لبنان في خطر غياب الدولة وانهيار السلم الاهلي

حجم الخط
0

د. عصام نعمانلبنان في خطر لأن اركان شبكته الحاكمة عاجزون عن التوافق على تشريع قانون ديمقراطي للإنتخابات ما يعزز احتمال عدم اجرائها اواخرَ شهر ايار/مايو المقبل. عدم إجراء الإنتخابات يفاقم الإضطراب السياسي والامني الذي يعصف بالبلاد منذ اشهر.ما سرّ العجز عن التوافق؟انه ليس سراً. فأقطاب الشبكة الحاكمة مختلفون حول معادلة المحاصصة التي يُبنى عليها قانون الإنتخابات. يُقصد بالمحاصصة معادلة تقاسم المصالح والمقاعد النيابية. والخلاف على المحاصصة يعزوه البعض الى تعذّر إجراء الإنتخابات في ظل ما يسمّى سلاح المقاومة. لكن سلاح المقاومة كان موجوداً منذ اواخر ثمانينات القرن الماضي ومع ذلك اجريت اربعة انتخابات منذ إقرار اتفاق الطائف العام 1992 ولم يَحُل سلاح المقاومة دون إجرائها.الحقيقة ان المقاومة ما كانت لتقوم اصلاً لولا غياب الدولة.’واذا كانت الدولة غائبة او مغيّبة فإن الشعب، بعضه في الاقل، غائب او مغيّب. ذلك لأن المجتمع السياسي مضروب بعلة الطائفية، او بالاحرى السياسة الطائفية. وعندما يكون المجتمع السياسي على هذا القدْر من التعددية المرهقة المقرونة بذلك القدْر من التحريض المذهبي، فإن دور الشعب في بناء الدولة وتسيير مؤسساتها، ناهيك عن دعم المقاومة، يتعطّل وينحسر.يزداد الامر خطورة مع بروز تحديات اربعة: الإسلام السلفي، والأزمة السورية، والثروة النفطية والغازية الكامنة في المنطقة الإقتصادية الخالصة للبنان في قاع البحر المتوسط، واحتمال انهيار السلم الاهلي.الإسلام السياسي السلفي صعَدَ في سياق انتفاضات ما يُسمى ‘الربيع العربي’. بعض جماعاته امسك بناصية السلطة في تونس ومصر وليبيا، وبعضها الآخر يكافح للإستيلاء عليها في سوريا والاردن. هذا الصعود السريع للجماعات الإسلامية ينطوي على ثلاث مخاطر. اولاها، نزوع الولايات المتحدة الى تسهيل وصول الاخوان المسلمين الى السلطة، والتحالف معهم كطبقة سياسية بديلة من حلفائها القدامى المقصيين. ثانيتها، تراجع الاخوان المسلمين عن اعتبار ‘اسرائيل’ الخطر الاول على الامة وبالتالي عدم اعتبار المقاومة اولوية في هذه المرحلة. ثالثتها، التركيز على مسألة الهوية الإسلامية بديلاً من العدالة الإجتماعية كأولوية مرحلية وبالتالي مراعاة السلفيين المطالبين بتطبيق الشريعة وتكريسها في الدستور.الأزمة السورية طالت وتفاقمت واخذت تفيض بتداعياتها على الدول المجاورة، مع كل ما يرافقها من محاولات لتعميق الفتنة السنية الشيعية، وتدفق عشرات الآف اللاجئين الى لبنان والاردن وتركيا. غير ان ثبوت وجود ثروة طاقوية (نفط وغاز) في المنطقة الإقتصادية الخالصة للبنان يستوجب تسريع عملية إعادة بناء الدولة ومؤسساتها وتفعيلها لمباشرة عمليات التنقيب والإستخراج والاستثمار، وكذلك لضمان إقرار استراتيجية للدفاع الوطني تكفل مشاركة المقاومة كقوة رادعة لعدوانية ‘اسرائيل’ ولمحاولاتها الدؤوبة السطو على موارد لبنان الطبيعية.الى ذلك، يبقى داهماً احتمال الإنهيار الوشيك للسلم الاهلي بفعل شيوع الطائفية والمذهبية والصراع السنيّ الشيعي، وإستفحال المديونية العامة، والازمة المعيشية الخانقة، وتعطيل الحوار بين القوى السياسية الرئيسية عشية استحقاق الانتخابات النيابية. هل من فرص لمواجهة هذه التحديات والمخاطر؟ثمة فرصة ذهبية قد تستولد فرصاً متعددة. انها مبادرة القوى الوطنية الحية الى اغتنام المأزق التاريخي للشبكة الحاكمة بوجهيها الموالي والمعارض بغية تنفيذ احكام اتفاق الطائف بما هو التسوية التاريخية لأزمة لبنان المزمنة والمتمثلة في تجربة تزويج الطائفية بنظام التمثيل الاكثري منذ إنتخاب أول مجلس تمثيلي العام 1922 ما ادى الى تكلّس النظام السياسي، وإعادة إنتاج الشبكة الحاكمة لنفسها وبالتالي عدم تجديد القيادات السياسية، واندلاع إضطرابات أمنية بعد كل إنتخابات نيابية، وتعمّيق الشعور بعدم جدوى الانتخابات كآلية لتداول السلطة، وبالنتيجة تجويف الحياة السياسية وبزوغ الأجهزة الأمنية كموجّه للدولة وضابط للمجتمع.في ضوء هذه المساوىء والنواقص والتحديات تبرز حاجات ثلاث هي بمثابة ضرورات إستراتيجية للخروج من مستنقع الطائفية والعقم السياسي والفساد الى فضاء الحرية والديمقراطية والتجدد والترقّي.أولى الضرورات إعتماد نظام التمثيل النسبي في الانتخابات. ثمة إستقطاب حادّ ومتشنج على الصعيدين السياسي والشعبي مرشح لمزيد من الحدة بفعل التدخل والتحريض الخارجيين، ما ادى ويؤدي الى تفجير اضطرابات سياسية واجتماعية في حال استمرار العمل بنظام التمثيل الاكثري. ذلك ان من شأن النظام المذكور ان يؤدي الى فوز لوائح او تكتلات موالية وأخرى معارضة بفوارق أصوات ضئيلة جداً، وبالتالي حرمان اللوائح والتكتلات الخاسرة لدى كلا الطرفين من أية مقاعد الأمر الذي يترك مرارة حادة في نفوس الخاسرين وسط مناخ الإستقطاب والتشنج السائد. وهي مرارة ستنتقل بالضرورة الى الشارع حيث المواجهة في هذه الآونة بين السلطة والمعارضة وصفة لإجتذاب تدخلات خارجية سافرة. غني عن البيان انه، في حال إعتماد التمثيل النسبي، تنعدم او تكاد إحتمالات الاحتكاك والصراع اذ في وسع معظم التيارات والتكتلات السياسية الفاعلة ان تتمثّل في مجلس النواب حيث تتوافر القواعد والضوابط اللازمة للتعبير والإستيعاب. في إختصار، التمثيل النسبي هو الآلية الفضلى لصون الوحدة الوطنية وتوطيد الاستقرار .ثانية الضرورات قيام خط ثالث او قوة ثالثة في البلاد تجسّد تلاقي القوى الديمقراطية والإجتماعية الحية في مواجهة جناحي الموالاة والمعارضة المتكاملين تاريخياً في منظومة واحدة هي الشبكة الحاكمة. آن أوان الإدراك، بعد تجارب مريرة في عهود متعاقبة، ان الموالاة والمعارضة ثنائية زائفة، وانهمـا وجهان لمدالية واحدة، وانهما في تركيبتهما ومـــمارستهما افرازان للنظـام الطائفي المركانتيلي الفاسد، وانهما مندرجان أبداً في مســار إعادة إنتاجه لنفسه وترسيخ سيطرته على الحياة العامة. اجل، القوى الديمقراطية والاجتماعية الحية مدعوة الى تجاوز خلافاتها العقيدية الموروثة، وتدوير زوايا إختلافاتها السياسية الضيقة، والكفّ عن تذوق السلطة من فتات موائد’أهل السلطـة، والتجمع والتكامل في إطار تنظيمي وسياسي مرن ومتماسك في آن على مستوى الجمــــهورية، والنظــــر الى المخاطـــر المحلية المحدقة في منظور التحديات الإقليمية والدولية الماثلة، ومواجهتها جميعا بعقل الجماعة وشجاعة المناضلين، بنَفَس طويل وصبر وحكمة.ثالثة الضرورات التخلي، في التفكير والتدبير، عن نمط المعارضة اللفظية التقليدية لصالح إعتماد الممانعة الوطنية الديمقراطية المتطورة الى مقاومة مدنية’وميدانية. ها هو الدكتور سليم الحص، رجل الدولة الوطني والرصين، يدعو بعد تجارب مريرة مع عهود أربعة الى إستخلاص توصية لافتة هي جواز إعتماد العصيان المدني، اذا ما اقتضت الضرورة، وسيلةً لتذليل عقبات الإصلاح السياسي (راجع كتابه ‘صوت بلا صدى’، لا سيما الصفحتين 99 و330). فالطبقة الحاكمة، في رأي الحص، غير معنية بالإصلاح بل معادية له لأن تبنّيها الإصلاح هو بمثابة إنتحار سياسي لها. هل تنتظر القوى الحية، اذاً، ايّ تغيّر او إصلاح في ظل شبكة حاكمة متكلّسة تسعى الى البقاء والإستمرار بالمحافظة على إمتيازاتها، وبإستمداد الدعم من الخارج الإقليمي حيناً والخارج الدولي حيناً آخر، وتتقاسم وإياهما المغانم في كل الأحيان ؟ ولماذا نذهب بعيدا ؟ ألم تدرك غالبية الشعب اللبناني استحالة التغيير في ظل شبكة حاكمة فاسدة ونظام انتخابي مصنوع خصّيصاً لحماية مصالحها، فتراها تقاطع الانتخابات على مرّ العهود؟ آن أوان العمل في صفوف الناس ومخاطبة أمانيهم ومصالحهم وتطلعاتهم وتطوير مقاطعتهم العفوية للسلطة وللإنتخابات الى مقاومة مدنية بتوجّهات إجتماعية ومناهج عصرية وطاقات شبابية. ولعل اولى الخطوات الميدانية للخط الثالث، مقاطعة الانتخابات النيابية طالما تجري على أساس النظام الاكثري والصوت الجمعي، وبتواطؤ ضمني بين اجنحة الشبكة الحاكمة، وتطوير المقاطعة تالياً الى اشكال متقدمة وفاعلة من المقاومة المدنية ضد شبكة حاكمة طال تحكمها رغم طول زمن اهترائها.’ كاتب لبنانيqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية