مرَّت سنة على تفجير مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس 2020 فيما لبنان يُمعن في الغرق إلى القعر سياسياً واقتصادياً ومالياً واجتماعياً، ويعيش فصولاً من الانهيارات المتتالية وسط انسداد في أفق الحلول والمعالجات الناجعة وحتى المسكّنات. أطاح عصف الانفجار بحكومة حسان دياب التي ما زالت تُصرِّف الأعمال من دون القدرة على إنتاج حكومة كان يُفترض بها أن تكون «حكومة مهمة» تعمل على وقف التدحرج السريع نحو الهاوية. بين رئيسين مكلّفين هما مصطفى أديب وسعد الحريري، مر أحد عشر شهراً، وكأن ساسة لبنان يعيشون في كوكب آخر، ولا يزالون.
ليس هناك من كبير أمل بألّا يلقى التكليف الثالث خلال سنة، والذي آل إلى نجيب ميقاتي، نفس المصير، في وقت خرج تقرير للبنك الدولي ليصنّف الأزمة الاقتصاديّة والمالية التي تضرب لبنان من بين الأزمات العشر، وربّما من بين الأزمات الثلاث، الأكثر حدّة عالمياً منذ أواسط القرن التاسع عشر، بعد تشيلي عام 1926 التي احتاجت إلى 16 عاماً للخروج من قعرها، وإسبانيا بعد حربها الأهلية عام 1931.
ووفق تقرير مرصد الاقتصاد اللبناني لربيع 2021 الصادر عن البنك الدولي، سجّل الناتج المحلي في لبنان تراجعاً من نحو 55 مليار دولار أمريكي في العام 2018 إلى نحو 33 مليار دولار في العام 2020 مع تراجع إجمالي الناتج المحلي للفرد بالدولار الأمريكي بنحو 40 في المئة. ويقول: «غالبًا ما يُعزى مثل هذا الانقباض القاسي والسريع إلى نزاعات أو حروب». وحتى قبل ذلك، لطالما صنّف البنك الدولي لبنان على أنّه دولة هشاشة، ونزاع، وعنف. وبالتالي، قد تُهدّد الظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة المتردية بانهيار وطني منهجي تكون له انعكاسات محتملة على المستويَين الإقليمي والعالمي، ممّا يُجسّد حجم الكساد الاقتصادي الذي يشهده البلد، من دون بارقة أمل بتغيير تلوح في الأفق، نظراً إلى التقاعس المتعمّد عن اتخاذ السياسات الملائمة.
هو التقاعس المتعمّد، إذ إن السلطات اللبنانية تواجه وابل الأزمات المتعاقبة (الأزمة المالية والاقتصادية، كوفيد 19، وانفجار مرفأ بيروت) بسياسات غير ملائمة عمداً. يعتبرُ التقرير أن الاستجابات غير الملائمة لا تعود إلى نقص في المعلومات أو إلى توجيهات خاطئة، بل هي نتيجة توليفة من عوامل عدّة، منها: غياب الإجماع السياسي بشأن مبادرات سياسات فعّالة؛ والإجماع السياسي في الدفاع عن نظام اقتصادي مُفلس، أفاد البعض لفترة طويلة جداً.
وإزاء الانهيار في قيمة الليرة، وتآكل القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات التضخم، التي يزيد معها الفقر والبطالة، يرى تقرير البنك الدولي أن «الأثر الاجتماعي للأزمة، الصعب أصلاً، قد يُصبح مأساوياً بسرعة». ,يتحدث عن 1 من 5 عمال خسروا وظائفهم، و41 في المئة من العائلات تواجه صعوبات في الحصول على الطعام والمواد الأساسية، و36 في المئة يتعذّر عليها الوصول إلى الرعاية الطبية، ونزوح جماعي للطلاب من المدارس الخاصة إلى الرسمية، بلغ هذا العام وحده 54000 تلميذ (11 في المئة من تلامذة القطاع العام) بالإضافة إلى معدّل تسرّب مدرسي أعلى، لا سيّما من الأسر الأكثر تهميشاً.
ورجَّح أن يكون «أكثر من نصف السكان دون خط الفقر الوطني» متحدثاً عن مخاطر واقعيّة تُهدّد سلمه الاجتماعي الهشّ أصلاً. فالأزمة المالية والاقتصاديّة زادت من هشاشة لبنان وتفكّكه، مما زاد من خطر الاضطرابات المدنية والاجتماعية وزادت الأزمة من أوجه الخلل الطويلة الأمد، بما في ذلك مكامن الضعف المؤسسية، والسياسة الاجتماعية والاقتصادية الفاشلة، والخدمات العامة السيئة.
وكان الاتجاه الدولي يقوم على مساعدة لبنان للنهوض اقتصادياً من خلال خطط إصلاحية، لكنه الآن أضحى توجهاً لتقديم المساعدات الإنسانية من خارج مؤسسات الدولة. هذا ما خلص إليه «مرصد الأزمة في الجامعة الأمريكية في بيروت» وهو مبادرة بحثية تهدف إلى دراسة تداعيات الأزمات المتعددة في لبنان وطرق مقاربتها، إذ أشار في ملخص لدراسة أعدها إلى أن «المجتمع الدولي يتوجّه بشكلٍ متزايدٍ إلى تصويب معظم المساعدات التي تُقدَّم إلى لبنان في اتجاه البرامج الإنسانية واستجابةً لحالات الطوارئ. وهو أمر ناجم بمعظمه عن الأزمات المتشابكة الناتجة بدورها عن تأزُّم سياسي مزمن، تستعصي معه الحلول ويُحترَف فيه تضييع الفرص، فتغيب الجديَّة الحكومية في إدارة الأزمة وتتسارع انهيارات القطاعات الحيوية وتفكُّك المؤسسات».
ويلفت المرصد، الذي يُشرف عيه الدكتور ناصر ياسين، إلى استعصاء الحلول والإصلاحات خلال العقدين الأخيرين، ولا سيّما منذ عام 2007 حين التزمت الحكومة بتحقيق سلسلة من الإصلاحات في برنامج عمل مؤتمر «باريس 3» حيث لم تنفِّذ الحكومات المتعاقبة أغلبه، ولم يُبصر النور منه إلّا القليل. ومن هذا البرنامج ما كان يتعلق بحوكمة القطاع العام، وتعيين هيئة ناظمة للمناقصات العامة، وإصلاح قطاع الطاقة وخصخصة كهرباء لبنان، وزيادة التنافسية، واستراتيجية اجتماعية شاملة، وإصلاح نظم التقاعد».
فـ»أمام هذه الفرص الضائعة – التي لم تُؤخذ بشكل جدّي منذ أكثر من 14 عامًا بعد مؤتمر باريس 3 وكذلك بعد مؤتمر سيدر – وأمام غياب الرؤية وتفكُّك المؤسسات، وكذلك الإزمات الحاصلة في أزمة اللجوء السوري، يتحوَّل المانحون إلى حصر المساعدات المقدَّمة إلى لبنان بالمنظمات الدولية والهيئات غير الحكومية ضمن أطر المساعدات الإنسانية».
الأرقام… والمانحون
في هذا الإطار، حصل لبنان خلال العام الماضي على 1.6 مليار دولار على شكل مُنح جُلُّها عبر الهيئات الإنسانية والمنظمات غير الحكومية، بحيث شكَّل هذا المبلغ ارتفاعًا ملحوظًا (عن المساعدات الممنوحة خلال عام 2019) قدرُه نصف مليار دولار، إذ حصل لبنان عامئذٍ على 1.1 مليار دولار. وقد قدَّمت جهات ثلاث معظم التمويل (76.5%) وهي: الولايات المتحدة الأمريكية والمفوضية الأوروبية وألمانيا. وقد وُجِّهت أكثرية المساعدات إلى برنامج الاستجابة لأزمة اللجوء السوري في لبنان، تليها خطة الاستجابة لأزمة الكورونا والمساعدة الطارئة التي بُذِلَت إثر تفجير مرفأ بيروت. وحصلت ثلاث منظمات دولية على 66 بالمئة من التمويل الإنساني هي: برنامج الغذاء العالمي (29.8%)، مفوضية اللاجئين (25.2%) ومنظمة اليونيسف (10.9%). ولم تُحصَر أكثرية التمويل الساحقة بقطاعات معينة، فيما حصل كلٌ من قطاعات الصحة على 102 مليون دولار، والأمن الغذائي 76 مليون دولار، والتعليم 37 مليون دولار. وتُنفَّذ هذه البرامج بواسطة منظمات دولية ومؤسسات غير حكومية بالتعاون مع الإدارات الرسمية في قطاعات محددة كالصحة والتعليم بالإضافة إلى الهيئات المحلية في بعض الأحيان.
ويحتل لبنان المرتبة الثالثة عالمياً من حيث التمويل الإنساني بحصوله على 5.8% من مجموع التمويل الإنساني في العالم بعد سوريا (9.6%) واليمن (8.1%) إلّا أنّه يحتل المرتبة الأولى عالمياً من حيث حصة الفرد المستهدف من التمويل الإنساني إذا احتسبنا الفئات المستهدفة من الفقراء اللبنانيين (1 مليون) واللاجئين السوريين (1 مليون) والفلسطينيين (270 ألفاً)، وتُقدَّر هذه الحصة بنحو 700 دولار للفرد سنوياً.
ويرى ناصر ياسين أننا ذاهبون بازدياد إلى منحى المساعدات الإنسانية، لأن مؤسسات الدولة معطلة والإصلاحات لم تتم، ولأن التأزم السياسي الموجود لا يسمح للبلد بالانطلاق بخطط إصلاحات قطاعية، فتتم مساعدته بالحد الأدنى، أي أن المساعدات تذهب باتجاه الصحة والتعليم والغذاء، وكأنك تساعدين اللبنانيين وهم في حالة طوارئ، كما تساعدين اللاجئين أو النازحين أو أناس تعرضوا لأزمة كبيرة، هذا هو توجّه المؤتمرات الدولية التي عُقدت من أجل دعم لبنان في الأشهر الأخيرة، وهكذا تُرى الصورة على الأقل في الوقت الحالي، لأن الأزمة السياسية الكبيرة وتعثر الإصلاحات وتأزم الحالة الموجودة يجعل المساعدات بالمباشر إنسانية.
ما يلفت إليه هو أن الدولة ستشهد مزيداً من الضعف. فالمساعدات ليست لدعم مؤسسات الدولة إنما هي للشعب، وتأتي عبر المنظمات الدولية والجمعيات غير الحكومية، باعتبار أن الدولة فاشلة، وغير مؤهلة لإدارة هذه المشاريع، وبالتالي فإن استمرار هذه السلسلة ستضعف الدولة أكثر وأكثر. والمشكلة أن الحديث عن حلول جذرية أضحى صعباً، فحتى ولو تشكّلت الحكومة سريعاً ستكون الحلول لإطفاء الحرائق أكثر مما هي حلول جذرية نحو التعافي، لأننا تأخرنا بإدارة الأزمة، متوقعاً أن يكون لبنان ذاهب، على الأقل حتى الانتخابات النيابية، نحو مرحلة إطفاء حرائق، يوم بالمحروقات ويوم بالغذاء، ويوم بالكهرباء والدواء وهي كلها عملية تقطيع وقت، فما يهم المجتمع الدولي راهناً هو ضمان حد أدنى من الاستقرار في لبنان، ذلك أن المسألة اللبنانية غير موضوعة بشكل جدي على طريق الحل إنما هي تفصيل لما يحدث من حراك في المنطقة.
ويشي التحرّك الدولي عبر مزيد من المساعدات الإنسانية والتي سيكون آخرها في المؤتمر عن بعد الذي سيعقد في الرابع من آب/أغسطس بدعوة من فرنسا بأن مسار الأزمة اللبنانية سيكون طويلاً، حتى إلى ما بعد الانتخابات، وإنْ كان ينظر إليها على أنها محطة قد تبدّل في التوجهات السياسية للأكثرية البرلمانية، لكنها في واقع الحال لن تحدث تبدلاً جوهرياً في نظام محكوم بتوازنات طائفية، وبوجود سلاح غير شرعي هو الممسك بالقرار الاستراتيجي للبلاد.
ثمة ثلاث قضايا أساسية وجوهرية، في رأي ياسين، لا جواب لها ولا حلول داخلية أو دولية حولها، وهي: كيف نحل أزمة لبنان إذا لم يحصل نقاش حقيقي حول دور الأفرقاء اللبنانيين في صراعات المنطقة؟ وكيف نأتي بالمساعدات إذا لم تكن هناك إصلاحات جدية بكل القطاعات التي فيها فساد وهدر وسيطرة السياسيين عليها؟ وكيف يتم الانفتاح على الحراك الشعبي الذي عمره سنة ونصف أو سنتين؟
هي قضايا أو أسئلة تلخّص جذور المشكلة التي تحتاج إلى حل، وما عداه ليس سوى حبوب مسكن لن تُغني عن عملية جراحية وإلا مات المريض، الذي اسمه لبنان!.