بيروت-“القدس العربي”: في ضوء ما تشهده عملية تأليف الحكومة من تعقيدات تبرز الواحدة تلو الأخرى، وفي ضوء ما تتعرّض له صلاحيات رئيس مجلس الوزراء المسؤول عن التأليف بالاتفاق مع رئيس الجمهورية من محاولات فرض أسماء وتوزير أطراف سياسية بمعزل عن إرادة الرئيسين على غرار ما برز في اطلالة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي أصرّ على توزير سنّة 8 آذار تحت طائلة بقاء الحكومة معطّلة، جاءت تغريدة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط حول انتهاء اتفاق الطائف لتطرح مصير هذا الاتفاق في ضوء التجاوزات له حيث قال “بالأمس انتهى الطائف. أتساءل ما هو معنى حكومة الوحدة الوطنية؟”.
وعودة إلى الوراء، فقد أقرّ اتفاق الطائف قبل 30 سنة مكرّساً سلاماً أهلياً منقوصاً، إذ لم يكن الجنرال ميشال عون موافقاً عليه يوم كان رئيساً للحكومة العسكرية، كذلك فإن حزب الله لم يكن موافقاً عليه. وإذا كان اتفاق الطائف أقرّ في ظل توازنات سياسية وعسكرية معقولة لناحية المسيحيين في لبنان، فإن حرب الالغاء التي نشبت بين الجيش اللبناني بقيادة العماد عون والقوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع أنهكت القوى المسيحية، وجاءت عملية 13 تشرين الأول/اكتوبر 1990 التي أطاحت بالجنرال عون من قصر بعبدا لتخلّ تماماً بتوازن القوى الداخلي ولتؤدي إلى نفي عون إلى فرنسا وإلى سجن جعجع في وزارة الدفاع ما جعل اتفاق الطائف لا يُطبّق أو يُطبّق بطريقة مغلوطة أو منقوصة ولاسيما بعدما تولّت سوريا زمام الأمور في لبنان بعد حرب الكويت بتفويض أمريكي، ما جعل الطائف المطبّق ليس الطائف العربي بل الطائف السوري وأولى الانتهاكات استهدفت عدد النواب الذي كان 108 في الطائف وصار 128 بزيادة 20 نائباً عُيّنوا موالين لسوريا وللحكم القائم، ثم بإقرار قانون انتخاب على أساس المحافظات ما عدا جبل لبنان ما أدى إلى مقاطعة مسيحية شاملة عام 1992.
وبات معلوماً أن الطائف جاء ليقلّص صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني وينقل الصلاحيات إلى مجلس الوزراء مجتمعاً وليجعل رئيس مجلس الوزراء شريكاً أساسياً في الحكم ويجعل توقيعه رئيسياً على كل المراسيم ما خلا مرسوم تسميته رئيساً للحكومة واعتبار الحكومة مستقيلة، غير أن البعض اعتبر أن رئيس مجلس الوزراء السنّي بات هو يمارس هذه الصلاحيات نيابة عن مجلس الوزراء إلى حين انتخاب قائد الجيش العماد اميل لحود المدعوم من النظام السوري، ما تسبّب بإنكفاء الرئيس الراحل رفيق الحريري قبل أن يُغتال في 14 شباط/فبراير 2005 ليخرج الجيش السوري من لبنان، ولتتسلّم قوى 14 آذار دفّة الحكم من جديد.
غير أن التحالف الرباعي الذي نشأ خلال الانتخابات النيابية بين تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي وحركة أمل وحزب الله مع جزء من المسيحيين تمثّل بالقوات اللبنانية وحزب الكتائب، جعل المسيحيين يشعرون أن شيئاً لم يتغيّر وجاءت أصواتهم لتصبّ في مصلحة العماد عون والتيار الوطني الحر. وقد استفاد حزب الله من هذا التحالف ليحافظ على حضوره السياسي في ظل رهان فاشل من قوى 14 آذار على “لبننة” الحزب الذي ما لبث عندما اشتدّ عوده أن نفّذ اجتياحاً لبيروت في 7 أيار/مايو وصل إلى حدود الجبل ما بين 9 و11 أيار/مايو ليقبض على زمام السلطة، ويفرض وصاية جديدة على القرار اللبناني بديلة من الوصاية السورية، وليقصي بعد الاتفاق مع التيار الوطني الحر رئيس الحكومة سعد الحريري عن رئاسة الحكومة، ويتم الذهاب إلى الدوحة لتبدأ مرحلة جديدة هي مرحلة اتفاق الدوحة وفق موازين قوى جديد وتأليف حكومات على أساس ثلث معطّل.
وبعد أن تولى العماد عون الرئاسة يجري نقاش حول امكانية إعادة النظر في بعض بنود الطائف وخصوصاً موضوع المهل التي قيّدت رئيس الجمهورية في نشر المراسيم، ويبدو هناك كباش قوي سنّي شيعي حول الصلاحيات مع حديث غير مُثبت عن سعي شيعي ضمني للوصول إلى المثالثة في الحكم على حساب المناصفة المسيحية الإسلامية وليس فقط لتكريس وزارة المال للطائفة الشيعية كي يكون التوقيع الشيعي موجوداً إلى جانب التوقيعين المسيحي والسنّي، بل هناك تخطيط للافادة من فائض القوة والسلاح لانتزاع منصب نائب رئيس للجمهورية.
ويذهب البعض إلى الاعتقاد أن اتفاق الدوحة الذي تمّ بعد بسط حزب الله سيطرته العسكرية جاء ليلغي مفاعيل الطائف الذي يعني التأكيد عليه اصراراً على نفوذ رئيس الحكومة السنّي وعدم إعطاء المكوّن الشيعي المكاسب السياسية في النظام.
هل انتهى الطائف كما رأى الزعيم الدرزي؟ حسب المتابعين فإن اتفاق الطائف الحقيقي انتهى قبل أن يبدأ.