عناية جابر
كل يوم أمام شاشاتنا وأمام إمتحانات لئيمة، لقلوبنا الواجفة وإنسانيتنا. كل يوم أمام هذا الفيلم العربي الطويل، نغرق معه بالدم يلوّث ثياب نومنا فنستبدلها على عجل، خوف أن تشمها ذئاب الخارج فتنهشنا، تنهش ما تبّقى على عظامنا من لحم بارد، ما تبّقى منه مُدّخناً، دخنّهُ ودبّغهُ وأنضجه القهر.
أنظر الى صور القتلى وأتفاداها في اللحظة عينها. هل تتطلب الحياة الطبيعية كل هؤلاء القتلى؟ هل يحتاج السلام الى القسوة؟ هل يدفع الصباح بأرتال الموتى على بابه من أجل كسرة خبز، من أجل هواء نظيف و’شوية’ حرية هل يُعينني أحد على صباح عربي وليد لا يلوثه القتل؟ تستثيرني الأسئلة تحت رعد الموت العربي حيث هكذا مثلما في غابة ومثلما في معادلة وحشية: جثة الحمل وجثة الذئب في كادرات متساوية مرة، ومرة أخرى في كادرات مختلفة، وحيث يتصاعد من التساوي المتأرجح هذا، عمود من الدخان الأبيض يحرق عيني. أيهما الحمل وأيهما الذئب والصورة حمراء كلها تقطر دماً.
الصورة، تنقل لنا مقتلة رهيبة، جذرها حقيقي وهدفها وفعلها ونتيجتها، ويتداخل في طريقة تلقينا لها، الإدراك بالعاطفة، بأكثر السبل امتناعاً على التعيين، فيما يتشكل المصير العربي كلياً (داخل الصورة وخارجها) من الوجد، من الحرقة، من ضياع الحلم، بل وحتى من تدرج بريق التفاصيل التي عادة تبقى ظلالاً،… وهذه مقتلة أيضاً.
صورة بشعة لا تنكر أفعالها. صورة لاتصبر على الشمس ولا تُحب البياض، و صورة متخاتلة تُريد ان تُفهم كعارض سوء حظ للشعب العربي وفلسفة حياتية بائسة. صورة مخمورة بالدم، صورة بلا رتوش، بلا سلوى، تضج بصخب القتل المتعمد لإخماد قلق العالم الداخلي حيال الإرهاب!! الصورة إرهاب. الصورة الحمراء هذه هي إرهاب الإرهاب.
صورة تُعلمنا في فلسفة قصف الأعمار، في إقتلاع جذور شجرة ريّانة، في حريق الأطفال وتحت قشرة جلودهم تتجمد أرواحهم الحية. صورة في نهب الأيام وإهانة البيوت التي هي اوطان صغيرة، واعتداء على الأجساد المرتجفة، صورة لا تمس العقل إلا قليلاً، ويخبو هذا مثل ضوء صغير في مشهد هائل مُتنقل، مليء بأشلاء أرضية مسحوقة.
صورة لا تتركك إلا وكل ما هو شخصي فيك يكون قد هُصر. كل ما فيك مُنتهب و صورة تتبجح بمادتها العضوية المُتخمرة، صورة حين لا تكون عربية تحديداً، لن نحتاج أن نكون دقيقين هكذا في تسميتها صورة: يكفي أن تنقل لنا كوفية مُنقطة بالأبيض والأسود، أو شالا يلف عنق، أو سراويل بالية ومنخورة بالرصاص، او شحاطات ملوثة بالدماء وأجساد منّتفة وحروقاً بالغة، وصراخا وأشلاء وحجارة، وخرائب إسمها اليمن أو مصر أو ليبيا تتشكل بطريقة ما من كل هذه الأشياء، فطبقاً لتجربتنا الطويلة في التنقل بين الصور، يُمكن اعتبار الصورة العربية مُفردة بحد ذاتها، لأن كل ما فيها يُعانق رغباتنا المريضة الى ذرف الدموع. يحدث لنا طبعاً في مشاهداتنا الى صور غير عربية أن قلنا عن إحداها: هذه أكثرها إيلاماً، ولكن سرعان ما يُبارحنا ألمها حيال الصورة العربية، أميرة الألم الذي لا يُضاهى. تصير الصورة عنّا هي ‘ًالصورةً’ً مجدداً، فخر الحقيقة وناقلتها، لمّا تروح تستخدم كل طاقتها الهائلة لخلخلة تماسك العالم في أعيننا.
كنت لفترة قريبة ماضية، أقدر على التحديق في وجه أيّ عربي يحتضر، الآن أرى فيه وجهي الخاص مهما أفرطت في تنكري. من يؤاخذني على البكاء؟ إننا جميعا نملك عيوناً، لكن ثمة من يظل يحدق في نفس الصورة، ولا يملك دموعاً تسح ولا يعرف كيف يُغلق عينيه. يظل يُحدق بدون حب أو كراهية. أي تغييرات تحكم زاوية النظر الى الصورة، لا تتوقف، طبقاً للفهم، والمنطق، والموقف. ما أكثر ما يلتهب الدمع فتبزغ جمرة حزن لا تنطفىء. ما أكثر ما يقتل انسان ما، إنساناً آخر بوحشية وكان في إمكانه تركه يعيش بسلام. تبني إسرائيل جدارها العازل، ونرى اليه في الصورة كما لو أنه يجب أن يكون كما هو عليه، في حين تنبض تحت جلد فلسطين إهانة عالية غير مُضللة، وعندها أي قتل بشع وأي صور تمر أمام أعيننا. على نقّالة يُهدهدون حسني مبارك! من يُهدهد قلوبنا التي فقدت أرجلها؟
كان يمكن للأمم المتحدة صياغة جملة قانونية واحدة، تعلن إحدى ولادات القرن العسيرة، فقضية حرية الشعوب العربية واحدة من القضايا الواقعة على الحد ما بين العدل والجريمة. قضية شعب وأرض وقضية ضمير وشعور إنساني ومسؤولية أخلاقية لا ترزح تحت نقصانها. ما يميز صورة العربي المقهور ويجعلها بالغة ومتفردة على ما عداها من صور الشعوب، هو أن صاحبها لا يتوفر رغم القتل، على إرادة معلولة أو مطلب معلول. العربي يريد حريته، الحرية نفسها التي تثير جنون الإسرائيلي، والأمريكي، تثير جنون العالم الذي يتفرّج علينا، وصورتنا للأسف مُدعاة فُرجته الأشهى.