احمد فودة وقعت الفتنة في لبنان على خلفية القرار الظني المحتمل للمحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة قتلة الرئيس الحريري. وسواء صدر القرار أو لم يصدر فقد أتى أكله وأصاب مبتغاه بإحداث الفتنة كما خطط القائمون على تلك المحكمة، التي لم يُرد منذ اللحظة الأولى للتفكير بها سوى السيطرة على لبنان وتحويله إلى أس حربه ضد سورية ومنطقة الشرق الأوسط كله، في إطار سعي الولايات المتحدة لبناء إمبراطوريتها الكونية انطلاقا من تلك المنطقة التي تعد أكثر مناطق العالم مثالية لهذه الغاية.
بعد الفشل الاستراتيجي الذي منيت به إسرائيل والولايات المتحدة بعد حرب 2006، كان لا بد من إعادة تدوير المخططات وبدء مرحلة جديدة، بعد مرحلة تحجيم الخسائر التي ساعد فيها وقوف الدول العربية الرئيسية ضد أي محاولة للاستــــفادة من هذا النصر الاستراتيجي الذي تحقق في هذه الحرب، مرحلة تقوم على الاستــــفادة من بعـــض أوراق المرحلة السابقة وأبرزها، ورقة المحكمة الــــدولية لتحقيق الهدف الرئيسي لها والمتمثل في إزالة العقبة الكبرى في مواجهة الإمبراطورية الكونية المنتظرة، وهي فكرة المقاومة العربية والإسلامية وأبرز تجلياتها في لبنان متمثلة في حزب الله، وفي فلسطين متمثلة في حركتي حماس والجهاد.
كان الهدف في هذه المرحلة هو إحداث الفتنة من أجل إرباك المقاومة وإدخالها في آتون دوامة المشاكل الداخلية حتى تنهك قواها السياسية وربما العسكرية إذا ما تطورت الأمور كما هو متوقع، خاصة بعد إيهام القوى المناوئة لها أن الوقت قد حان لمواجهة تفرد المقاومة اللبنانية بعنصر القوة الرئيسية في لبنان، مع التأكيد على أن الإدارة الأمريكية أيا كان لونها، لن تترك حلفاءها في لبنان كما حدث في الماضي، خاصة خلال أزمة 7 أيار/مايو 2008. وزاد من هذا التأكيد سيطرة الجمهوريين أصحاب المشروع الإمبراطوري الأمريكي على الكونغرس في الانتخابات النصفية التي جرت منذ أيام، وهو ما سيعطي دفعة قوية لهذا المشروع مرة أخرى بوسائله العسكرية التي تمت تجربتها خلال حكم إدارتهم الأولى، إضافة إلى سعي إدارة أوباما التي لقيت هذه الهزيمة في تلك الانتخابات إلى تحقيق انجاز يضمن لها البقاء لفترة جديدة في البيت الأبيض. وبما أن هذا الانجاز لن يتحقق في الداخل بعد سيطرة الجمهوريين على الكونغرس ووقوفهم أمام مشروعات أوباما الداخلية الكبرى في مجالات الرعاية الصحية وتخفيض الضرائب والبيئة وغيرها، فان المجال المتبقي هو السياسة الخارجية وأفضل مكان لها هو لبنان بعد خروج الأمور عن السيطرة في أفغانستان، التي كان الرئيس الأمريكي يأمل أن تكون انجازه التاريخي الذي يسوقه للناخب الأمريكي وللتاريخ.
لقد تحركت الأمور بمعدل أسرع عن ذي قبل في الأيام الأخيرة من أجل تحقيق هذا الانجاز وقطف ثماره وتقديمها تحديدا لهذا الناخب الأمريكي، الذي حانت لحظته في الانتخابات الرئاسية القادمة، فبدأت المحكمة الدولية في افتعال المشاكل مع حزب الله عبر التلويح بالقرار الظني، ثم عبر ارتكاب أخطاء تعلم جيدا أن الحزب لن يتسامح بشأنها من أجل استفزازه ودفعه لإعلان مقاطعتها من أجل وصمه بعدم التعاون معها وبسعيه لعرقلة الشرعية الدولية، وكل هذا من أجل رفع مناخ التوتر في لبنان وإحداث انقسامات قوية على كافة الصعد، السياسية والطائفية والمذهبية، وذلك لتمهيد الساحة أمام إسرائيل لبدء حربها الانتقامية التي لن يكتب لها النجاح من وجهة النظر الإسرائيلية والأمريكية إلا بعد إحداث هذه الفتنة، التي لن تسمح بإيجاد أي نوع من الاحتضان للمقاومة الإسلامية في لبنان، خاصة من قبل الطوائف الأخرى، وهو ما سيساعد إسرائيل كثيرا في تحقيق نتائج أكثر قوة وإيلاما وأسرع في مواجهة حزب الله عبر الضغط على قاعدته الشعبية التي لن تجد المأوى الذي وجدته في حرب 2006، حينما احتضنتها القوى اللبنانية الأخرى.
فضلا عن الصعوبات اللوجستية التي ستجدها المقاومة خلال العمليات العسكرية عبر السعي لتحويل باقي الطوائف إلى خزان معاد للمقاومة، وربما تاليا مساند للحرب الإسرائيلية.
هذا ما تظنه إسرائيل وتخطط له، لكن في المقابل ماذا عن حزب الله ومدى جاهزيته لهذه السيناريوهات؟ المعروف أن قيادة المقاومة اللبنانية تعلم ذلك جيدا ولا بد أنها خططت جيدا لمواجهته. فهي عودتنا دائما أنها لا تترك شيئا للصدف. ورغم الصعوبات المتوقعة من وجود هذا المناخ الطائفي المتشنج، إلا أن المقاومة لا بد أنها تدرك جيدا أن معركتها الأساسية هناك على الحدود مع إسرائيل وليس في داخل بيروت مهما توتر المناخ الداخلي وأصبح قابلا للانفجار. فلا بد أن هذا الانفجار لو حدث يجب أن يكون في حدود معينة لا تسمح بالتأثير على مسار المعركة الأساسية للمقاومة التي أكدت في كل مناسبة بالأفعال قبل الأقوال أنها تعلم جيدا حدود معركتها الداخلية، كما أنها تعلم جيدا أيضا اتجاه معركتها الخارجية وهي أعدت العدة جيدا لكلا المعركتين.’ مدير مركز النخبة للدراسات – القاهرة[email protected]