يبقى الهاجس الأخطر والوحيد لدى كل اللبنانيين بمختلف انتماءاتهم السياسية والطائفية هو ‘الحرب الأهلية وباقي الأمور ليست على اهمية الخطر الحقيقي الذي يخشاه اللبناني ولا يحتمل رؤيته مجددا، رغم ان هذا المشهد تكرر في لبنان اكثر من مرة، لكن المفارقة بكل هذه الحروب التي مضت، ان شرارتها كانت تنطلق دائما من عوامل سياسية وطائفية وتأثيرات خارجية وإقليمية محيطة به، واليوم لا ينكر احد خصوصا المراقبين للشأن اللبناني والانقسامات السياسية والاحتقان الطائفي والمذهبي المخيم عليه منذ 6 اعوام وحتى بعد تشكيل حكومة الرئيس ميقاتي، ان لبنان لا يزال يملك الحد الادنى من المناعة التي تحميه من حرب داخلية، وايضا يسجل ان الاطراف السياسية المتعارف عليها اليوم بين موالاة ومعارضة لا يبدو اي طرف منها يسعى لإشعال حرب داخلية، رغم وصول حالة الجفاء والتخاصم السياسي لذروته.
قد يقول البعض ايضا ان الدول الاقليمية والدولية التي تملك نفوذ واسع على الساحة اللبنانية ليس لديها نية بتفجير الداخل اللبناني، نظرا لما يحصل في المنطقة برمتها خصوصا على الساحة السورية وما لها من تداعيات على امن واستقرار المنطقة بشكل عام، وثمة رأي اخر يقول ان وجود مقاومة قوية لإسرائيل تشكل رادعا حصينا لمنع تل ابيب من الدخول على الساحة اللبنانية، وإشعال حربا داخلية فيها تهدف الى تقسيم البلاد وتفتيتها.
بكل الاحوال فان جميع هذه المعطيات صحيحة وواقعية، لكن الواقع الاهم بهذا الخصوص هو وعي اللبناني الذي عايش الحروب السابقة وبشكل خاص الحرب الاخيرة ويعلم خرابها وتداعياتها السلبية، ويعي أيضا ان ما من طرف شارك فيها خرج منتصرا لكن الخسارة الفعلية التي اقتنع بها المواطن اللبناني، هي التي لحقت بالوطن وتركيبته وتعايشه ونموه والطبقة السياسية التي حكمته وأدارت شؤونه، والقناعة الراسخة اكثر بذهن اللبنانيين ان كل ما يتعرض له وطنهم خصوصا في هذه المرحلة هو بشكل او باخر من تداعيات الحرب الاهلية التي توقف فيها المدفع عام 1990 واستمرت باوجه مختلفة حتى يومنا هذا.
لكن الخشية من عودة المدفع والمتاريس العسكرية والفئوية محقة وتبدو اكثر واقعية اليوم، لان مناعة الوعي اللبناني بدأت تتلاشى، بفعل عامل دخل حياتهم بقوة ويبدو انه اقوى من العقيدة السياسية والدنية والعرقية والحزبية بل يمكن ان يكون عامل تغزية وتفاعل لها، وهو العامل الاقتصادي الذي حل على الشعب اللبناني بأبشع صوره وهو ‘الحاجة لقوت عيشه’ وهذا الامر يشتد يوما بعد يوم بسابقة خطيرة جدا لم يشهدها لبنان منذ العهد العثماني، فحال اليوم لا يشبه الامس فالدين العام يسير كالنار في الهشيم، والنمو الاقتصادي ينخفض بسرعة البرق والاستثمارات شبه غائبة والبطالة تزيد نسبتها المئوية بشكل جنوني، في ظل غياب تام لمقومات الحد الادنى للحياة الطبيعية، مثل الضمان والتامين الصحي، ومشكلة الكهرباء المستفحلة وغلاء تعرفة الهاتف الخلوي والثابت، وارتفاع اسعار المحروقات بمختلف انواعها، وانهيار القطاع الزراعي والصناعي والسياحي، والاهم من ذلك فاحشة الغلاء المفرط التي تجتاح المواطن اللبناني يوما بعد يوم، وهذه الحالة تبدو اليوم الشغل الشاغر لكل لبناني ولاي جهة انتمى لانها لم تستثني شيئا، من الدواء الى مواد الاعمار واسعار العقارات والكترونيات وصولا الى الحاجة اليومية والضرورية لكل بيت، واعني بذلك الخبز والخضار والحليب بمختلف مشتقاته واللحوم الحمراء والبيضاء على أنواعها وحتى الحبوب والمعلبات الغذائية، وكل هذه السلع الأساسية ارتفعت اسعارها بنسبة 40 ‘ منذ ما يقارب 4 اشهر وحتى يومنا هذا في ظل ازدياد العجز في خزينة الدولة من جهة وزيادة الضرائب على مختلف انواعها من جهة اخرى. والسؤال اليوم لدى المواطن اللبناني ‘الى اين من هنا’ فبدل زيادة الاجور وخفض الاسعار وتحقيق التوازن الاقتصادي، نجد ان ما نعيشه هو زيادة ‘للفجور الاقتصادي والمعيشي’ الى اين من هنا؟ مطالب ووعود تذهب في ادراج رياح ميزانية الدولة العاجزة دائما والنقابات والهيئات العمالية والاقتصادية التي تسبح في حنايا الاحزاب والسياسيين، الى اين من هنا؟ والمواطن اللبناني بات يشعر انه غريب في بلده وهذا اخطر الخطر فالى اين من هنا يا سادة الدولة بلبنان وشعبه.
عباس المعلم [email protected]