“لجان الحماية الشعبية” في غزة.. لمواجهة فوضى الأسعار وحفظ الأمن وملاحقة تجار الحرب

حجم الخط
1

غزة- “القدس العربي”: دفعت الهجمات التي شنّتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، خلال الفترة الماضية، واستهدفت فيها مركبات شرطية، خلال تأمينها قوافل مساعدات تمرّ إلى سكان قطاع غزة المحاصرين، وحالت دون تحرك تلك القوات الشرطية بالشكل المطلوب، وكذلك ظروف الحرب التي أشعلت قوائم أسعار السلع خاصة الأساسية منها، إلى تشكيل “لجان حماية شعبية”، بدأت تنتشر في الأسواق لضبط الأسعار، بعد شكاوى عديد من السكان الذين يكتوون بنار الحرب الدامية.

ضبط الأسواق

وفعلياً، بدأ عمل هذه الوحدات، التي أعلن عن تشكيلها في بداية الأمر في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، في يوم 25 من شهر فبراير الماضي، وظهر أفرادها وهم يضعون أقنعة على وجوههم كُتب أعلاها شعار “لجان الحماية الشعبية”، وحمل أفراد اللجان بنادق رشاشة وهراوات.

وفي كلمة لأحد المسؤولين عن عمل تلك اللجان، مع بداية عملهم في أحد أسواق مدينة رفح، المكتظة بالسكان ونازحي الحرب، قال إنه تم تشكيل قوة تابعة لوزارة الداخلية في غزة، إضافة إلى قوة مساندة لها، أسميت “لجان الحماية الشعبية”.

وأشار إلى أن تشكيلها جاء لـ “إسناد الشعب الفلسطيني، وتعزيز دور وزارة الداخلية على الأرض، وحفظ الأمن والأمان للشعب الفلسطيني”، وأضاف أن عمل هذه القوة سيكون “لصالح الشعب المكلوم، وتخفيض الأسعار والحفاظ على الأمن والاستقرار”.

ومع بداية عمل اللجان في مدينة رفح، قام أفرادُها بتفقّد الأسواق الشعبية المنتشرة في العديد من أحياء المدينة، التي تحتضن حالياً أكثر من نصف سكان قطاع غزة، بعد أن نزح إليها أكثر من مليون شخص من كافة مناطق القطاع، ليضافوا إلى عدد سكانها السابقين، والمقدر بأكثر من 300 ألف نسمة.

وقال سكان من المدينة، الواقعة أقصى جنوب قطاع غزة، إن أفراد لجان الحماية تلك، يسألون خلال عملهم في الأسواق الباعة عن أثمان السلع، ويتحرّون ذلك أيضاً من المتسوقين، ويقومون بإلزام الباعة بخفض أثمان السلع، وبيعها للمواطنين خلال وجودهم في الأسواق.

وأكد أحد النازحين الذين يقطنون مدينة رفح لـ “القدس العربي” أنه شاهد تجمعاً من المواطنين يلتفون حول أفراد من تلك القوة التابعة للجان الحماية، لشراء كميات من السكّر المفقود من الأسواق، بثمن أقلّ مما كان البائع يطلب فيه قبل قدوم تلك القوة.

وقال إن الأمر كذلك تكرر مع باعة السجائر والمعلبات والكثير من المواد الغذائية الأخرى، التي ارتفع ثمنها بشكل جنوني، لافتاً إلى أنه مع كثير من المواطنين القاطنين في مدينة رفح، ينتظرون وصول أفراد “لجان الحماية الشعبية”، ويسيرون خلفهم، لشراء بعض المستلزمات الأسرية، خلال تفقّد أفراد اللجان الأسواق.

ويوضح خالد أبو سرور، وهو أحد ساكني مدينة رفح، أن انخفاض الأسعار في بعض زوايا الأسواق الشعبية، التي يصلها أفراد القوة يكون للحظات معدودة، وهي المدة التي يتواجد فيها أفراد لجان الحماية أمام المحل التجاري أو بسطة السلع، وأنه بمجرد مغادرة أفرادها منطقة البيع والانتقال لمكان آخر في السوق، يعود البيع بالثمن المرتفع.

ملاحقة كبار التجار

ويشير إلى أنه بالمجمل لم تتكلل هذه الجهود بالنجاح الكامل، في ظل استمرار ارتفاع أثمان السلع خاصة الأساسية بشكل جنوني، لا يستطيع سكان قطاع غزة تحمله، خاصة في ظل ظروف الحرب التي زادت من نسب الفقر والبطالة.

ويوضح أنه رغم اقتراب حملة لجان الحماية من أسبوعها الثالث، إلا أن الأسعار لا تزال مرتفعة بشكل كبير، وقد عبَّر عن خشيته من مضاعفة أثمان السلع مع حلول شهر رمضان الذي يطرق الأبواب، من خلال استغلال حاجة السكان للكثير من المواد الغذائية التي تؤكل في هذا الشهر.

هذا الرجل كغيره من السكان، الذين أشادوا بخطوات ضبط الأسعار، طالبوا بحملة متكاملة، تنهي الأزمة بأسرع وقت، تبدأ بكبار التجار، الذين يتحكمون بأسعار السلع، ويرفعونها بشكل كبير، لزيادة حجم الربح في هذا الوقت الصعب.

ولم يعارض هذا الأمر تجار التجزئة، وأولئك الذين يبيعون على “بسطات”، وفي الطرقات، حيث أبدى من أجبروا على بيع السلع بأثمان قليلة غضبهم من هذه الخطوة، كونها تطال “صغار التجار”، ولا تبحث عن أولئك التجار الذين يوردون للأسواق السلع بأثمان مرتفعة.

أحد هؤلاء، ويملك “بسطة” في سوق مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، يبيع فيها معلبات وخميرة الخبز ومربى وبعض الأصناف الغذائية التي تتوفر لحظة شراء البضائع، يقول إنه قبل وصوله للسوق يذهب لشراء هذه البضائع بكميات من تجار كبار معروفين، ويضيف لـ “القدس العربي” أنه وغيره من باعة السوق، يضطرون للبيع بثمن مرتفع، كونهم يشترون البضائع بثمن مرتفع أيضاً، ويشير هذا الشاب إلى أن ضبط الأسعار يحتاج إلى إجبار كبار التجار على خفض الأسعار، لافتاً إلى أن هامش الربح لديهم قليل جداً، فيما يذهب الربح الأكبر إلى أولئك الذين يتحكمون في السوق.

هذا الشاب أشار إلى أنه بخلاف السوق الكبير للبيع بالجملة الموجود في مدينة رفح، والذي يشتري منه تجار البسطات والتجزئة والمحال الصغيرة، والذي تعلم بوجوده جهاتُ الاختصاص في غزة، هناك تجار كبار يخزنون بضائعهم في أماكن أخرى، سواء داخل منازل أو مخازن، ومنها يقومون ببيعها بأثمان مرتفعة وعن طريق الدفع الكاش.

ويؤكد أنه يمكن الوصول إلى تلك المخازن بسهولة، كونها أيضاً معروفة لدى الجميع، كما يمكن إجبار هؤلاء على البيع بأثمان معقولة، ويضيف: “إذا خفض التجار الكبار الأسعار، كل البضائع اللي بالأسواق سينزل سعرها فوراً”.

وطالب الجهات المختصة في وزارة الاقتصاد والداخلية، وكذلك “لجان الحماية الشعبية”، بالتوجه إلى هؤلاء التجار الكبار، إرغامهم على البيع بثمن معقول.

حفظ الجبهة الداخلية

وفي تقدير موقف أصدره “مركز عروبة للأبحاث والتفكير الإستراتيجي”، أشار إلى أنه مع إطالة أمد الحرب، تجلَّى العديد من المَظاهر التي تهدف إلى “ضرب السِّلم المجتمعي” في القطاع، من حالات سرقة ونهب وبلطجة، تستهدف بُعدَين أساسيَّين، الأول استكمال الدمار والتخريب في الممتلكات والمنشآت بالسرقة والنهب والتخريب، وذلك بشكل أساسي في المناطق التي توغل فيها جيش الاحتلال، أو استهدفها بالقصف المكثف، والثاني التعرّض لشاحنات المساعدات والإمداد التي تدخل إلى قطاع غزة، بعد تقليص خانق فرَضَه جيش الاحتلال على آلية دخول هذه الشاحنات لا تكفي لسد الحاجة الإنسانية المُلحَّة للقطاع، في ظل الدمار الكبير والحصار الخانق واستخدام سلاح التجويع ضد السكان.

وأشار إلى أن الاحتلال استخدَم العديدَ من الأشكال والأدوات بهدف إشاعة الفوضى، وضرب المنظومات السلطوية في القطاع واستهداف المؤسسة الأمنية والأجهزة المنظمة المُكلَّفة بحماية الأمن الداخلي والسلم المجتمعي، من خلال استهداف المقرات والاغتيالات واستهداف طرق تأمين المساعدات، وتسهيل حركة اللصوص.

وأوضح التقدير أن لجان الحماية الشعبية هي السبيل لمواجهة مخططات الاحتلال، والحفاظ على السِّلم المجتمعي، وتجاوُز محاولات شَلّ وتعطيل المنظومة الأمنية عبر استهداف المقدَّرات والاغتيال الجسدي للشخصيات والمفاصل، ودعا للبحث عن صيغ وطنية جامعة “تؤمِّن شراكةً بين قوى وفصائل العمل الوطني والإسلامي، والمكونات الشعبية والجماهيرية والمجتمع المحلي، من أجل تشكيل شبكة أمان شعبية تَحفظ السِّلم المجتمعي وتعزِّز التكافل ومظاهر التماسك للحاضنة المجتمعية، وتتصدى لمظاهر البلطجة والنهب والتخريب”.

وأشار إلى أن عملية التأمين الواسع لمخيمات النازحين وأملاك المواطنين وقوافل المساعدات، وتنظيم الأسواق، وتسهيل عمل المستشفيات وطواقم الإسعاف، والتصدي لمظاهر البلطجة والتعامل مع مثيرِي الفوضى والخارِجين عن القانون والنظام العام، تتطلب استحداثَ آلية فعَّالة ومنظَّمة ومتنوعة من أجل تنفيذ هذه المهام الضرورية والحيوية، وأن خيار تشكيلِ “لجان الحماية الشعبية”، من القوى والفصائل والمكونات المجتمعية، بوصفها قوةَ إسناد وإنفاذ للنظام العام والقانون، وأداةً شعبيةً ووطنيةً تعمل على حماية المقدرات، والممتلكات العامة، والمؤسسات الخدماتية (تعليمية، صحية، أملاك عامة)، وتعزيز وحماية القيم الوطنية المستندة إلى الشفافية والعدالة، يعد الخيارَ الأجدى.

وكانت الجهات المختصة في قطاع غزة اشتكت من استهداف طواقم الشرطة بغارات إسرائيلية، خلال قيامها بتأمين دخول قوافل المساعدات لقطاع غزة، ما أوقع الكثير من الضحايا في صفوف أفراد الشرطة.

ودفع ذلك منظمات أممية، مثل “الأونروا”، للمطالبة بوقف هذه الهجمات، والسماح للشرطة المحلية بتأمين القوافل.

وبسبب تلك الاستهدافات تقلصت بشكل كبير، ولعدة أيام، عملية إدخال المساعدات للقطاع، وهو أمر أثّر على أثمان السلع وأدى لارتفاعها الجنوني، ودفع ذلك قيام عوائل كبيرة في غزة، لتأمين دخول قوافل مساعدات، من مكان دخولها من معبر رفح، حتى وصولها إلى مخازن جنوب ووسط قطاع غزة.

أثمان مرتفعة

وتباع البضائع بأثمان مرتفعة جداً، إذ يباع كيلو السكر حالياً بأكثر من 70 شيكلاً (الدولار الأمريكي يساوي 3.8 شيكل)، أي ما يقارب الـ 20 دولاراً أمريكياً، بعدما كان يباع بأقل من دولار، فيما يباع زيت الطهي بأكثر من 20 شيكلاً، وفي بعض الأوقات يقفز ثمنه لأكثر من 35 شيكلاً، وطال ارتفاع الأسعار أيضاً المنظفات، كما طال مؤخراً المعلبات مع اقتراب شهر رمضان، خاصة الفول، ويشتكي السكان أيضاً من ارتفاع ثمن البصل، الذي يباع الكيلو غرام الواحد منه في  السوق العادي بـ 30 شيكلاً. وفي أوقات سابقة وصل ثمن الكيلو 60 شيكلاً، بعد أن كان يباع قبل الحرب بثلاثة شواكل، في أعلى ارتفاعاته، كما طالت الأثمان المرتفعة حفاظات الأطفال، وكافة المستلزمات الأخرى، بما في ذلك أدوات المطبخ.

وفي محاولة لضبط أسعار الأسواق، لجأت وزارة الاقتصاد مؤخراً، إلى تكثيف توزيع مواد غذائية على الكثير من المحال التجارية، لتباع بأثمان تقلّ بنحو النصف عن تلك الأسعار الموجودة في السوق.

ويجري مراعاة المناطق السكنية في توزيع تلك السلع، وعند وصول تلك السلع، يلاحظ تكدس أعداد كبيرة من السكان أمام تلك المحال، التي تضطر لإغلاق البوابة الرئيسة لها، وإدخال الزبائن على دفعات للتسوق من خلال بوابة صغيرة جانبية.

ورغم إيجابية هذه الخطوة، إلا أن أثمان السلع لم تصل بعد إلى ما كانت عليه قبل الحرب، كما أن الكميات التي توفر في تلك المحال، لا تكفي احتياجات سكان الأحياء القريبين من تلك المحال، كذلك لا يجري توفير هذه السلع بشكل يومي في هذه المحال، حيث من الممكن أن تغيب هذه البضائع لأكثر من أسبوع عنها، وتتوفر بشكل مفاجئ، يعلم عنه السكان بالصدفة.

ويلجأ أصحاب هذه المحال لبيع “بكج” كامل للمواطنين، يجري ربط بيع بعض السلع مع بعضها البعض، لشرائها كاملة، بحيث يمكن وضع زيت الطعام مع كمية من نبتة الميرامية التي تستخدم في تحسين طعم الشاي، أو ربط بيع البصل مرتفع الثمن حالياً، بكمية أخرى من البطاطا.

ولم يفلح عبد الله عليان في الحصول على أي زجاجة زيت طعام، رغم مكوثه أمام أحد المحال التجارية التي وصلت إليها هذه السلع لأكثر من ساعة، ويقول إنه لحظة سماعة بخبر البيع كان قد مرّ على بدء العملية أكثر من ساعة، وأنه فوجئ بطابور طويل من المواطنين ينتظرون دورهم في التسوّق، فيما نفدت البضاعة قبل اكتمال حصول هؤلاء على ما قدموا من أجله.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية