مثلما يعرف النظام السوري وحلفاؤه في لبنان تنظيم النازحين في طوابير للانتخاب في السفارة فهم يعرفون أيضاً تنظيم عودتهم في طوابير إلى بلادهم.
بيروت-»القدس العربي»: إذا كان العدوان الإسرائيلي الهمجي على قطاع غزّة والانتهاكات الجارية في القدس يستأثران بكل الاهتمام في لبنان والوطن العربي، مع ترقّب ردّة فعل محور الممانعة على توسّع الجبهة إلى لبنان أو الجولان، فإن حدث الانتخابات الرئاسية السورية المنتظر لم يغب عن دائرة الاهتمام خصوصاً أن لبنان سيكون على موعد يوم الخميس المقبل في 20 ايار/مايو الجاري مع زحف للنازحين السوريين إلى مقرّ السفارة السورية في اليرزة للتصويت للرئيس بشار الأسد في مشهد سيستعيد ما حصل قبل سنوات، حيث شهدت المنطقة المحيطة بالسفارة حشوداً للسوريين الموجودين في لبنان تسبّبت بإقفال المنطقة وطريق بيروت الشام.
وتحضيراً لهذه الانتخابات عملت أحزاب وقوى سياسية مؤيّدة للأسد لدفع السوريين للتوجّه إلى السفارة لإظهار حجم التأييد له، مترافقة مع حملات داعمة للرئيس السوري في مناطق عديدة في البقاع الشمالي أو في جبل محسن في طرابلس حيث نُظّمت مسيرات لافتة رفعت صور بشار الأسد وهتفت بحياته ودعماً لانتخابه، الأمر الذي استفزّ شباب باب التبّانة الذين خرجوا بمسيرة مضادّة ندّدت بالأسد وبارتكابات نظامه وخصوصاً تجاه مدينة طرابلس وآخرها تفجير مسجدي التقوى والسلام.
ولا يخفى أن علامة استفهام كبيرة ترتسم حول شفافية وديمقراطية هذه الانتخابات السورية وهو ما كان موضع سخرية رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي وصف انتخابات الأسد قبل سنوات لولاية ثالثة بأنها «انتخابات براقة حقاً، تشعّ منها أنوار الحريّة، وتفوح منها روائح الديمقراطيّة، وتشكل خريطة طريق لكل شعوب الأرض لتتعلّم فنون الانتخابات والاقتراع والفرز وتستفيد منها» لكنه رأى أنه «مع تصويت الأموات الذين فاق عددهم الـ 200 الفاً، والمهجرين داخل وخارج سوريا البالغ عددهم ما يزيد عن ثمانية ملايين، والمعتقلين السياسيين والمفقودين ومجهولي المصير؛ كان بإمكان النظام السوري أن يحقّق نتائج أفضل في تلك الانتخابات الباهرة بشفافيتها وتعدديتها وديمقراطيتها». وإذ قرأ جنبلاط يومها في تنصيب الأسد لولاية ثالثة تخاذلاً من المجتمع الدولي تجاه الشعب السوري واصل انتقاده للانتخابات السورية بقوله إنها «غير مسبوقة في أعرق الديمقراطيّات التي عرفها التاريخ القديم والوسيط والمعاصر» مضيفاً «لولا بعض الركام في حمص وبعض الدمار في حلب وبعض الطرقات المقطوعة في إدلب، لتمكّن كل سكان هذه المدن من تجديد البيعة الأبدية للسيّد الرئيس، ولو كان على جثث وأشلاء الضحايا الذين تُقدّر أعدادهم بمئات الآلاف، وبالمناسبة، مات كل هؤلاء ليحيا النظام».
ولا يُستبعَد أن يُستعاد مشهد الانقسام اللبناني حول نتائج تلك الانتخابات الرئاسية السورية وحول موضوع عودة النازحين انطلاقاً من اعتبار أنه كما يعرف النظام السوري وحلفاؤه في لبنان تنظيم النازحين في طوابير للانتخاب في السفارة فهم يعرفون أيضاً تنظيم عودتهم في طوابير إلى بلادهم.
ومن المعلوم أن دمشق وحلفاءها تستخدم ورقة النازحين لتعيد تطبيع العلاقات بين لبنان والنظام السوري من خلال زيارات رسمية لوفود حكومية وهذا ما رفضته قوى سياسية على طاولة مجلس الوزراء برئاسة الرئيس سعد الحريري في السابق أبرزها تيار المستقبل والقوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي. وتقدّم وزير الشؤون الاجتماعية ريشار قيوميجيان الأسبق المنتمي إلى القوات اللبنانية قبل سنوات بمبادرة حل لعودة النازحين السوريين إلى بلادهم من 5 نقاط تعتبر «أن طاولة مجلس الوزراء هي المكان الوحيد لبحث حل عودة النازحين، وأنه يتوجّب على اللجنة الوزارية المكلفة موضوع عودة النازحين بحث الموضوع والتنسيق مع الجهات المعنية كهيئات الأمم المتحدة، والدول الكبرى لا سيما روسيا، كما يتوجّب على الحكومة اللبنانية مطالبة المجتمع الدولي ليمارس المزيد من الضغط على النظام السوري لتسهيل العودة واظهار حسنِ النية». وإعتبرت المبادرة «أن الأمن العام اللبناني هو الجهاز الصالح لتنسيق عودة النازحين عبر الحدود».
وفي حكومة الرئيس حسان دياب تمّ اقرار الخطة التي كان أعدّها الوزير السابق صالح الغريب وأعاد تقديمها وزير الشؤون الاجتماعية الحالي رمزي مشرّفية والتي تنص على التعاون مع الدولة السورية في ما يخصّ حصراً ملف النازحين من منطلق إعادة النازحين فقط لتأمين العودة السريعة والآمنة التي تحترم المعايير الدولية عبر عدم فرض العودة القسرية. وتوّج إقرار هذه الخطة بزيارة للوزير مشرّفية إلى دمشق حيث نقل عن وزراء التقاهم استعدادهم الكامل للعمل مع الدولة اللبنانية على تفعيل ملف عودة النازحين، معلناً أنه «تلقّى ضمانات بتحقيق عودة كريمة وآمنة حيث سلامة النازح السوري وكرامته ستكونان مضمونتين ومحفوظتين» لكن أي تقدّم لم يُسجّل في هذا الإطار.
ويشكّك البعض في قوى 14 آذار في رغبة النظام السوري بعودة النازحين، ويسأل «كيف لم يتمكّن العهد ممثلاً بالرئيس ميشال عون وصهره رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الذي طالب بإعادة سوريا إلى مقعدها في الجامعة العربية من إقناع بشار الأسد بإعادة النازحين إلى بلادهم؟ ولماذا لم يستطع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله إقناع حليفه بشار بإعادة النازحين أيضاً، فيما الرجل الأمني الأول اللواء عباس ابراهيم اقتصر جهده على عودة بضعة آلاف إلى ديارهم؟