل الشديد الرمزية بين ثلاثة مظاهر وحّدها “الزمان والمكان” بدءاً من غياب طقوس شهر رمضان عن الساحة ومسجدها التزاماً بـ”التباعد المكاني” الذي يفرضه كورونا على بشرية “الكوكب” وتأدية صلاة التراويح في البيوت، مروراً بالجموع الغاضبة التي عادت إلى تلك الساحة بعد “إقامة جبرية” في المنازل وتركْ الشارع و”الثورة المؤجلة” انسجاماً مع مقتضيات “التعبئة العامة” التي أملاها الفيروس القاتل، وانتهاءً بالصراخ الشعبي المتصاعد مع انهيار آخر صمامات الأمان الاجتماعي-المعيشي في البلاد التي دهمها الإفلاس وصار الناس فيها أسرى خطرين: الجوع أو كورونا، فقرروا المجازفة والعودة إلى ميادين الانتفاضة.

هكذا حل رمضان المبارك على اللبنانيين وهم يواجهون بـ”اللحم الحي” كورونا في مده وجزره والضائقة المعيشية، وكأن المال والوباء في تواطؤ لحرمان اللبنانيين من تمضية الشهر المنتظر على الدوام.

بيروت التي خفتت أضواؤها واختفت زينتها وخلت شوارعها من مظاهر الفرح وغابت خيمها الرمضانية التقليدية وودعت فندقها “التاريخي” البريستول قبل أيام، ولم تصحُ على صوت المسحراتي، يسكنها ضجيج السقوط المدوي لليرة التي صرعها الدولار الأمريكي في معركة غير متكافئة. فالحكومة التي يديرها “حزب الله” من الخلف تمضي في تخبطها، وهي تصوغ خطة الإنقاذ المالي-الاقتصادي بعدما امتنعت عن دفع ديون لبنان الداخلية والخارجية والبالغة نحو 36 مليار دولار، وتقارب عملية اللجوء إلى صندوق النقد الدولي على طريقة خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الوراء بعدما أسَرَها الحزب بخطه الأحمر.

ولم يكن عابراً هروب حكومة حسان دياب إلى الأمام عبر شنها معركة غير مألوفة ضد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في خطاب تزامن مع “مدفع الإفطار” في أول يوم من شهر رمضان، مدفوعاً من الائتلاف الحاكم، المتمثل بفريق رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وحليفه “حزب الله” وهي المعركة التي لم تخل من تصفية حساب مع سلامة، الذي قاد البنك المركزي على مدى أكثر من ربع قرن، على خلفية اتهامه بالتناغم مع العقوبات الأميركية الصارمة ضد الحزب، الذي تصنفه واشنطن بالمنظمة الإرهابية الإجرامية.

يحار اللبنانيون بحالهم، وهم يتيقنون يوماً بعد يوم انسداد الأفق. حط “الزائر الثقيل” في ديارهم، فتحولت أولويتهم من كشح شبح الجوع إلى إبعاد شبح الموت. نجحت إجراءات الاغلاق في لجم تصاعد عداد الضحايا، ففرحوا لوهلة، لكنهم سرعان ما استفاقوا على واقع الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والمالي الذي سرَّعه “إغلاق الضرورة”. كانت الجميع يقاوم الغرق، فإذا بالوباء يقضي على فرص انتشالهم من القعر.  بات الحد الأدنى للأجور، وفق سعر صرف السوق أقل من مئة وخمسين دولار. وقبل أن يغيب شروق الغد، قد يكون انخفض إلى مئة، وسط “سيناريوهات” متداولة مخيفة عن جوع آت إلى بلاد الأرز التي كانت بالأمس “سويسرا الشرق” مدينة أحلام العرب قبل أن يصبح الغرب قبلتهم.

يسألون اليوم: أهو الخوف من وباء كورونا أم العوز سرق الكثير من المظاهر الجميلة في المدن اللبنانية ذات الغالبية الإسلامية؟ صيدا عاصمة الجنوب التي غالباً ما فاخرت بـ”حلويات رمضان” شهر الخير والبركة، بدت وكأنها خاوية، فلا ليل فيها مع منع التجول عند التاسعة من مساء كل يوم، ونهارها محكوم بـ”الوجوم” مع نار الأسعار التي أشعلها تهاوي الليرة وتطاير قدرتها الشرائية.

وطرابلس، التي شكلت عروس ثورة 17 اكتوبر، فاقتادها الجوع الزاحف إلى الشارع رغم أخطار كورونا وطوت سهرات رقص الدراويش وحكواتي مقاهي الأحياء الشعبية والنشاط الرمضاني للفرق الصوفية، وأبناء هذه المدينة الأكثر فقراً على حافة المتوسط يكاد أن يستعصي على الغالبية منهم “صحن الفتوش” نجم المائدة الرمضانية بلا منازع والضيف الدائم على موائد الإفطار، فيما جفاف الأطراف يخنق، ولاسيما في البيئات الحاضنة لمخيمات اللاجئين السوريين، حيث الوجع وجعان، وتنطبق الحال نفسها على المخيمات الفلسطينية.

يصور إعلان توعوي لفعل الخير ومساعدة المحتاجين على إحدى الشاشات اللبنانية أماً تروي لابنها الجائع قصة صبي سبق الظرافة في جريها وتأنقها لأنه كان خفيف الوزن خائر البطن، فيسألها ما إذا كان النوم بلا طعام جيداً. لعل شهر الرحمة حلّ ليخفف فعل الصوم من الجوع، بالإيمان والعطاء. ففتاوى العلماء والمراجع الدينية أكدت على فريضة الصوم، في غياب الرابط بين الافطار والوقاية من الفيروس، وخير هذا الشهر يبقى السمة الغالبة مهما قسى العباد على بعضهم البعض.

لا تزال أيام رمضان في أولها. تفرض إجراءات الأغلاق وحظر التجوال ليلاً ضمن سياسة التباعد الاجتماعي نسقاً مناقضاً لروحية هذا الشهر وطقوسه، لكنه قد يشكل عامل تخفيف من حدة الانفجار الاجتماعي الحتمي الذي ينتظر لبنان بعد العيد.

في الكواليس السياسية، يردد المسؤولون أن أزمة كورونا جاءت رحمة لحكومة “مواجهة التحديات” المُطالبة شعبياً بخطة انقاذ والعاجزة سياسياً عن تلبيتها، وأن هذا الشهر يفيض بقدرة العطاء والخير والتحمل والصبر، ولكن ماذا بعد رمضان وكورونا؟ ليس هناك من خشبة نجاة او خلاص. كل الأبواب مقفلة، وستكون أشهر الصيف حارة على كل المستويات. البعض يأمل أن لا تحول نارها لبنان إلى رماد، والبعض الآخر لا يرى قيامة إلا بعد موت!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية