لبنان: مصالحة الجبل أقوى من أن تفرّقها رواسب الستين

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»:«أوعا خيّك» هي العبارة التي سرت بعد المصالحة بين حزبي القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر ويُفترض أن تنطبق على الوضع بين الموحدين الدروز والمسيحيين في الجبل بعد المصالحة التاريخية التي جمعت البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير والزعيم الوطني النائب وليد جنبلاط في العام 2001 والتي كرّسها «البيك» من جديد مع البطريرك مار بشارة بطرس الراعي من خلال دعوته إلى تكريس كنيسة السيدة في المختارة نافخاً الروح في مصالحة الجبل التي أسّست قبل 16 سنة لانعطافة جنبلاطية أوصلت إلى التصدي لنظام الوصاية السورية وخروج الجيش السوري من لبنان.
أما مناسبة الحديث عن المصالحة المسيحية الدرزية في الجبل فهو ما يرافق البحث في قانون الانتخاب من توترات على خلفية تباين وجهات النظر من بعض التقسيمات وشكل النظام الانتخابي أكثرياً كان أم نسبياً أم مختلطاً، حيث ساد شعور درزي بوجود محاولات لتهميش دور الطائفة ونفوذها في الجبل ما انعكس تشنجاً محدوداً بين بعض المناصرين سرعان ما تمّ ضبطه، عندما بادر النائب جنبلاط في المؤتمر العام للحزب التقدمي الاشتراكي إلى تهدئة الخطاب والتأكيد أن مصالحة الجبل أهم من عدد النواب. وأسفت قيادات درزية لبعض التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي لبعض الشبان المسيحيين ومنهم من توجّه إلى سيّد المختارة رافضاً أن يختار النواب المسيحيين، ومتوعداً بالقول «حظّك عاطل طلع رئيس ماروني قوي وأنت بتحب الضعفاء».
وفي مراجعة لعدد النواب المسيحيين في كتلة «اللقاء الديمقراطي» يتبيّن أنهم 5 من أصل 11 نائباً هم: 3 نواب موارنة فؤاد السعد وهنري حلو عن دائرة عاليه وايلي عون عن دائرة الشوف، نائب كاثوليكي هو نعمة طعمة عن الشوف ونائب أورثوذكسي هو انطوان سعد عن دائرة البقاع الغربي. وهناك شراكة جنبلاطية في الشوف مع القوات اللبنانية من خلال النائب جورج عدوان ومع حزب الوطنيين الأحرار من خلال رئيسه دوري شمعون وشراكة في عاليه مع حزب الكتائب من خلال النائب فادي الهبر.
وإذ كان التيار الوطني الحر قد خاض الانتخابات في العام 2009 في مواجهة لوائح 14 آذار المتحالفة مع الزعيم الدرزي، فإن هذا التيار وبعد تحالفه مع القوات اللبنانية يطمح لاسترداد عدد من المقاعد المسيحية وتصحيح التمثيل وأن يكون له حضور نيابي في منطقة الجبل، ولديه لغاية الآن 4 مرشحين علنيين هم عن عاليه الوزير سيزار ابو خليل عن المقعد الماروني والياس شديد حنا عن المقعد الاورثوذكسي، وعن الشوف الوزير طارق الخطيب عن المقعد السني، والوزير السابق ماريو عون أو شخصية من آل البستاني عن المقعد الماروني.
ومن الصعب على التيار الحر أو الأحزاب المسيحية في الجبل زيادة حصتها في المقاعد المسيحية في حال بقي قانون الانتخاب على ما هو عليه، وفي حال تغيير قانون الستين المعمول به حالياً وفق النظام الاكثري إلى النسبية ستتقلّص كتلة النائب جنبلاط حتى في المقاعد الدرزية لذلك هو يرفض هذا الخيار كلياً، وكان توصّل مع تيار المستقبل والقوات اللبنانية إلى التفاهم على اقتراح مختلط يحافظ على مقاعده الدرزية ويعطي هامشاً لتحرير عدد من المقاعد المسيحية بوضعها على النظام النسبي، لكنه تراجع عنه قبل فترة قصيرة في وقت عمد رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل للموافقة على النظام المختلط الذي كان يرفضه.
وفي انتظار ما ستسفر عنه جلسات الحكومة المتتالية في محاولة للاتفاق على قانون انتخاب جديد، فإن تحرير عدد من المقاعد المسيحية في بعض المناطق في بيروت وطرابلس وعكار والبقاع الغربي وزحلة وخصوصاً تلك الخاضعة لتيار المستقبل من شأنه تحسين التمثيل المسيحي تحت شعار ضمان المناصفة الحقيقية من دون أن يؤثر عملياً على حضور كتلة المستقبل المنتشرة في عدد كبير من المناطق خلافاً لواقع الدروز الذين ينحصر نفوذهم في قضاءي الشوف وعاليه فيما هم لا يتحكّمون بإختيار 4 نواب دروز في بيروت وبعبدا والبقاع الغربي وحاصبيا.
وإذا تمّ وضع المقاعد المسيحية في الشوف وعاليه على النظام النسبي فلا يبقى للدروز سوى 4 مقاعد وهذا لا يتوافق مع الدور التاريخي للدروز كطائفة مؤسسة في لبنان. من هنا انتفاضة النائب جنبلاط الذي لا يمانع في الشراكة في الجبل مع الأحزاب المسيحية ولكن من دون أن يتحوّل الأمر إلى ما يشبه إلغاء للحضور الوطني والسياسي للمكوّن الدرزي، ونقل الغبن من طائفة إلى أخرى.
هل من إمكان للتوصل إلى قانون انتخاب جديد يرضي كل الطوائف وكل المكوّنات السياسية ويشكّل مساحة مشتركة ويحقق عدالة التمثيل من دون أن يسبّب أي هزة للمصالحات الوطنية في ظل الطموحات الانتخابية؟
يقترح النائب جنبلاط الانطلاق من قانون الستين معدّلاً كما حصل التوافق في الدوحة على استحداث دائرة في بيروت الأولى، فيما الثنائي المسيحي يريد التخلص من رواسب الستين، ويعتبر أنه يراعي زعيم الحزب الاشتراكي من خلال الموافقة على إستثناء بجعل الشوف وعاليه من دون بعبدا دائرة واحدة حفاظاً على الخصوصية الدرزية.
في كل الأحوال، لا شك أن التقدير الكبير، الذي تركه في قلب رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع إيفاد النائب جنبلاط لنجله تيمور وابنته داليا على رأس وفد حزبي ونيابي للمشاركة في وداع والدته في بشري، سيدفع إلى كسر الحلقة الانتخابية المفرغة ولاسيما أن جعجع الذي عاش ظروف الجبل وخصوصيته في العام 1983 وما بعده يؤكد في مجالسه «ان الفصل الوحيد في الحرب اللبنانية بين عامي 1975 و1990 الذي لم يكن له أي مبرر وينطبق عليه فعلياً وصف الحرب العبثية هو حرب الجبل»، فهل يكون ما يجمع بين الدروز والموارنة في الجبل ولبنان أقوى من أن يفرّقه قانون انتخاب؟

لبنان: مصالحة الجبل أقوى من أن تفرّقها رواسب الستين

سعد الياس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية