لم يتم التحقيق في سنين حرب لبنان الاولي الـ 18
تعريف المهمات الملقاة علي اعضاء لجان التحقيق مصوغ في كتب تعيينهم، لكن هذه الكتب قابلة للتفسير مثل كل نص. اذا شاؤوا فسيتوسعون ويتعمقون. واذا شاؤوا فسيُضيقون ويجعلون التفسير ضحلا. إن مقدار حفرهم متأثر بجرأتهم وبالمدة المخصصة لعملهم. تحدد ماهية استنتاجاتهم منذ البدء، كما يحدد نوع الحجارة التي يتم الكشف عنها في المقالع علي حسب المكان الذي اختير لطرقة المطرقة الاولي.
في احيان نادرة فقط يتم الكشف عن الذهب في ارض يبحثون فيها عن جثة، وعن جثة في ارض يبحثون فيها عن ذهب. ليست المفاجآت النادرة في ماهية الاستنتاجات بل في شدتها. الشدة في نظر القاريء، المتأثر باختيار الكلمات التي يستعملها اعضاء اللجنة. الاختيار تعسفي: فاذا شاؤوا اشتدوا. واذا شاؤوا حلَّوا. عمل طباخ لا عمل صيدلاني.
ان لجان التحقيق التي توسعت وتعمقت ايضا اكتفت بالاشارة الي العوامل الأخيرة في الفشل ـ ألواح الدومينو في طرف سلسلة الألواح الساقطة. فلجنة اغرانات، التي فحصت عن اسباب اخفاقنا في بدء حرب يوم الغفران، لم تتتبع العيوب في قرارات حكومة غولدا مائير ولهذا لم تجدها. في مقابلة ذلك وجدت أن قادة الجيش استعبدهم الاعتقاد الذي تنكر في زي افتراض. لقد اعتقدوا أن مصر لن تبدأ حربا ما ظلت قوتها الجوية أقل كثيرا من قوتنا، وانه اذا لم يكن الامر كذلك ايضا فان الجيش سيرد الغُزاة بسهولة.
إن الاعتقاد الذي بسببه انصرفت عيون رجال الاستخبارات عن رؤية استعدادات المصريين لعبور القناة، يسمي في معجم مصطلحات السياسة الاسرائيلية التصور. وهكذا نُقش في تاريخنا أن التصور صاحب الذنب في موت آلاف من جنودنا. لم تفحص اللجنة هل حاولت حكومة غولدا مائير وسابقاتها تحديد جميع الطرق التي قد تفضي الي سلام مع مصر. لم تسأل لماذا رُفض اقتراح الانسحاب من خط القناة وتمكين مصر من ان تجعل السفن تُبحر فيها. ولم تسأل لماذا أنفقنا مالا كثيرا في مدينة يميت ومستوطنات في سيناء وكيف أثرت نفقاتنا في تجذر الاحساس بأن سيناء ارض آبائنا. لو عُرضت هذه الاسئلة واسئلة كثيرة اخري لكانت الاستنتاجات مخالفة جدا.
لا تُعين لجان التحقيق لان الفشل المُحقق فيه أشد من فشل كثير آخر لم يُحقق فيه. انها تُعين بسبب ضغط الرأي العام. فهذا يضج بسبب اخفاقات مفاجئة ولا يضج لاخفاقات تمتد لفترة طويلة. نحن نعتاد الاخفاقات الخبيثة، لكن الصفعة تُخرجنا عن اتزاننا.
لم يتم التحقيق في سنين حرب لبنان الاولي الـ 18، وفي مقابلة ذلك تم التحقيق في أحد لواحقها وهو قضية مجزرة صبرا وشاتيلا. لماذا؟ لان الكارثة امتدت سنين طويلة، ذُبح في اثنائها عدد قليل كل يوم، لكن المجزرة في مخيمات اللاجئين كانت عملا فظيعا مُركزا. وكانت النتيجة أن الفشل التاريخي لم يتم التحقيق فيه، وحُقق في مقابلته في الفشل العارض حتي آخر تفصيلاته.
تُري حرب لبنان الثانية فشلا يحتاج الي تحقيق فيه لا لأننا شغلنا الجيش لمدة سنين طويلة بحرب غايتها استعباد سكان المناطق المحتلة وسلب اراضيهم، بل لأننا أُهنا إهانة فظيعة. أُهنا، لان جيشنا المشهور بأنه أقوي من جميع الجيوش صعب عليه أن يتغلب علي بضع مئات من محاربي عصابة مسلحة.
لن تُعين أية لجنة للتحقيق في شكل تقسيم الجهد القومي لمدة اربعين سنة احتلال، كما لن تُعين أية لجنة للفحص عن اسباب الضياع المتوقع للقدس. بدل ذلك عُينت لجان مهمتها جعل الجماهير تبتهج احتفاء بانقضاء اربعين سنة علي ميلاد الكارثة.
تحقق لجان التحقيق مع المنتخبين لكنها لا تحقق مع الناخبين. لم تُعين قط لجنة للتحقيق في جذور غباء الشعب الناخب.
يارون لندنكاتب يساري(يديعوت) 15/5/2007