ربما تذكر اللبنانيون عاصمتهم بيروت عندما كانت سويسرا الشرق الأوسط، يتدفق السياح إليها والمثقفون الباحثون عن مساحة للحرية وتبادل الأفكار الممنوعة في بلادهم. إلا أن أضواء بيروت الليلية اختفت ومعها الإشارات الضوئية التي تركت سائقي المركبات في وضع خطر وهم يتحركون بين الدوائر الليلية الغامضة، ومن أزمة طاحنة إلى أخرى يحاول اللبنانيون التحايل على وضعهم وابتكار طرق لمواجهة الوضع الخانق الذي زاد سوءا مع الحرب الروسية- الأوكرانية حيث يعتمد لبنان في زيت الطبخ والحبوب على البلدين.
من العصر الذهبي إلى التدهور
ولبنان معروف بأزماته السياسية ومناورات ساسته وسطوة أمراء الحرب الذين استبدلوا البزات العسكرية بالبدلات المدنية وانتقلوا من إمارة الطوائف إلى إمارة البرلمان، حيث شلوا حركته وأفرغوا قراراته من معناها. وانتهى عصر لبنان الذهبي في الشرق الأوسط من بداية الحرب الأهلية عام 1975 ونهايتها عام 1990 حيث انشغل اللبنانيون في مرحلة ما بعد الحرب للتغلب على الجروح التي أحدثتها والإنشغال في إعمار البلاد، ورغم حالة الاستقرار التي عاشها البلد إلا أنه وتحديدا منذ عام 2019 يعاني من أزمة اقتصادية حادة وصفها البنك الدولي بأنها الأسوأ التي يمر بها منذ نهاية القرن التاسع عشر. وبدأ اقتصاد البلاد بالتدهور عندما بدا واضحا أن الحكومة لم تكن قادرة على تمويل دينها العام وبدأت العملة الوطنية بالتراجع وخسارة قيمتها، فيما تراجع الناتج المحلي العام بنسبة 21.4 في المئة عام 2020 و10.5 في المئة عام 2021 ويتوقع تراجعه بنسبة 6.5 في المئة بنهاية عام 2022 حسب البنك الدولي. وفي أثناء هذا انهارت قيمة العملة اللبنانية بنسبة 95 في المئة. وأسهم النظام المصرفي في لبنان بمفاقمة الأزمات، فقد منع المودعين من سحب أموالهم خشية تأثر سياسات المصارف في تمويل الحكومات العاجزة، وهو ما دفع المودعين لاتخاذ إجراءات جذرية، فقد سجلت في الفترة الماضية سلسلة من الاقتحامات التي قام بها مودعون تسلحوا بأسلحة حقيقية ومزورة من أجل الحصول على ودائعهم، واضطر المودعون لاتخاذ إجراءات قاسية من أجل مواجهة كلفة المعيشة والفواتير الطبية والاحتياجات الطارئة الأخرى، ولم تسمح المؤسسات المصرفية للمودعين خلال السنوات الثلاث الماضية بسحب إلا مبلغ قليل من إيداعاتهم المصرفية، وهي مبالغ لم تكن كافية لتغطية احتياجاتهم. ونظرا لزيادة حالات اقتحام البنوك، فقد حذر وزير الداخلية بسام مولوي من خطورتها وأنها تقوم بتدمير النظام العام، مع أن الذين اقتحموا البنوك نظر إليهم كأبطال شعبيين في الشارع العام. وقررت جمعية المصارف اللبنانية جراء هذه الأحداث إغلاقا عاما للبنوك مدة ثلاثة أيام كإشارة عن قلقها ومن ثم الإبقاء عليها مغلقة لأجل غير مسمى.
إلا أن الأزمة المالية لن تحل لحين التوافق على خطة اقتصادية شاملة فستظل مشكلة السيولة المالية قائمة.
معاناة متواصلة
ولطالما عانى اللبنانيون من غياب الخدمات العامة التي تقدمها الحكومة، فقد أثارت أزمة انتشار النفايات تظاهرات في عموم لبنان، ثم جاءت أزمة الوقود التي حاول حزب الله، الذي يسيطر على النظام السياسي في البلد ويشرع أسلحته ضد معارضيه ويرفض تسليمها للدولة بمبرر مقاومة إسرائيل عبر نقل شحنات من النفط الإيراني من خلال الموانئ السورية، إلا أن مشكلة انقطاع التيار الكهربائي تظل هما قائما. وفي الماضي كان السكان يتعاونون فيما بينهم ويشترون مولدات خاصة للتعويض عن نقص الكهرباء، لكن تزايد أسعار الوقود وكلفة المولدات جعلتهم يبحثون عن طرق أخرى للاقتصاد في استهلاكه، كما أظهر تقرير لنيويورك تايمز قبل فترة. ولا توفر شركة الطاقة الكهربائية المملوكة من الدولة سوى ساعة أو ساعتين من الكهرباء كل يوم، وبطريقة عشوائية عادة، وهو ما يترك الناس في حالة انتظار مستمر للنور وشحن هواتفهم. وفي الوقت الذي كان فيه قطاع الاتصالات مصدرا مهما للموارد المالية إلا أن الأزمة الحالية أثرت عليه، وزادت من كلفة استخدامه، وخاصة بعد قرار وزارة الاتصالات زيادة أسعار استخدام الهواتف المحمولة، ومعها كلفة الإنترنت التي تعتبرها الأمم المتحدة حقا إنسانيا، بشكل ترك تأثيراته القاسية على اللبنانيين في المستوى الشخصي والعملي. وأدى هذا الوضع لتقييد حركة الناس وتواصلهم مع المؤسسات الإنسانية التي انخفضت المكالمات إليها من طالبي المساعدة. وحتى من يملكون وسائل تواصل على الإنترنت والهاتف المحمول يواجهون مشاكل أخرى نابعة من إضرابات شركات الهواتف الكبرى ما عنى غياب التغطية عن الكثير من المناطق. لا تتوقف أزمات لبنان على الكهرباء والسيولة المالية، بل وتنسحب على كل مظاهر الحياة من كلفة المعيشة المتزايدة وتخلي الناس عن الضروريات التي أصبحت كماليات، إلى عدم القدرة على توفير أجور السكن. ففي دراسة أجراها المجلس النرويجي للاجئين عن أزمة السكن وكشفت عن نتائج مريعة، حيث تواجه العائلات مخاطر الطرد من المنازل بسبب عدم القدرة على دفع الأجور. وهي نتائج ليست مستغربة رغم قسوتها لان أجور البيوت زادت بنسبة 100 في المئة فيما لم تتغير الرواتب. وتكشف أرقام الأمم المتحدة عن نسبة 82 في المئة من السكان يعيشون في حالة فقر. وبالنسبة لمئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين والسوريين فإن 88 في المئة منهم يعيشون تحت الظروف الدنيا للنجاة، ولهذا السبب ليس من المستغرب أن يحاول الكثيرون منهم البحث عن طرق للهرب من جحيم لبنان والسفر عبر قوارب وسفن عادة ما تغرق في عرض المتوسط، كما في الحادثة الأخيرة قرب الشواطئ السورية. والأمر يصدق على اللبنانيين الذين باتت الهجرة بالنسبة لهم الخيار الأنسب للهروب من أزمات بلادهم المستمرة، وحسب دراسة لمجوعة ميركري، شركة استشارات وبيانات لبنانية أن 79.000 من اللبنانيين تركوا بلادهم منذ عام 1979 وربما زادت الأرقام مع تردي الأوضاع سوءا. وكشفت الدراسة عن مخاطرة الكثير من اللبنانيين بالخروج من بلدهم بدون أي ضمان بحياة أفضل في الخارج.
من سيخلف الرئيس
وأس المشاكل في لبنان هي نظام سياسي يتمتع أفراده من الحصانة والإفلات من العقاب ويستشري فيه الفساد. فالنخبة السياسة الفاسدة والطائفية المرتبطة بالنظام المصرفي كانت تعرف بالأزمة المالية لكنها سعت لحماية مصالحها المالية. وظهر هذا في انفجار مرفأ بيروت قبل عامين حيث لا تزال العدالة غائبة بسبب عرقلة النخب السياسية والتي رفضت محاكمة المتورطين في انفجار مخزن يحتوي على نترات الأمونيوم والتي خزنت لعدة سنوات بطريقة غير مناسبة. وكشفت التقارير والتحقيقات أن المؤسسة اللبنانية من رأسها إلى مسؤولي المرفأ كانوا على علم بوضعها، ولم يتحركوا لاتخاذ الإجراءات المناسبة. ويعمل النظام السياسي بناء على شبكة الرعاية القائمة على الطائفية. ويتم من خلال هذا النظام توزيع المناصب العليا بين شبكة الطوائف، حيث يتولى رئاسة البرلمان شيعي ورئاسة الوزراء سني والرئاسة ماروني. وزادت الآمال بنتائج انتخابات أيار/مايو التي خسر فيها حزب الله وحلفاؤه الغالبية في البرلمان، لكن الشبكات الطائفية وطبقة أصحاب المصالح المرتبطة بالنظام المصرفي تشبثت بمكاسبها وحاولت عرقلة الجهود المطالبة بالتغيير. وكان شعار ثورة عام 2019 هو «كلن يعني كلن» إلا أن مطالب الثورة بالتغيير الشامل تظل حلما بعيدا وسط تغول النخب الحاكمة. ولم يتم تشكيل حكومة منذ ذلك الوقت حيث لم يتوصل رئيس الوزراء نجيب ميقاتي إلى اتفاق مع ميشيل عون، الرئيس حول شكل الحكومة الجديدة. وتنتهي ولاية عون في نهاية شهر تشرين الأول/اكتوبر، ورغم المطالب الدولية والإقليمية بانتخاب رئيس جديد إلا أن جلسة الخميس التي دعا إليها رئيس البرلمان، نبيه بري أظهرت صعوبة التوافق على مرشح للرئاسة. ويواجه لبنان فراغا في الرئاسة بشكل قد يقود في النهاية إلى تمديد رئاسة عون، وهذه ليست المرة الأولى في تاريخ لبنان يترك فيها المركز شاغرا. والتأجيل والتأخر في اتخاذ القرارات الحاسمة المتعلقة بالحكومة والميزانية أو انتخاب الرئيس في موعده معروف. وفي معظم الأحيان فتناقض النخب وعدم قدرة المسؤولين على التوصل لتوافق يعني التأخير وبالتالي استمرار معاناة اللبنانيين.
آمل لبنان
وفي الوقت الحالي يتركز أمل لبنان على حلين واحد قريب الحدوث وآخر يحتاج لوقت، فالأول هو حزمة إنقاذ من صندوق النقد الدولي والمجتمع الدولي، لكن عدم التوافق على إنجازات يطالب بها صندوق النقد الدولي يعني أن هذا الحل بعيد المنال. والطريق لهذا هو التوافق على حكومة لديها القدرة على العمل وإلا فإن لبنان سيظل في حالة الدولة الفاشلة.
ويلوم معظم اللبنانيين المصرف المركزي على الأزمة المالية. وفي الشهر الماضي أصدر البنك الدولي تقريرا اتهم فيه السلطات اللبنانية بإدارة عملية بونزي عملاقة تسببت بـ «آلام اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة». وأشار التقرير إلى أن الأموال العامة استخدمت للسيطرة على مصادر الدولة من أجل منح الرعاية السياسية وخلق ركود مقصود، مضيفا إلى أن حصة كبيرة من أموال المودعين اسيء استخدامها أو أنفقت بطريقة غير صحيحة وعلى مدى 30 عاما الماضية. وفي هذا السياق أوردت صحيفة «فايننشال تايمز» (28/9/2022) البريطانية في تقرير لها أن الحكومة اللبنانية قررت اعتماد سعر جديد لصرف الليرة اللبنانية التي فقدت 95 في المئة من قيمتها أمام الدولار. ففي الوقت الذي كان فيه سعر الدولار 1.507 ليرة لبنانية فإن سعر الصرف الجديد هو 15.000 ليرة في وقت وصل فيه سعر الدولار بالسوق السوداء إلى 38.500 ليرة لبنانية. ويقترب السعر الرسمي الجديد الذي سيبدأ العمل فيه بحلول تشرين الثاني/نوفمبر من سعر السوق السوداء. إلا أن وزارة المالية أكدت أن تطبيق الخطة مشروط باعتماد خطة التعافي الاقتصادي التي فشل البرلمان بالموافقة عليها خلال السنوات الثلاث الماضية، ومنذ تخلف الحكومة اللبنانية عن سداد ديونها. وتهدف الخطة الجديدة لمعالجة الثغرة بـ 70 مليار دولار في القطاع المالي من خلال إعادة هيكلة ورسملة البنوك من جديد وحسابات البنك المركزي. وتعتبر الخطوة محاولة لتوحيد أسعار الصرف المتعددة في السوق اللبناني، في وقت عانى فيه المودوعون من مصاعب سحب أموالهم بالعملة الصعبة أو سحبها بسعر صرف منخفض جدا. ورغم توصل الحكومة إلى مسودة اتفاق مع صندوق النقد الدولي إلا أن الإفراج عن حزمة إنقاذ بـ 3 مليارات دولار مرهونة بإصلاحات منها توحيد سعر صرف الدولار. وفي زيارة قام بها مسؤولو صندوق النقد الدولي في الأسبوع الماضي، قالوا إن مسؤولي البلد كانوا «بطيئين» في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة. وقالوا إنه برغم الحاجة الماسة للتحرك ومعالجة أزمة لبنان الاقتصادية والاجتماعية العميقة إلا أن التقدم في تنفيذ الإصلاحات التي تم التوافق عليها في نيسان/إبريل لا يزال بطيئا. و«لم يتم تنفيذ غالبية التحركات المتفق عليها».
حقل كاريش
أما الأمل الثاني، فهو حقل الغاز الذي يقول لبنان إنه واقع في مياهه الإقليمية وبدأت إسرائيل بعمليات التنقيب عن الغاز فيه وأطلقت عليه حقل كاريش. وكادت المواجهة مع حزب الله أن تؤدي لحرب واسعة. وفي الوقت الحالي يهدد حزب الله وعلى لسان أمينه العام، حسن نصر الله بالمواجهة وأن صواريخ الحزب ومدافعه مصوبة على الحقل الذي منحت فيه إسرائيل حقوق التنقيب والإنتاج لشركة أنيرجين اليونانية- البريطانية، وتوقف الإنتاج في الوقت الحالي بعد تدخل الولايات المتحدة وتقديم وساطة دبلوماسية تقود في النهاية لترسيم الحدود البحرية بين البلدين. ورأت مجلة «ذي هيل» (24/9/2022) أن واشنطن تعلق آمالا على الجهود التي كلفت بها المبعوث الخاص عاموس هوكشتاين، والذي وعد بتسليم الحكومة اللبنانية الرد على مطالبها شخصيا لكنه لم يظهر في بيروت. ولا تريد الإدارة الأمريكية تصوير جهودها بشأن كاريش على أنها عملية تقود إلى تطبيع للعلاقات بين لبنان وإسرائيل، ذلك أن قبول لبنان بحدود مع إسرائيل هو بمثابة اعتراف بها، وفي بلد يملك فيه حزب الله 150.000 صاروخ. وترى المجلة أن تحقيق هذا في وقت يعيش البلدان حالة حرب هو بمثابة إنجاز كبير لإدارة جو بايدن. ولم تحظ المفاوضات بانتباه واسع نظرا لتركيز العالم اهتمامه بمشاكل أخرى مثل الحرب الروسية- الأوكرانية. وتأمل واشنطن بتوافق لبنان وإسرائيل على حدود بحرية في منطقة يزعم كل واحد منهما أنها منطقته الاقتصادية في شرق المتوسط. وعبر الجانب اللبناني عن إشارات تقدم بشأن المفاوضات، وكما بدا في خطاب ميقاتي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. وجزء من التفاوض على الحدود البحرية هو منح إسرائيل فرصة لتوسيع علاقاتها مع المنطقة واستفادة لبنان الذي يحتاج لدعم واسع ويواجه أزمة اقتصادية من الغاز الطبيعي، مع أن الغاز واستخراجه لن يتم بشكل عاجل، ولكنه سيمثل شريان حياة في ظل بحث أوروبا عن بدائل عاجلة للغاز الروسي مع قرب حلول الشتاء. ويرى محللون أن حزب الله الذي زاد من تهديداته في الأسابيع الماضية يقوم باستعراض ومقدمة لاتفاق، فيما نظر آخرون إلى أنها قد تكون نذيرا بمواجهة مقبلة. وأن حزب الله يعمل بناء على أوامر من إيران التي تريد الانتقام بطريقتها من إسرائيل في حرب الظل. وأكدت صحيفة «نيويورك تايمز» (27/9/2022) على أهمية اتفاق بين البلدين وما يمكن أن يقدمه من منافع للبنان.