لبنان: من الوصاية السورية إلي وصايات متعددة

حجم الخط
0

لبنان: من الوصاية السورية إلي وصايات متعددة

د. بشير موسي نافعلبنان: من الوصاية السورية إلي وصايات متعددةطبقاً للغة السياسية السائدة، تحرر لبنان خلال العام الماضي من السيطرة العسكرية والمخابراتية السورية. أو علي الأقل من معظم مظاهر وأسس هذه السيطرة، طالما ان هناك من يشكو بأن الرئيس لحود هو في الحقيقة جزء من منظومة السيطرة تلك. ولكن هذا التحرر من الجارة الشقيقة، التي حالفت الجميع منذ دخولها لبنان في منتصف السبعينات، أحزاباً وزعماء، وخاصمها الجميع، لم يؤد إلي ولادة لبنان جديد، حر ومستقل. إن كان لبنان الحقبة السورية انقسم حول العلاقة مع دمشق، فلبنان ما بعد الانسحاب السوري يكاد ينقسم علي كل القضايا الرئيسية. ما سمي بـ الوصاية السورية تحول سريعاً إلي وصايات من كل صنف ونوع، بعضها واضح وصريح والآخر ضمني ومستبطن.حسناً فعلت الطبقة السياسية اللبنانية عندما قررت الالتئام في حوار شامل للتوصل إلي توافق وطني. فمهما كانت صعوبة الحوار وتعقيداته يظل أفضل بكثير من انفجار الصراع الأهلي من جديد. ولكن تجربة المرحلة الأولي من الحوار (الذي استأنف قبل ثلاثة أيام) لا تبعث علي التفاؤل. أغلب القوي المجتمعة حول طاولة الحوار لها ارتباطات خارجية، إقليمية ودولية. والمشرق العربي ـ الإسلامي يموج بصراعات دموية، تفاقمها استراتيجية أمريكية مضطربة وقصيرة النظر، تراوح بين الفوضي الخلاقة والضربات الاستباقية. تنعكس هذه الحالة من التدافع والصراع انعكاساً مباشراً علي الحوار اللبناني الوطني، ويصعب تصور إمكانية تبلور توافق لبناني داخلي راسخ ومحدد الملامح ما استمرت حدة الصراع الإقليمي في التصاعد. كان الاعتقاد السابق أن الخلافات الفرنسية ـ الأمريكية، التي انفجرت منذ ما قبل الغزو الأمريكي للعراق، ولدت توترات عديدة في المشرق العربي ـ الإسلامي، لاسيما في لبنان والمغرب العربي، حيث حافظ الفرنسيون علي نفوذ تقليدي. ولكن القضية اللبنانية اوضحت إلي حد كبير ان الخلافات الفرنسية ـ الأمريكية لم تكن حول الأساسيات الاستراتيجية الغربية، كما كانت مناسبة لعودة التفاهم بين باريس وواشنطن. ولكن هذا التفاهم لم يكن قادراً، علي الأقل حتي الآن، علي حسم الانقسام اللبناني الداخلي وبناء لبنان ما بعد الهيمنة السورية. بكلمة أخري، في لبنان، كما في العديد من بلدان المشرق العربي ـ الإسلامي، ما هو إقليمي لا يقل عما هو دولي. وهذا هو، ربما، الدرس الذي لا يريد قطاع كبير من القوي والزعامات السياسية اللبنانية آخذة في الاعتبار. مشرق مطلع القرن الحادي والعشرين ليس مشرق القرن التاسع عشر، والإرادة الدولية لا يمكن ان تتمني فتجاب، بدون ان تأخذ في الاعتبار مصالح القوي الإقليمية.الذي يتصور ان حزب الله سيتخلي عن سلاحه في الوقت الذي تواجه سورية وإيران خطراً داهماً هو واهم بلا شك. ليس لأن حزب الله أداة سورية أو إيرانية، بل لأن الحزب ولد ونشأ أصلاً في ظل معادلة قوة لعبت سورية وإيران دوراً رئيسياً فيها، وبدون هذه المعادلة ما كان يمكن للحزب ان يحقق الانتصار علي الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. مقاومة الاحتلال الإسرائيلي كان مبرر وجود حزب الله، ولا تزال الدولة العبرية الطرف الرئيسي في تدافعات المنطقة، وتهديد كل من سورية وإيران. حررت مزارع شبعا أو لم تحرر، وحرر الأسري اللبنانيون أو لم يحرروا، لن يلقي حزب الله سلاحه. والذي يتصور ان السيد الحريري يمكن ان يفك علاقته بالمملكة العربية السعودية هو واهم أيضاً. فالمرحوم رفيق الحريري لم يصنع ثروته الهائلة (التي يرثها الآن أبناؤه) في السعودية وحسب، بل ان دخوله إلي الساحة السياسية اللبنانية حدث أيضاً برعاية وغطاء سعوديين. وتوفر السعودية اليوم جزءاً كبيراً من الغطاء الذي يحظي به سعد الدين الحريري. وإلي جانب تيار المستقبل، فإن عدداً من القوي المسيحية اللبنانية، من كتائب أمين الجميل إلي القوات اللبنانية، ترتبط الآن، بتخطيط أو غير تخطيط، بالتفاهم الفرنسي ـ الأمريكي في لبنان، ومن ثم بتداعيات السياسة الأمريكية من إيران والعراق إلي لبنان وفلسطين. وتبدو حالة السيد وليد جنبلاط واحدة من أكثر الحالات مأساوية وكوميدية في الآن نفسه. فالزعيم العروبي التقدمي، ابن الزعيم العروبي التقدمي، حليف سورية وربيبها في الثمانينات والتسعينات، والخصم اللدود للسياسة الأمريكية في لبنان وفلسطين والعراق، انقلب علي سورية، وبات حليف واشنطن الأهم، والداعي العلني لإطاحة النظام السوري حتي لو تكلف ذلك غزواً أمريكياً لسورية. أن ينقلب جنبلاط علي سورية في لبنان، يختلف معها علي التمديد للحود ويطالب بانسحاب القوات السورية من لبنان، ليس امراً مستغرباً أو قفزة كبيرة في السياسة اللبنانية. ولكن ان يجعل جنبلاط من نفسه رأس حربة في إطاحة حزب الله والاستراتيجية الإقليمية التي يرتبط بها، وأداة لإطاحة النظام السوري، فهذا أكبر بكثير من حجمه وإمكاناته. وبقدر ما يبدو خيار جنبلاط هذا كاريكاتورياً فهو مأساوياً في الآن نفسه. وربما يمكن القول ان ما يحاوله وليد بك اليوم شبيه بما حاوله جنبلاط الأب في السبعينات، مع الاختلاف الكبير في الموقع والتحالفات. في النظام الطائفي اللبناني، تقف الطائفة الدرزية في مرتبة متأخرة عن المارون والسنة والشيعة، ولا يسمح النظام اللبناني لزعيم درزي، كائناً من كان، موقعاً أكثر من موقع وزير. وقد حاول كمال جنبلاط بتحالفه مع المقاومة الفلسطينية وقيادة القوي القومية واليسارية اللبنانية اختراق سقف النظام الطائفي، وربما حتي تقويض هذا النظام. بدون وضع نهاية للنظام الطائفي، كان جنبلاط الأب يدرك ان دوره وموقعه سيظلان محددين، وهو الذي رأي نفسه أكبر من الحصص الطائفية. وثمة مؤشرات علي ان جنبلاط الأبن يعيش اليوم مزاجاً مشابهاً لذلك الذي عاشه والده في السنوات الأولي من الحرب الأهلية. جنبلاط الراهن يتمرد علي النظام الطائفي والحصة الضئيلة التي يوفرها له، وفي المقابل، يضع نفسه قائداً وزعيماً وموجهاً لكل التحالف المناهض لسورية، كما يتصور لنفسه دوراً إقليمياً واسع النطاق كشريك في سياسة أمريكية شرق أوسطية (وهو ما لم تستطع دول إقليمية رئيسية تحقيقه). التاريخ كما قال ماركس يعيد نفسه مرتين، الأولي في شكل تراجيدي والثانية في شكل كوميدي. والمأساة كانت في دفع جنبلاط الأب حياته ثمناً لطموح كاد يطيح بأسس النظام اللبناني، ومعه الاستقرار الإقليمي كله. ولكن من الصعب الآن التنبؤ بمصير قفزات جنبلاط الأبن الهوائية.ما ليس صعباً هو رؤية الوضع الشاذ والغريب الذي وضع سنة لبنان أنفسهم فيه. فمنذ ولادة لبنان في أعقاب الحرب العالمية الأولي، كان السنة هم حراس العروبة، والانتماء العربي للبنان. وحتي تتضح الحقيقة وراء اغتيال الرئيس الحريري، فمن المفهوم ان يسيطر التوجس والشك علي العلاقة بين سنة لبنان ودمشق. ولكن المشكلة ان السنة، لهذا السبب أو ذاك، انتهوا إلي تسليم مقاليد أمرهم ليس لخلفاء الرئيس الحريري بل لوليد جنبلاط. ليس السنة من يرغب (ولا هو من مصلحتهم) فتح معركة مع حزب الله، ولا هم من يسعي إلي إسقاط النظام السوري، أو تحويل لبنان إلي ممر لإنقاذ السياسة الأمريكية الفاشلة في الشرق العربي ـ الإسلامي. ولكن هذا ما يأخذهم وليد جنبلاط إليه. وما لم ير سنة لبنان خطر التحالف مع جنبلاط، والخطر الأكبر في تسليم مقاليد أمرهم لأوهامه، فسينتهون إلي تحمل القدر الأكبر من العواقب.المشكلة الأكبر هي في عجز كثير من اللبنانيين عن أخذ السياق التاريخي الذي ولد فيه لبنان، ودول المشرق جميعاً، في الاعتبار. العلاقة اللبنانية ـ السورية ليست علاقة جوار وحسب، بل هي علاقة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتقسيم بلاد الشام والمشرق العربي إلي كيانات صغيرة لا يحمل أكثرها مقومات حقيقية للبقاء كدول مستقلة. ليس ثمة نظام سوري واحد منذ استقلال البلدين، بغض النظر عن علاقاته الخارجية، اعتبر لبنان نداً. الأنظمة السورية المتعاقبة نظرت إلي لبنان إما كحليف صغير، او مصدر خطر وتآمر. وليست العلاقة السورية ـ اللبنانية علاقة فريدة في المجال العربي، بل لا تكاد هذه العلاقة تخرج عن نمط العلاقة بين مصر والسودان، وبين السعودية ومختلف دول الخليج، وبين الجزائـــر وتونس. كبر لبنان أوصغر، ازداد رفاهية أو تأزم، ارتبط بفرنسا والولايات المتحدة أو بغيرها، فسيبقي دائماً الشقيق الأصغر لسورية. والشقيق الأصغـــــر لا يمكن ان يعبث باستقرار الكبار، وإلا احترق بالنار التي يشعلها. ومن العبث التعويل علي أن عقوداً من تاريخ الدولة القطرية كانت كافية لتوكيد شرعية هذه الدولة وحسم الجدل حولها. التراجع الملموس في مشروع الوحدة لا يعني ان المنطقة العربية وشعوبها قد تصالحت مع واقع التقسيم أو وصلت إلي وضع نظام دائم ومستقر يحكم العلاقة بين مختلف الدول العربية. وبالرغم من ان ميثاق الجامعة العربية قد أقر (تحت ضغط بريطاني) احترام استقلال الدول الأعضاء في الجامعة، ولكن العرب هللوا للوحدة المصرية ـ السورية في 1958، وانقسموا انقساماً حقيقياً حول الاجتياح العراقي للكويت في صيف 1990، كما ان أحداً لم يعترض علي استخدام اليمن الشمالي القوة المسلحة لإطاحة النظام اليمني الجنوبي وتثبيت وحدة اليمن. ثمة اخطاء فادحة ارتكبتها القيادة السورية في لبنان، ولكن التفويض الذي منح لسورية في لبنان كان تفويضاً عربياً، وقد اعتبرت سورية لبنان علي رأس مسؤولياتها العربية منذ اللحظة الأولي لانفجار الحرب الأهلية.الخطاب الداعي إلي تجنيب لبنان الصراعات الإقليمية، وإخراجه من دائرة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، أو الصراع علي سورية أو علي البرنامج النووي الإيراني، علي أساس ان لبنان دفع نصيبه كاملاً في دائرة الصراعات الإقليمية، يبدو وجيهاً بالفعل. ولكنه خطاب غير واقعي. فلبنان لا يستطيع الخروج من جغرافيته، لا يستطيع التحرر من نصف مليون لاجيء فلسطيني يعيشون حياة بالغة البؤس في مخيمات تمتد من أقصي الشمال إلي الجنوب، ولا يستطيع ان يتجاهل العلاقة الخاصة بين شيعته وإيران، العلاقة التي تعود إلي أربعة قرون مضت، ولا حقيقة استمرار الصراع العربي ـ الإسرائيلي، في هذه الصورة أو تلك. القضية هي في الكيفية التي يتحمل بها لبنان مسؤولياته تجاه محيطه العربي والإسلامي، لا في إنكار هذه المسؤوليات والتصرف كأن لبنان يعيش في جزيرة معزولة. بدون ذلك، سيصبح الحوار اللبناني الداخلي حوار طرشان، قد لا يزيد الأوضاع إلا تفاقماً. ومحاولة البعض تحويل البلاد إلي رهينة للسياسة الأمريكية، لن يفيد طويلاً ولا كثيراً. فإن كانت الإدارة الأمريكية، التي تحمل المسؤولية الأكبر في إيصال العراق إلي ما وصل إليه، تعلن اليوم ان قواتها لن تتدخل في حال نشوب حرب أهلية في العراق، فأي عبء ستحمله الإدارة الأمريكية إن اشتعل لبنان بالصراع الأهلي؟ 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية