بيروت – “القدس العربي”: تحوَّلت الجدران الاسمنتية التي ارتفعت، وعلى نحو مثير، في وسط بيروت أخيراً إلى “علامة فارقة” في سياق المخاض السياسي – المالي – الاجتماعي الذي يعيشه لبنان وعلى نحو غير مسبوق على مدى قرن هو عمر هذا “الكيان”، الذي غالباً ما فاخر بأنه “استثناء” في قيمة الديمقراطية في منطقة لم تكن فيها الحريات في أحسن حال.
لم تكن الجدران التي انتصبت سريعاً وعلى نحو مطّرد في قلب العاصمة الذي يحتضن المقرَّين الأهم للدولة، البرلمان والحكومة، جزءاً من عملية تجميل للوسط التجاري الذي احتضر وعلى نحو مُريع في الأعوام الأخيرة، إنما ارتفعت كخطوط دفاعية عن السلطة ومقراتها في مواجهة الانتفاضة الشعبية التي انفجرت في 17 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
وبدت تلك الجدران حول البرلمان ومقر الحكومة كأنها “المتراس” الأمني – السياسي في مواجهة التحركات الشعبية المتوالية على وهج انهيار مالي ينزلق بلبنان نحو خطر الإفلاس، ووسط انفجار أزمات معيشية – اجتماعية مرشحة للتعاظم في ظل الخيارات المرة والمحدودة أمام المعالجات التي من المرجح أن تكون كـ”تجرّع السم”.
يراها المنتفضون على أنها جدران لحماية “ممرات” تهريب سياسي، من خلف ظهر ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر ورغماً عنها، استخدمت لإمرار محطات أرادتها المنظومة السياسية الحاكمة كملاذ لاستمرار هروبها إلى الأمام، كانتزاع الثقة الهزيلة في الحكومة الجديدة التي يترأسها حسان دياب، وقبلها التصويت على موازنة “ورقية” تجاوزتها الأزمة.
ومَن يتجوَّل في ساحات وسط بيروت وعلى تخومها، من رياض الصلح والشهداء فالنجمة، ويشاهد عن قرب تلك الجدران المرفوعة فوق بنك من الأهداف السياسية والأمنية يحضره سريعاً “جدار برلين” الذي كان يفصل بين المانيا الغربية وألمانيا الشرقية، والذي شكّل سقوطه في التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر 1989 تاريخ التحوُّلات الكبرى في العالم وعلامة فارقة في حياة الشعوب. وأضحى جدار برلين الذي أُنشئ في العام 1961 رمزاً للحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، ورمزاً للانقسام والفصل وتقييد حرية العبور والتنقل ضمن البلد الواحد، وهو الذي شَطَرَ الألمانيتين، وجاء هدمه ليغدو رمزاً للوحدة والتلاقي والحرية، والذي تُرجم لاحقاً إلى توّحد ألمانيا.
تلك الجدران الإسمنتية تشبه جدار الخط الأخضر بين فلسطين وفلسطين، وجدار رفعته القوات الإسرائيلية على الحدود مع لبنان تحت وطأة الخوف من عمليات استهداف واختراق فوق الأرض وتحته، وحتى جدار دونالد ترامب على الحدود مع المكسيك. فأي رسالة يمكن أن يُرسلها جدار وسط بيروت؟
أليست “الحيطان” حول البرلمان في ساحة النجمة وحول السرايا الحكومية قبالة ساحة رياض الصلح التي بُنيت مع تأليف حكومة دياب هي “رمزيات مشحونة بالعدائية والعزل والتمترس والفصل”؟ أي عقل أمني – سياسي هو الذي ابتدع بناء جدار إسمنتي بين نواب الأمة وممثليهم المحتجين؟ على غرار ما حصل في العاشر من شباط/ فبراير الحالي يوم التصويت على الثقة في الحكومة الجديدة، التي جاءت من خارج مطالب ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر، التي أرادت حكومة تكنوقراط من مستقلّين، جدول أعمالها مواجهة الأزمة المالية والتحضير لانتخابات نيابية مبكرة.
فأسوأ المظاهر التي ارتبطت بتلك الجدران هو استخدامها للفصل بين المتظاهرين وما يُفترض أن يكون “بيت الشعب” لحجب صوتهم، ودشماً تحتمي بها القوى الأمنية التي تُمارس فائض القوة ضد الناس عبر القمع المفرط من خلال خراطيم المياه والرصاص المطاطي و”شن غارات” بالعصي وعمليات اعتقال ضد الناشطين الذين يقودون اعتراضاً على ما آلت إليه الأوضاع المأسوية في البلاد.
وبدا من مشهد الكرّ والفرّ حول الجدران أن السلطة لم تُقم وزناً لمغزى هذه المكعبات الإسمنتية المتراصفة أفقياً وعامودياً، وهو المشهد الذي تناقلته الشاشات في بيوت اللبنانيين وفي المحافل الدولية على حد سواء كـ”رسالة” بالغة السلبية والسوء وذات دلالات لا يمكن إدارة الظهر لها، ولعل أبرزها:
ولم يكن أدل على هذه الرسالة من أن تلجأ السلطة إلى عزل ممثلي الشعب عن الشعبِ عينه بـ”الباطون” الذي يُسيّج مقر البرلمان، ويضطر “نواب الأمة” إلى التسلل خلسة وبطريقة التهريب، وبأساليب الخداع إلى جلسات البرلمان وتحت غطاء من العنف الذي يُمارس ضد المتظاهرين الذين لا يملكون إلا إعلاء الصوت احتجاجاً على السياسات التي دفعت البلاد نحو قعر الهاوية.
ومن غير المستبعد في هذا الإطار أن تحضر “سلوكيات” السلطة في تقرير المؤسسات الدولية كعلامة سوداء ترتفع فوق جدران القطيعة والعزل، خصوصاً أنه لم يتوانَ أي بيان عن سفراء المجموعة الدولية لدعم لبنان أو تلك التي تصدر عن الأمم المتحدة وممثلها الدائم في بيروت عن المطالبة بـ”سماع صوت الشعب”، وعن ربط أي مساعدات للبنان وحكومته بالاستجابة لمطالب المحتجين.
غير أنه لم يكن عادياً أن يخرج رئيس الجمهورية ميشال عون ليعلن أخيراً أن ثمة مجموعات راديكالية من المحتجين تهوى الرفض، وكأنه يوحي بأن الانتفاضة “لا يُعجبها العجب” في إشارة تكشف عن موقف سلبي من السلطة، يُفسِّر تالياً ما ذهبت إليه من مظاهر قطع وعزل وقمع.
ما لا يريد العهد ومن معه من أصحاب الحل والربط الإقرار به هو أن انهيار لبنان الاقتصادي والمالي كان يَفترض معالجة مختلفة، تبدأ بالاعتراف بأن مسار السياسات التي اتبعت وجعلت من لبنان ساحة للنفوذ الإيراني بعيداً عن السير في سياسة “النأي بالنفس” التي تعهد بها رئيس الجمهورية والحكومات السابقة ساهمت في عزلة لبنان، وبالتالي باتت المسألة تتطلب تراجعاً عن هذه السياسة لمصلحة الانحياز إلى الوسط، والخروج من الالتحاق بهذا الفريق أو ذلك، ما دامت البلاد أصغر من قدرتها على التماهي مع لعبة الأمم والانخراط في الحرب المفتوحة بين طهران وواشنطن، والنهي عن الدور الذي يلعبه “حزب الله” كذراع عسكرية إيرانية في المنطقة.
وما لا تريده السلطة الحاكمة ومَن معها من أصحاب النفوذ الفعليين هو الإقرار بأن معالجة الانهيار تبدأ من السياسة أولاً، من خلال عودة التوازن والاتكاء على مفهوم قوة التوازن التي من شأنها أن تشكل صمَّام الأمان والانفتاح على الغير.
الذي حصل بعد استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري عقب انطلاق ثورة 17 تشرين الأول/أكتوبر ومطالبة الثوار بحكومة تكنوقراط من خارج الأحزاب السياسية المشاركة في السلطة هو أن العقلية لم تتغيَّر، فبدأت محاولات الالتفاف ليس فقط على الشارع الثائر بل على كل أفق مفتوح يمكن من خلاله النفاذ إلى إنقاذ لبنان، وتحديداً الالتزام بتطبيق ما تعهَّد به من إصلاحات بنيوية إدارية واقتصادية ومؤسساتية من أجل الحصول على المشاريع التي كانت الدول المانحة في مؤتمر “سيدر” قد أقرَّت تمويلها، ولم تُبصر النور نتيجة عدم البدء بتنفيذ تلك الإصلاحات.
حتى أن الكثير من نُخب الثورة لم ينظروا إلى تكليف حسان دياب لرئاسة الحكومة على أنه محاولة انقلاب على التسوية والإطاحة بسعد الحريري بوصفه الزعيم الأبرز في طائفته، بل اعتبرت أن التكليف دستوري، وأن المكلَّف هو من خارج نادي الرؤساء. وذهبت إلى إعطائه الفرصة بعدما وعد بأنه لن يُشكّل إلا حكومة اختصاصيين، فإذا بهم يصابون بصدمة التأليف، على الرغم من أن المتابعين للشأن الداخلي كانوا منذ البداية يرون أنه ليس في إمكان حكومة مبتورة وطنياً، ستكون حكومة “اللون الواحد”، أن تُعبِّر عن تطلعات اللبنانيين في هذا المرحلة الخطيرة من حياتهم، وتكون خشبة خلاص لهم ولوطنهم، فيما كان المطلوب قراراً لبنانياً جامعاً بالسير ببرنامج إنقاذ معروف التفاصيل، تأتي حكومة لتطبيقه، وتُقدِّم المصلحة الوطنية على ما عداها من حسابات المحاصصة الداخلية، وسياسات المحاور الإقليمية التي وضعت لبنان في عين العاصفة.
انقلب الشارع سريعاً على الحكومة التي واجهتُها اختصاصيون ضعفاء، وتُدار من الخلف وفق المصالح والحسابات التي لن تأخذ في الاعتبار حاجة لبنان للخروج من النفق، بل حاجتها في إبقائه ورقة بيدها وبيد المحور الذي تنتمي إليه في الحرب الدائرة على إيران، لاستخدام هذه الورقة عندما يحين وقت التفاوض. وهو ما بدأ يظهر من خلال حالة الإرباك الذي يبرز في أروقة الحكومة ولجان الاختصاص التي تستعين بها حكومة الاختصاصيين ليتبين أن القرار في مكان آخر حيث أروقة الداعمين السياسيين لها.
البعض يعتبر أن دياب قد بدَّد الفرصة في ظل تأزم غالبية القوى السياسية، والبعض الآخر يرى أنه أتى ليكون واجهة لأكثرية أفرزتها الانتخابات النيابية على قياس قانون فُصِّل لهذه الغاية، وهي الأكثرية التي تغنّى بها الحرس الثوري الإيراني، حين قال إنه مُمسك بأربع عواصم عربية، بعدما أضاف بيروت إلى بغداد وصنعاء ودمشق. ولكن مهما كان السبب فإن النتيجة هي أن الشارع الذي تمهَّل وركن لبعض الوقت، خرج في “يوم الثقة” ليمنع وصول النواب إلى البرلمان ومنح الحكومة الثقة. فكان المشهد بين ضفتي الجدار معبراً: على ضفة، نواب يختبئون كي يصلوا، وآخرون يبيتون ليلتهم في مكاتبهم كي لا تقع أعينهم على أعين المحتجين الذين يُفترض أنهم يمثلونهم، وساحة النجمة فارغة من الحياة. أما على الضفة الأخرى من “جدار الفصل” شبان ينبضون بالحياة، كاشفو الوجوه يفترشون الأرض لقطع الطرق المؤدية إلى البرلمان، يُواجهون جيشاً انتشر وكأنه في جبهة قتال، ومعه قوى مكافحة الشغب، بقوتهما الخشنة التي سُخّرت لضمان وصول النواب إلى قبة برلمان الشعب.
فخلف الجدار نالت الحكومة الثقة واختبأ النواب من وجوه يألفونها. لكنهم غداً أو بعد غد أو بعد شهر أو سنة أو بعد… سيهدمون الجدار وينقلب المشهد… طال الوقت أو قَصر، أُريقت الدماء أو لم تُرق… فعقارب الساعة لا يمكن أن تعود إلى الوراء.