د. علي محمد فخرو في الاقطار العربية التي نجحت فيها الثورات الشعبية، مهما اختلف البعض حول مقدار نجاحاتها، والتي نقلت تلك الأقطار من نظام سياسي فاسد مستبدّ سابق إلى وضع سياسي جديد واعد بالإمكانيات التي ستأتي مستقبلاً بتغييرات مجتمعية وإنسانية كبرى… في هذه الأقطار سنحتاج للعودة المرَّة تلو المرَة لموضوعي السياسات الإقتصادية وملابساتها الاجتماعية الكارثية خصوصاً وأنَهما كانا أحد أهمٍ عوامل تفجُّر الأوضاع.لقد تبنَت الأنظمة السَابقة عدًة إتجاهات اقتصادية اجتماعية خاطئة. فهي أولاً احتضنت بصورة تامة كل توجُّهات وممارسات اللًّيبرالية الجديدة المتوحٍّشة التي هبَّت رياحها العاصفة منذ بداية ثمانينات القرن الماضي. لقد ركزت اهتمامها على التجارة وتدًّفق السٍّلع والإستهلاك النُهم وعلى حريًة حركة الرأسمال الوطني والأجنبي، وانزلقت شيئاً فشيئاَ نحو تبنٍي الإقتصاد المالي غير المنضبط المبني على المغامرة والمضاربات الجنونية في العقارات والأسهم بدلاً من تبنٍي الإقتصاد الإنتاجي للسَّلع الضرورية وللخدمات العامًة والإقتصاد المعرفي. ثمً أتبعت ذلك بتنازلها عن مهَّمتها الأساسية في بناء دولة الرعاية والرفاهية الإجتماعية فخصخصت مؤسسات البنية التحتية من كهرباء وماء ومواصلات وإسكان ومؤسسات الخدمات العامَة من صحًة وتعليم وتدريب ورياضة، وفي الوقت نفسه أصرًت على أن تكون الميزانيات العامًه متقشَّفة وبذلك غير قادرة على تقديم خدمات عامة معقولة لعموم المواطنين، وخصوصاً الفقراء والمهمشين منهم.ومن أجل الحصول على قروض لسدٍ العجز في ميزانياتها خصعت لإملاءات وشروط وابتزاز البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية المتناغمة والمتعاونة مع دوائر النيولبرالية في عواصم الغرب والشرق وهي التي بدورها كانت خاضعة لإملاءات وأطماع وجنون مؤسسات المال والإقتصاد الدولية العابرة للقارات الكبرى والمكتسحة للإقتصادات الوطنية.ولأنَّ تلك الأنظمة العربية كانت فاسدة وطامعة وأنانيًة أصبحت مع الوقت أداة طيَعة منفٍّذة ومشاركة في بناء اقتصاد أدَّى إلى زيادة هائلة في ثروات الأغنياء وفي فقر وعوز الفقراء وإلى جمود الرَّواتب وضمور الطبقة الوسطى. وحتى لا تجد من يعارضها في تطبيقها لتلك السياسات أضعفت وهمَّشت النَّقابات العمالية والمهنية، بل واخترقت تنظيماتها وأفسدتها.نحن إذن أمام صورة بائسة لإقتصاد غير تنموي ودائر في فلك مصالح أقليَة مغامرة جشعة من مالكي الرأسمال. ولذا فان مهمة انظمة ما بعد الثورات هي قلب تلك الصورة راساً على عقب، وهي مهمَّة لن تكون سهلة إلاً إذا رافقتها إرادة سياسية وطنية مستقلَّة غير خاضعة لابتزاز أمريكا وحلفائها ومؤسساتها الدولية من جهة، وفي الوقت نفسه انبنى جهد عربي متناغم مشترك لمقاومة الضغوط الدولية وللمساعدة في عودة الجميع نحو اقتصاد عربي انتاجي معرفي طال انتظاره. وبالطبع فان ذلك سيتطلب استراتيجيات على المدى الطويل. لكن هناك خطوات يمكن البدء بها على المدى القصير.أولا: عدم الالتحاق بهوس ممنوعات الليبرالية الجديدة من مثل عدم السماح لأيً تضخُم أو أي عجز في الميزانيات العامة أو تدخل الدولة لضبط حركة الأسواق والاستثمارات والسياسات النقدية. هناك أمثلة لدول في آسيا وأمريكا الجنوبية رفضت تلك المقولات ونجحت في بناء اقتصاد تنموي لصالح عموم المواطنين. القاعدة الأساسية هي أن كل ما يؤدٍّي إلى بناء اقتصاد انتاجي ـ معرفي وإلى توفٌر خدمات اجتماعية معقولة لعموم الناس يجب أن يؤخذ دون تردُد. ثانياَ: يجب عدم السَماح لأن يكون القرار بيد مالك رأس المال فقط، وإنًما يشمل عناصر الإنتاج الأخرى مثل المؤسسات الحكومية والتشريعية التي تساهم بأشكال كثيرة في توفير البيئة المادية والمعنوية لمالك المال ومن مثل النقابات ومديري مختلف المؤسسات الذين يشغٍّلون المال وأشكال من مؤسسات المجتمع المدني المعنية بالدفاع عن الصالح العام.ثالثاً: الإصرار على عودة صعود مكانة السياسي في الحياة الإقتصادية، أي مكانة المواطنية بما تعنيه من توزيع عادل للثروة، وكفاية معيشية إنسانية لكل مواطن، ورفض لفروق جائرة بين الغني والفقير، ومنع لأي ممارسات مالية أو اقتصادية تؤدًي إلى أزمات لا يكتوي بنارها في النهاية إلاُ الفقير الذي لا ناقة له ولا جمل في ساحات جنون المضاربات.رابعاَ: أن لا تكون مرجعية الفكر والسياسات الاقتصادية في يد أدوات التدخُّل الأمريكي المستتر من مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.خامساً: السَعي باسم الأخوة والعروبة والإسلام لأن تكون التٍّسعة تريليونات من الدولارات التي ستدخل في خزائن دول مجلس التعاون في العشر سنوات القادمة، والتي ستفيض عن حاجاتها كثيراً، أحد مداخل العون غير المشروط للنُّهوض الإقتصادي الذي نتحدَّث عنه. هذا سيعتمد على مقدار حساسية دول وشعوب الخليج العربي للعدالة والتراحم والتعاضد.