هي اليوم ثمانون أو أقلّ بقليل أو أكثر ولكنّها على كلّ حال ستبلغ الرقم الذي أبرزناه في العنوان بعد أيّام قليلة. فمعدّل خصوبة الثورة التي جاءتنا بهذا الكمّ الحزبيّ في ارتفاع متواصل ونحن نخاف عليها الحسد من عالمنا العربيّ خصوصا حيث لا حكم إلاّ لحزب واحد هو حزب السلطان ويشاركه الوجود لا الحكم بعض الأحزاب الأخرى التي لا تتجاوز في عدّها أصابع اليد وهي في الغالب أحزاب مسبيّة لخدمة سيّدها وصاحب نعمتها. في تونس، كنّا في مثل وضع أشقّائنا ولكنّنا اليوم تحرّرنا وتجاوزنا العقم الذي جثم على أرضنا وها هي الخضراء خصبة كما يجب أن تكون، ولود تضع لنا ما معدّله: حزب جديد في كلّ يوم منذ ثورة 14 يناير. ولهذه الذريّة الحزبيّة الصالحة أسماء حسنى تبشّر بالصلاح والإصلاح لأهلها. والتونسيّون أهلها عاكفون في هذه الفترة قبل الانتخابات على إحصائها فهي كثيرة ما شاء الله وهذا ما يعسّر المهمّة. لذلك نحاول البحث في مقالتنا عن وسائل تساعدنا للتعرّف على هذه الأحزاب وقد رأينا أن نستعين بعلوم اللغة والمنطق والحساب والكيمياء وكلّ الأدوات الأخرى الكفيلة بفهم هذه الفسيفساء الجميلة دون شكّ على الأقلّ من الناحية اللغويّة.
وبما أنّنا ذكرنا جمال اللغة سنبدأ ببعض مما تعلّمناه من قواعدها وهي تغرينا مثلا بالتمييز بين المذكّر والمؤنّث فقضيّة جنس المواليد ذات شأن عظيم عندنا نحن العرب وهو أساس بسيط للتمييز بين نوعين فقط وهذا حلّ قد لا يستهان به في مقاربتنا لأسماء أحزابنا وحركاتنا. فالذكور هم الأحزاب مثل حزب الوطن وحزب المستقبل.. والإناث هم الحركات مثل حركة الشعب وحركة الإصلاح والعدالة، غير أنّ الخطأ في المناداة وارد وقد حدث فعلا لدى السياسيّين والصحافيّين فأسند بعضهم اسم الحزب للحركة واسم الحركة للحزب فكيف سيفعل المواطنون البسطاء وهم أكثر عرضة للالتباس. وزيادة على ذلك لا يحلّ هذا المقياس مشكلة الكثافة لأنّنا سنحصل على عدد مرتفع من الذكور ومثله من الإناث.
الحلّ الثاني يسعفنا به علم الحساب لنميّز بين من اختار لحزبه اسما بسيطا من لفظ واحد ومن اختار له لفظين أو ثلاثة وفي ذلك حكمة أخرى.
الاسم المتكوّن من لفظ مفرد أبسط ربّما للذكر وأوكد للحفظ والتذكّر مثل الوفاق أو النهضة أو الخضر أو الشعب أو المستقبل أو المجد.. والاسم المركّب الذي له أنصاره من الباحثين عن محاسن المعاني أكثر إلحاحا على جمع الشعارات الجميلة الجذّابة وهذه طائفة منها فلنا حزب الحرية من أجل العدالة والتنمية وحزب المستقبل من أجل التنمية والديمقراطية وحزب الكرامة من أجل العدالة والتنمية والحزب الجمهوري للعدالة والتنمية.. إنّها حافلة بالشعارات الخلاّقة كما نرى ولكنّنا في مأزق كبير أمام هذه الأسماء المتشابهة التي لن نقدر على التمييز بينها فبالإضافة إلى عبارة (من أجل) التي تكرّرت مرارا، تعاودت معها ذات الشعارات وهي التنمية والعدالة مع تغيير بسيط في المواقع الأمر الذي لا يغيّر من الأمر شيئا. وقس على ذلك مع بقيّة الأحزاب فإذا اعتمدنا على الأساس المنطقيّ للمقارنة لوجدنا أنّ مشكلة التكرار تحكم بقيّة الأسماء أيضا فشعارات مثل الحريّة والمساواة والعمل والتنمية والديمقراطيّة والتجديد والوحدة أو الاتّحاد والعدالة أو العدل أخذت منها كلّ الأحزاب نصيبها وأضافت إليها بعض الصفات التي لا تقلّ عنها حسنا مثل الوطنيّ والاجتماعيّ والديمقراطيّ والتقدميّ والاشتراكيّ والشعبيّ والتحرّريّ والجمهوري والحرّ والأحرار، وكلّ هذا يجعلنا أمام جهد عسير كأنّه من عذاب السعير فالمعذرة لجميع الأحزاب والحركات على ما انتهينا إليه في ختام هذه المقالة فالأكيد أنّ جهدنا سيكون عديم الفائدة لأنّ أسماء الأحزاب جميعها هي أسماء حسنة لفظا ودلالة وهي لذلك متشابهة في زعمها أنّها تعمل لخير تونس والتونسيّين.
المشكل ربّما في الأشخاص الذين صاغوا تلك الأسماء فمنهم الصالح الصادق الذي سيقرن القول بالفعل ومنهم الفاسد الكاذب الذي قد يكون ساعيا لمنصب أو مصلحة ضيّقة وفي هذا كلّ الخطر لا من الأحزاب وأسمائها بل من الزعماء وأسمائهم، أسماء أخرى سنحتاج إلى المزيد من الوقت للإحاطة بها حتّى لا نقع في الخطأ عند الانتخاب فتتحوّل ثورتنا لا قدّر الله إلى مجرّد سراب!
عبد الرزاق قيراط – تونس[email protected]