في غمرة الهموم التي يعيشها اللبنانيون بفعل واقع الانهيار المالي والاقتصادي والأزمة السياسية وسط قلق على المصير وانسداد أفق الغد، أقرَّ البرلمان في الحادي والعشرين من كانون الأول/ديسمبر 2020 قانون تجريم التحرّش الجنسي وتأهيل ضحاياه. مرَّ القانون من دون ضجيج إعلامي، رغم أنه يندرج في سياق الإنجازات التشريعية الهادفة إلى تمكين المرأة والدفاع عن حقوقها وعن حقوق الإنسان وتعزيز وحماية المجتمع من كل أشكال العنف، ويتصدّى لإشكالية التحرّش كـ “عنوان نضالي” للجمعيات والمنظمات النسوية والحقوقية والإنسانية غير الحكومية، ويُسجَّل كنقطة إيجابية في سجلّ الهيئات الرسمية، بحيث وضعت عضوة البرلمان عناية عز الدين القانون المنجز ضمن منظومة الإصلاح، باعتبار أن التحرّش وجه من أوجه الفساد وخصوصاً الفساد الاجتماعي، وكذلك الإفلات من العقاب.
يمكن القول إن طريق إقرار القانون كانت قصيرة نسبياً. جاءت أولى المقترحات غير الرسمية على يد مجموعة من الناشطات النسويات والناشطين في مجال حقوق العمل والعمال عام 2012 في إطار مشروع “مغامرات سلوى”. ومع استحداث وزارة الدولة لشؤون المرأة التي لم تتربّع عليها وزيرة بل وزير هو جان أوغاسبيان، وُلد أول مقترح رسمي، وبعدها كرّت السبحة لتتوالى الاقتراحات، وتُقام ورش العمل من قبل المجتمع المدني وبمبادرات دولية تُعدّ الدراسات، وليتمّ التوصل إلى صيغة نهائية جمعت بين مقترحات عدّة. يعود الفضل لكثيرين في الدفع لإيصال القانون الرامي إلى تجريم التحرّش الجنسي وتأهيل ضحاياه إلى الهيئة العامة لمجلس النواب وإقراره، ومن بينهم “الهيئة الوطنية لشؤون المرأة”.
حقوقيون ينتقدون: القانون قاصر عن حماية الضحية ويُهمّش التحرّش المعنوي
إقرار القانون لقي ترحيباً من المنسّق الخاص للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش باعتباره “خطوة باتجاه تمكين حقوق المرأة وحقوق الإنسان” لكنه أردف قائلاً في “تغريدة” له بأن “التطبيق هو المفتاح”.
وتكمن العبرة على الدوام في التنفيذ والتطبيق. فكم من تشريعات سُـنّتْ في لبنان ودول أخرى لكنها بقيت نصوصاً من دون أن تسلك طريقها إلى التطبيق الفعلي بعيداً عن محاولات التحايل والتأويل والالتفاف أو الثغرات القانونية أو المقبولية الاجتماعية.
جريمة جديدة في القانون
وفي تصريح لها عقب تصويت مجلس النواب على الاقتراح المقدّم باسمها، لفتت النائب عز الدين إلى أن القانون لم يقتصر على أماكن العمل فقط، إنما شمل التحرّش الجنسي في أي مكان، ووضع تعريفاً شاملاً وواسعاً وواضحاً للتحرّش الجنسي وأرسى جريمة جديدة في القانون اللبناني. وهو يفعل دور النيابة العامة عندما يحصل أي نوع من التحرّش، ولا يشترط شكوى الضحية، وفي حالات معيّنة يضمن الحماية للضحايا والشهود ويضع عقوبات تصاعدية حسب الحالات ولا يُلغي العقوبات التأديبية التي قد تُؤخذ بحق المرتكِب. وينصّ على إنشاء “صندوق” في وزارة الشؤون الاجتماعية لإعادة تأهيل ضحايا التحرّش.
إلا أن بعض ما تعتبره نقاط قوّة في القانون يراه حقوقيون في “المفكرة القانونية” – التي هي منظمة غير حكومية متخصصة بشؤون قانونية – أنه نقاط ضعف وشوائب في القانون.
ففي “البودكاست القانوني” التابع للمفكرة، أورد المحامي كريم نمّور الناشط في مجال حقوق الإنسان ملاحظاته على الصيغة النهائية للقانون قبل أيام من إقراره في الهيئة العامة من دون تعديل.
وأولى الملاحظات تتعلق بتعريف القانون للتحرّش، وهو “أي سلوك سيئ متكرّر خارج عن المألوف غير مرغوب فيه من الضحية بمدلول جنسي يشكّل انتهاكاً للجسد أو للخصوصية أو للمشاعر يقع على الضحية في أي مكان وُجدت فيه عبر أقوال أو أفعال أو إشارات أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية، وبأي وسيلة تمَّ التحرش بها، بما في ذلك الوسائل الإلكترونية”.
الحبس بين شهر وعامين للمتحرِّش وعبء الإثبات على الضحية
فثمة إشكالية في التعابير المستخدمة، لا سيما تعبير “سلوك سيئ” والذي يُدخِل على تعريف التحرّش مفهوماً أخلاقياً غير قابل للضبط، لأنه عندما نفكّر بسلوك سيئ، يجب أن نحدّد ما معنى سلوك سيئ، فالسيئ ليس عنصراً موضوعياً، بل هو شيء شخصي ويتغيّر من بيئة إلى أخرى. وبالتالي، فإن إدخال عنصر أخلاقي في الشكل، قد يؤدي إلى إغراق القانون بدهاليز الأخلاقيات الفردية والاجتماعية المختلفة والمتغيّرة، والتي هي أصلاً معقدة ومبهمة إلى حد كبير، مع ما يتفرّع عنها في ظل صعوبات في التطبيق على أرض الواقع في النص. والأخطر هو استعمال النص لتعبير “الخارج عن المألوف”، والذي يخلق مخاوف من أن يتم تأويل النص القانوني واستغلاله لإبعاد حالات التحرّش التي قد تقع في إطار العلاقات الزوجية أو في فترة الخطوبة، وإعفاء المتحرّش في هذه الحالات من أي محاسبة قانونية. ويرى أنه كان من الأنسب استبعاد هذه المقاربة لتعزيز موقع الضحية، في فلسفة النص القانوني بدل أن تُوضع الأخلاقيات في صلب التعريف.
ويدخل نمّور في تشريح القانون، فهو عملياً يُعاقب التحرّش بمعزل عن ضوابط السلطة، فرغم أنه في بعض الأماكن يُشدّد العقوبة إذا كانت هناك علاقة تبعية أو هرمية، لكنه يُتيح لأي كان لأن يشتكي عن التحرّش، وهذه مشكلة كونه لا يُميّز بين أجير وصاحب عمل في حال وقع التحرش في إطار العمل، مما يدفع إلى التساؤل عن مدى فعالية النص القانوني ما دام يفتح الباب واسعاً أمام أصحاب العمل لاستغلاله ضد أُجرائهم، فبإمكان صاحب العمل، إذا اتهمه أجير أو أجيرة بالتحرّش، أن يستعمل النص ليقول: “هي التي تحرّشت بي”. وبالتالي تنقلب الطاولة على الضحية وتُصبح الضحية هي المتهمة. فالقانون لم يأخذ بعين الاعتبار طبيعة علاقات العمل في لبنان والتي هي بطبيعتها غير متساوية وهرمية، وبالتالي ساوى حيث لا يجب، ما قد يؤدي إلى إفراغ اقتراح القانون من غاياته المعلنة.
التحرّش المعنوي
ومن المآخذ على القانون، أنه يتناول التحرّش الجنسي حصراً، فيما يُهمّش التحرّش المعنوي ولا سيما في إطار علاقات العمل. فثمة حالات ضمن إطار العمل متعلقة بالتحرّش المعنوي، هي أكثر بكثير من حالات التحرّش الجنسي وتداعياتها وقد تكون بنفس الخطورة وربما أكثر من التحرّش الجنسي، لا سيما على صعيد نفسية الأجير. وتغييب التحرّش المعنوي يُبقي الأُجراء، الذين هم ضحايا لهذا النوع من التحرّش، من دون أي أداة لتأمين الحماية لذواتهم.
وما يتوقف عنده في “البودكاست القانوني” هو تغليب المنطق العقابي لمعالجة مشكلة التحرّش من دون إيلاء أي دور للقضاء المدني أو لمجالس العمل التحكيمية أو للوساطة في
تجربة اجتماعية لقياس ردّة فعل الشارع إزاء التحرّش حملت نتائج صادمة
قضايا حسّاسة مثل هذا النوع، بحيث جرى تهميش اللجوء إلى الوسائل البديلة، حتى وقائياً، لحل نزاعات متعلقة بالتحرّش قبل الذهاب مباشرة إلى القضاء الجزائي. قد يكون الذهاب إلى القضاء الجزائي خياراً، ولكن ليس بإمكاننا فرضه على الضحية كخيار وحيد، لأن هناك أهمية للمساحة التي تحتلها وجهة نظر الضحية للفعل المقترَف، هذا من ناحية أولى، فالذي من المعقول أن “يُشكّل تحرشاً بالنسبة لي من الممكن ألا يُشكّل تحرشاً لكِ”. ثانياً، هناك أهمية المحافظة على استقرار العلاقات الاجتماعية والمهنية المختلفة، فإذا كانت الوسيلة الوحيدة أمام الضحية هي اللجوء إلى القانون الجزائي، فهذا قد يكون عائقاً بوجهها، خصوصاً إذا لم تكن لديها الرغبة باللجوء إلى القضاء الجزائي. فالقضاء الجزائي يعني علنية المحاكمة الجزائية، وأنّ هناك مخفراً وتوقيفات وقضاه تحقيق. كل ذلك لا يُشكّل بيئة حاضنة للضحية إذا كانت تريد الكلام، وبالتالي نحن لا نحفّز الضحية لكي تتكلم، إنما بالعكس هذا رادع أكثر مما هو تحفيز لها، وكان من المفترض أن يُعطى دور كبير للقضاء المدني، الذي بإمكانه أن يلعب دور الوسيط ويلجأ إلى وسائل بديلة حتى يحل نزاعات متعلقة بالتحرّش.
أما إمكانية المباشرة بالملاحقة القانونية من دون شكوى من الضحية، فهي ذات أبعاد سلبية من وجهة نظر “المفكرة القانونية” التي تُعنى بتفسير القوانين وشرحها. ويدل هذا الأمر على أن هدف القانون هو حماية المجتمع أو الأخلاق العامة أكثر مما هو حماية الضحية. فحتى إذا كانت الضحية لا تريد أن تشتكي وأن التحرّش حدث في مكان ما، نحن نُلزم الضحية بشكوى جزائية بمفاعليها العلنية، ما يعني صدمة مزدوجة لها. فالضحايا بحاجة للوقت لاستيعاب الذي حدث. ثمَّ أن قسماً كبيراً من حلول تداعيات التحرّش هو تأمين بيئة ومساحة آمنة للضحية لتحفيزها على التكلم عن التحرّش وفضحه، بدل فرض الشكوى الجزائية عليها مع كل التداعيات النفسية التي يمكن أن تحدث.
بحسب القانون، فإن العقاب يراوح بالحبس بين شهر وعامين سجناً أو دفع غرامة مالية تتراوح بين ثلاثة وعشرين ضعف الحد الأدنى للأجور الذي يساوي 675 ألف ليرة، أي 450 دولاراً بحسب سعر الصرف الرسمي، وأقل من مئة دولار بحسب السوق السوداء راهناً.
ولعلّ أبرز الإشكاليات المتعلقة بالقانون، وفق نمّور، هي إبقاء عبء إثبات فعل التحرّش على الضحية وليس على المرتكِب الذي يقعُ عليه في القوانين النموذجية إثبات عدم حصول الجُرم. فهو يفرض على الضحية أن تُثبت الفعل ونتيجة الفعل، وهذا سوف يُشكّل على أرض الواقع صعوبات هائلة جداً، ومن المعقول ألا يطبق هذا القانون جراء استخدامه لهذه الصيغة.
القانون نصّ على إنشاء “صندوق خاص” لإعادة تأهيل ضحايا التحرّش
صحيح أن القانون خصّص تجريم التحرّش سواء أكان داخل أم خارج العمل، لكن بالمقابل لم يُوجب على صاحب العمل ضمان بيئة سليمة للعمال، وبالتالي لم يفرض على أصحاب العمل أن يُضمّنوا نظام الأُجراء الداخلي الفقرة المتعلقة بالتحرّش أو تدريب معيّن متعلق بالتحرّش أو وسيلة للشكوى من التحرّش داخل مكان العمل، كما وأنه لم يُرتّب أي مسؤوليات على أصحاب العمل، أي مسؤوليات تعاقدية. ولتفترض أن المتحرِّش كان صاحب العمل، عندها بإمكان الضحية فقط أن تشتكي جزائياً، والنتيجة هي الذهاب إلى المحكمة الجزائية، مع كل التداعيات الناجمة عن ذلك. هكذا لا نكون نؤمّن وسائل لتأمين استمرارية للضحية في مكان العمل، وكان من المناسب أكثر بكثير لو أن القانون فتح مجالاً للضحية بإمكانية أن تستقيل على مسؤولية صاحب العمل ومطالبته بتعويض.
ثغرات
بعض من الثغرات أَلمحتْ إليها “الهيئة الوطنية لشؤون المرأة” بطريقة غير مباشرة، حين تعهدت بعد إقرار القانون باستمرار مطالبتها بإضافة مواد على قانون العمل لضمان بيئة عمل سليمة، وتوفير آليات فعّالة لتطبيق قانون تجريم التحرّش الجنسي وتأهيل ضحاياه.
ثمة مسألة أساسية تناولها القانون لكن الظنون كثيرة على أنها ستبقى حبراً على ورق لفترة من الزمن. فالقانون نصّ على إنشاء “صندوق خاص” لإعادة تأهيل ضحايا التحرّش. مثل هذه “الصناديق” سبق أن أُقرّت في قوانين عديدة لها تأثيراتها الاجتماعية، سواء أكان في قانون مكافحة جرائم الإتجار بالبشر أم قانون الإيجارات، لكنها بقيت من دون تنفيذ كونها تتطلب مراسيم تطبيقية وتأمين أموال، الأمر الذي يحول دون التعامل مع التداعيات الاجتماعية للمشاكل التي أرادت القوانين التصدّي لها ومعالجتها.
فقانون الإيجارات عالق منذ سنوات عند عقدة “الصندوق” الذي كان يُفترض أن يجدَ حلولاً اجتماعية للمستأجرين القدامى في مقابل إنصاف أصحاب الإيجارات القديمة التي ما عاد من قيمة لها، ولا تؤمّن لهم قُوْتهم وهم يتفرّجون على أرزاقهم غير قادرين على فعل شيء، الأمر الذي أحدث صداماً وعلاقة غير سوية بين المالك والمستأجر بفعل عدم تطبيق الشقّ الاجتماعي من القانون.
على أن الأمر يصبح شائكاً أكثر مع قضايا العنف الأسري أو التحرش الجنسي، ذلك أن الضغوط الاجتماعية تُلقي بثقلها على هذه المواضيع، وتبقى خاضعة لنظرة المجتمع عموماً ولطبيعة العادات والتقاليد والثقافات المتحكمة به في ظل غياب الوعي الحقيقي.
ففي تجربة اجتماعية لـ “جمعية أبعاد” التي تُعنى بالدفاع عن حقوق المرأة، لقياس ردّة فعل المارة في الشارع إزاء التحرّش، جاءت النتيجة صادمة. التصوير كان بكاميرات خفيّة، حيث تظاهرت شابة ترتدي ثياباً وتمشي وقد حل الظلام في أحد شوارع العاصمة وهي تبكي بأنها تائهة وخائفة. فأخذ بعض المارة يستوضحونها عن حالها مبدين في الأول نوعاً من التعاطف. ولكن سرعان ما تبدّل المشهد عندما أَفصحت عن تعرضها للاغتصاب، فبدأت النظرات المريبة والأسئلة تتساقط عليها عما إذا كانت تتعاطى المخدرات أو في حالة سكر. وانتهت التجربة بما كان يدور بين الشبان بعضهم البعض من تعليقات على الواقعة، واحدٌ يجزمُ بأنها ليست المرة الأولى لها، وثانٍ يستنتج بأن عشيقها مارس الجنس معها ورماها في الشارع، وآخر يجزم بأنها عاهرة.
وضعت الجمعية الفيديو على صفحتها على “فيسبوك” وقالت المحامية والناشطة في الجمعية دانيال حويك: “كنا نريد أن نعرف كيف ينظر المجتمع لضحايا العنف الجنسي. كنا نتوقع أن يوجّه اللوم إلى الضحية، لكن ليس لهذه الدرجة… الوضع صادم! حتى إن هناك امرأة نصحتها بأن تكفَّ عن قول ما جرى على الملأ وبأنه لا ينبغي أن يعلمَ أحد. جميع ردود الأفعال الظاهرة في هذا الفيديو حقيقية. ولم نقم بأي مونتاج لمحو أي ردود أفعال إيجابية من المارة”.
وأضافت: “الناس عاملوا الشابة كما لو كانت مذنبة وحاولوا تحميلها الذنب وإشعارها بالخجل. وكأن هذه الشابة تعرّضت لاعتداءين، الأول جسدي على يد المعتدي، والثاني نفسي من المجتمع الذي انهال عليها بالشتائم ونبذها. وفي الوقت نفسه، لا أحد تطوّع للإمساك بالمعتدي ولا الاتصال بالشرطة”.
ينتهي “الفيديو” بإعلان توعوي: “حاكم المُغتصِب وما تِحْكُم على الضحية”. فالمهمة ليست سهلة، والعمل كبير وشاق، والطريق طويل من أجل تغيير أنماط فكرية وسلوكيات مجتمعية. فإقرار أُطر قانونية سواء للتصدي للعنف الأسري أو لجريمة الاغتصاب أو للتحرش الجنسي هو الخطوة الأولى على درب الألف ميل، ذلك أن المعضلة ليست فقط في القوانين، بل في النظرة الاجتماعية التي تدفع المرأة الضحية إلى الصمت خوفاً من العار وعبئه عليها وعلى عائلتها في محيطها الاجتماعي رغم كل الظلم الذي يُصيبها.