لبنان: للتوافق الوطني أولوية على الانتخابات

حجم الخط
0

ثمة مقولة رائجة مفادها ان الانتخابات هي مصدر الشرعية ومعيارها. اكتسبت هذه المقولة بعض الصدقية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وإجراء انتخابات تشريعية في دول اوروبا الشرقية التي كانت تدور في فلكه. غير ان التجارب الانتخابية في تلك الدول كما في الدول المتخلّفة ومتوسطة النمو، كشفت ان الانتخابات ليست وصفة سحرية قابلة للتحقيق والتثمير في كل زمان ومكان. ذلك ان لكل بلد خصوصية وظروفاً موضوعية مغايرة، الامر الذي يستوجب تكييفاً لمفاهيم الديمقراطية وآلياتها بما يؤدي الى تسهيل تطبيقها وتعظيم منافعها.
في بلاد العرب، تبيّن ان الانتخابات لم تحقق النتائج المرتجاة. مردُّ الإخفاق الى سوء مقاصد الحكام وسوء تدبيرهم في آن. بعض الحكـام كان وما زال، معادياً للديمقراطية ما جعله متحايلاً في مسألة اعتمادها، ومسيئاً توظيف آلياتها واجراءاتها خدمةً لأغراضه الخاصة. الى ذلك، يحدث في كثير من الاحيان ان تكون حال البلد المعني على درجة من الاضطراب والتعقيد والعنف، ما يجعل بعض آليات الديمقراطية، ولا سيما الانتخابات، صعبة التشغيل ومحدودة الفعالية.
ما حصيلة اعتماد آلية الانتخابات في بعض بلاد العرب، وما يمكن ان تنتهي اليه في بعضها الآخر؟
اول انتخابات في مصر بعد انتفاضة 25 يناير/كانون الثاني 2011 جرت في العام التالي وأدت، في ظروف سياسية واجتماعية مضطربة، الى فوز الاخوان المسلمين والسلفيين بغالبية ساحقة في مجلس النواب، والى فوز مرشحهم محمد مرسي بالرئاسة. الاضطراب الاجتماعي والضائقة المعيشية وسوء تدبير الاخوان وتسلطهم السياسي، افضت الى تبخّر ثقة الشعب بحكمهم ونفور عام منهم، وبالتالي الى نزول اكثر من عشرين مليون مصري الى الشوارع والساحات العامة منددين بتسلطهم، ما حمل القوات المسلحة اخيراً على إقصائهم ورئيسهم عن السلطة في 3/7/2013.
في تونس، استوعبت حركة النهضة الإسلامية دروس التجربة الاخوانية المرّة في مصر، فانفتحت على سائر القوى السياسية في المجتمع التونسي التعددي وارتضت اقامة حكومة ائتلافية لإدارة المرحلة الانتقالية. غير ان انفتاحها على غير الإسلاميين ادى الى اثارة السلفيين عموماً، ما حملهم على تفجير اضطرابات مسلحة قد تتطور الى حرب اهلية. ذلك كله يحمل المراقبين على النظر بقلق الى ما يمكن ان تنتهي اليه الانتخابات القادمة .
في لبنان، ادت الاضطرابات السياسية والامنية المتواصلة الى إسقاط حكومة نجيب ميقاتي، والى اخفاق القوى السياسية المتصارعة طيلة اشهر عشرة في إقامة حكومة بديلة. وفي هذه الأثناء، وإزاء عجز السلطة عن إجراء انتخابات برلمانية، قام مجلس النواب بتمديد ولايته 17 شهراً تنتهي في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر القادم. واذ داهم الجميع استحقاق انتخاب رئيس بديل من العماد ميشال سليمان الذي تنتهي ولايته في 25 الشهر الجاري، فقد عجز مجلس النواب في جلستين متتاليتين عن انتخاب رئيس جديد، وليس ما يشير الى انه سينجح في مهمته قبل انتهاء ولاية الرئيس سليمان ما يدفع البلاد الى فراغ رئاسي مقلق ومفتوح على شتى الاحتمالات .
في العراق، تمكّنت حكومة نوري المالكي من إجراء انتخابات تشريعية عززت وضع رئيسها، لكنها لم تؤدِ الى تغيير نوعي في موازين القوى السياسية في البلاد. الى ذلك ، فإن التمرد المسلح الذي تقوده ‘الدولة الإسلامية في العراق والشام’ (داعش) ما زال ناشطاً، ولاسيما في محافظة الانبار ما يطرح سؤالاً عن مدى قدرة المالكي على تأليف حكومة الأغلبية السياسيـة التي يصبو اليها، ومدى قدرتها على وضع حدٍّ للتمرد المسلح المستشري.
في سوريا ، تبدو الحكومة مصممة على إجراء الانتخابات الرئاسية في الثالث من الشهر المقبل. دول الغرب عموماً ودول الخليج المتحالفة معها خصوصاً تشككان في قدرة الحكومة على إجراء الانتخابات في كل المحافظات، لكون بعضها مسرحاً لاضطرابات امنية واسعة. غير ان دمشق تؤكد ان جميع مراكز المحافظات ما زالت تحت سيطرة الجيش العربي السوري، باستثناء مركز محافظة الرقة الواقع تحت سيطرة ‘داعش’، وان الجيش في طريقه الى اخراج المعارضة المسلحة من احياء حلب الشمالية الشرقية ومن ريف محافظة دير الزور ما يتيح اجراء انتخابات رئاسية مقبولة .
الأرجح ان تنجح حكومة دمشق في اجراء الانتخابات وان يفوز الرئيس بشار الاسد بولاية جديدة، لكن السؤال الاهم يبقى مطروحاً: هل تكفي الانتخابات لترميم الوحدة الوطنية المتصدعة ولإنهاء الاضطرابات الامنية التي تعصف بالبلاد منذ اكثر من ثلاث سنوات؟ تزداد مشروعية السؤال مع تطورات مستجدة تشير الى ان الحرب تتجه الى مزيد من التصعيد، فقد استوقفت المراقبين ثلاث ظاهرات لافتة:
الاولى، تصعيد ملحوظ في نشاط المعارضة المسلحة في منطقة الفصل بين قوات سوريا و’اسرائيل’ في الجولان، اذ تمكنت قوات المعارضة من السيطرة على ثلاثين كيلومتراً من الخط الفاصل مع العدو الإسرائيلي، الذي يمتد نحو ستين كيلومتراً. وقد ترافق هذا التقدم للمعارضة مع ازدياد حركة نقل جرحاها عبر خطوط وقف النار الى داخل الجولان المحتل وبالتالي الى المستشفيات الإسرائيلية في طبريا وصفد ونهاريا.
الثانية، تزايد اللغط الإعلامي في باريس ولندن وعمان عن مخطط يرمي الى إنشاء جيب حدودي بين سوريا و’اسرائيل’ يحاكي الشريط الحدودي المحتل الذي كان اقامه العميد الفار انطوان لحد على طول الحدود بين لبنان و’اسرائيل’، الى ان تمكّنت المقاومة اللبنانية من إنهائه عام 2000. وقد ازدادت جدّية هذا الاحتمال المقلق بعد تصريحاتٍ داعية لذلك اطلقها كمال اللبواني، احد اركان المعارضة السورية في الخارج.
الثالثة، محاولة امريكا وفرنسا وبريطانيا إقرار مشروع في مجلس الامن الدولي يدعو سوريا، في اطار الفصل السابع، الى ادخال ‘المساعدات الإنسانية عبر الحدود الى الاماكن التي يصعب الوصول اليها’. صحيح ان روسيا قد تستخدم حق النقض لتعطيل المشروع ، لكن عودة الدول الثلاث الى التلويح بمشروع قرار آخر لإحالة الرئيس السوري الى المحكمة الجنائية الدولية تدل على انها ما زالت ممعنة في تأجيج الحرب في سوريا واطالة امدها.
الى مصر وتونس ولبنان والعراق وسوريا ، جرت انتخابات رئاسية في الجزائر وفرّت ولاية رابعة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة. لكن ثمة شكوكاً في ان يكون إجراؤها قد اسهم في ترميم الوحدة الوطنية المتصدعة في البلاد.
في ليبيا، الانتخابات استحقاق واجب الاداء منذ اشهر، لكن تصدّع الوحدة الوطنية والسياسية للبلاد لم يحلْ دون إجراء الانتخابات فحسب، بل اوحى ايضاً بما هو اخطر: تقسيم البلاد الى اقاليم في اطار نظام كونفيدرالي يجد في الخارج مَن يدعم فكرته والداعين اليه.
نستخلص من هذه التطورات ان تجارب الانتخابات لم تنجح في بلادنا العربية لأسبابٍ عدة ابرزها، ان مجتمعاتنا التعددية تعاني من غياب التوافق الوطني بين مكوّناته. صحيح ان الانتخابات تظّل دائماً افضل من غيابها، لكنها ما زالت اعجز عن ان تُضفي شرعية دستورية ومشروعية شعبية على الحكومات التي تتولى إجراءها.
ما العمل؟
لا بد من استكمال مهمة تحرير بلادنا العربية من معوّقات استقلالها الوطني بغية تحرير ارادتها السياسية، على ان ترافقها وتلازمها جهود متواصلة لبناء حال راسخة من التوافق الوطني. ذلك يتمّ بالحوار، وبتعزيز ثقافة الاعتراف بالآخر، وبالعمل الدؤوب لبناء مؤسسات ترعى وتنمّي المشتركات الاجتماعية بين ابناء شعبنا وترسي بينهم قيماً ومعايير مشتركة في السياسة والادارة والتعليم.
التوافق الوطني اعلى وافعل واجدى من الانتخابات. انه ، في الواقع، اولوية اولى وشرط لازم، مسبق ودائم، لإجرائها والافادة من مزاياها.

كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية