من الطبيعي وأنت تتمنى عيدا سعيدا لقريب أو حبيب أن تكتب له باللسان الذي تريد أو يريد، ومن الطبيعي أن ترتكب أخطاء لغوية في هذه التهاني ومن العيب أن تصلح خطأ لمن كتب لك بلسان فرنسي أو إنكليزي تهنئة فيها لحن.
الأمر نفسه قد يحدث أيضا في التهاني المكتوبة بالعربية الفصحى، قد يكون إصلاح الخطأ في هذه السياقات خطأ تواصليّا لأنّه يترك مضمون الرسالة وما فيها من المعاني إلى شكل الكتابة. ربما يعلّمنا العيد أن نتجاوز عن الأخطاء، وأن نتركها تمرّ تسامحا.
الخطأ اللغوي خارج سياقات الأعياد ليس مشكلا بالنسبة إلى من يتكلم لسانا غير لسانه الأمّ، وهو ليس مشكلا حتى في الأطر المدرسية. يمكن للمدرسة أن تتعامل مع أخطاء التعلم لا على أنّها مشكل، بل على أنّها أساس تبنى عليه المعارف بناء سليما. قال الأديب الفرنسي انطوان دي سانت اكزيبري Antoine de Saint-Exupéry (1900- 1944) «إنّ حقيقة الغد تتغذّى من خطأ الأمس». هذا القول صحيح ومجرّب في إنتاج المعارف والعلوم، ويمكن أن يكون صحيحا أيضا في مرحلة تلقّي المعرفة في المدرسة، بحكم أنّ المتعلّم جُبل على أن يتعلّم من بوابات كثيرة يكون الخطأ في أحيان كثيرة بوابتها الكبرى. لكنّ الساهرين على حظوظ التعليم والبيداغوجيا، قد لا يعتبرون ذلك من الحسّ السليم؛ لأنّهم يعتقدون أنّ المدرسة ومنذ تأسّسها تعمل بشعار مختلف تماما: إنّ حقيقة الغد التي سيكتسبها المتعلم ينبغي أن تقتل أخطاء الأمس التي ارتكبها، وإنّ بين الحقائق العلمية والخطأ ثأرا قديما لا يموت بالتقادم.
تحتاج المدرسة اليوم باحثين يؤمنون بأنّ الحقيقة بنت الخطأ، وبأنّ الخطأ المدرسي في أصله قد أحيط بتصوّرات هجّنته، وبأنّه من الممكن لو روّضنا تصوّراتنا وكيّفناها مع تمثّل بنّاء للخطأ، لاعتبرنا أنّه من «حقّ» المتعلم أن يخطئ قبل أن يصيب، وأنّ من «واجب» المدرسة أن تكفل له هذا الحقّ وألاّ تجعل من الخطأ سببا للعقاب، بل منفذا استراتيجيا إلى التعلّم المبني على أسس تجريبية سليمة.
حين تغيّر المدرسة رأينا في الخطأ من كونه عيبا ومدخلا إلى العقاب، ستتغير نظرتنا إلى الخطأ الاجتماعي الذي نرتكبه وسط خوف من العقاب، وحين نفلت من عقاب المجتمع نعتبر ذلك بطولة. ليس الخطأ بطولة، لكنّه أيضا ليس هزيمة قد يكون تحقيقا لتمثّل أو لتخطيط خاطئ، ومن الممكن أن نتعلّم منه إن وقعنا فيه وقوعا بالصدفة، أو سوء التقدير. بالطبع نحن لا نتحدّث هنا عن كسر القواعد وتجاوز القوانين بعد المعرفة بها، فهذا لا يعدّ خطأ، بل هو مخالفة أو انتهاك.
في المدرسة يكون جزء من دور المعلم الساهر على العملية التقييمية أن يؤمّن وصول المعارف والموادّ والمهارات بأشكال ملائمة إلى التلاميذ، وأن يراعي اختلافاتهم النفسية والاجتماعية وقدراتهم على تجاوز صعوبات التعلم والإشكالات التي تطرحها الموادّ موضوع التعلم. وهنا تطرح المدرسة وسائل لتقييم المعارف والمهارات تختلف بين التقليدية والبديلة أو الجديدة، لقياس درجات الاقتراب من تحقق الأهداف المضبوطة، أو الوصول إليها. وفي هذا السياق تطرح وسائل بديلة من الأولى، تحثّ على إبراز الإبداعية لدى المتعلم بأشكال مختلفة منها، أن يمتحن المتعلم دون أن يشعر بأنه يمتحن. يمكن أن نعتبر هذا الأسلوب والأساليب الشبيهة طرقا في التقييم، لكنّها لا يمكن أن تعتبر مناهج فيه لأنّ الأسلوب هو شكل محقق من المنهج الذي يقتضي وجود رؤى صريحة لها خلفيات نفسية واجتماعية وثقافية وفلسفية لا تقفز على المتعلم ومحيطه، بل تبني معه تصوّرا يراعي خصوصياته ولا ينفيه بعيدا عن مركزه النفسي، أو عن محيطه ذي الأبعاد المتعدّدة. إنّ في ذلك تاسيسا لمفهوم التلميذ المواطن.
في المدرسة يكون جزء من دور المعلم الساهر على العملية التقييمية أن يؤمّن وصول المعارف والموادّ والمهارات بأشكال ملائمة إلى التلاميذ، وأن يراعي اختلافاتهم النفسية والاجتماعية وقدراتهم على تجاوز صعوبات التعلم والإشكالات التي تطرحها الموادّ موضوع التعلم.
في المدرسة لا يمكن أن يقيّم الخطأ المدرسي تقييما صحيحا طالما أنّه لا يبحث عن الكيفية التي يحصل بها الممتحن المقيَّم على العدد. ولئن كان المنهج السوسيولوجي (الاجتماعي) قد جاء تحت ضغط تقليص الفوارق الاجتماعية والنأي بالمدرسة عمّا سمي بفبركة الفوارق الاجتماعية، فإنّه تصوّر يسقط آليّا ما يحدث في المجتمع على المدرسة إسقاطا ظالما. فالفوارق التي داخل المدرسة وهي في الأساس فوارق عرفانية ونفسية، تتعلق بتمثّل المادّة والتفاعل الذهني والنفسي مع ذلك التمثل وهذه معطيات وإن تدخّل فيها الانتماء الاجتماعي فإنه ينبغي أن لا يكون هو الفيصل. ثمّ إنّ المدرسة وإن كرّست فكرة شيطنة الخطأ، فإنّها لا تستمدّ تلك الشيطنة دائما من المجتمع الذي يمكن أن يوجد فيه أفراد يعيشون على إنتاج الخطأ ولا يطالهم العقاب.
نسبة كبيرة من الأخطاء المدرسية، يمكن أن تكون مسؤولية مشتركة بين من يقع في الخطأ والإطار العلمي أو البيداغوجي، غير أنّ من يخطئ هو الوحيد الذي يدفع تكاليف الخطأ. فإذا أخذنا على سبيل المثال أخطاء اللغة التي يرتكبها التلميذ المبتدئ في المدرسة، فإنّ نسبة منها نابعة من التأثر بالعاميّة، وفي مرحلة ما من مراحل التعلم، لا يدرك التلميذ المبتدئ الحدود التي تفصل بين لهجة ينجزها في كل مكان ولغة فصيحة ينجزها في المدرسة، ويسمعها في أفلام الكرتون المدبلجة أو يسمعها عرضيا في وسائل الإعلام. الحقّ أنّه ليس للمدرسة استراتيجيا في استفادة تدريس العربية النمطية من العامية المستعملة، وليس لمن يشرفون على التعليم في الغالب سياسة لغوية تحدّد العلاقة بين العربية والعاميات، أي ليس لها اختيارات واعية تخصّ العلاقة بين اللهجة (العامية) واللغة (العربية النمطية) وكيف يتعايشان في المجتمع وفي المدرسة، ولا يوجد تخطيط لغوي ولا تهيئة لغوية، بل ما زلنا نكتفي باعتبار العربية لغة، والعاميّة شيئا غريبا عنها يؤدّي استعمالها في المدرسة إلى خطأ يعاقب الممتحن عليه.
فعلى سبيل المثال لو كتب التلميذ (كانوا أقراني يلعبون) اعتبرها خطأ، وردّ ذلك إلى تسرب العامية إلى الفصحى، لكنّ هذا الذي تعتبره المدرسة خطأ لم تستطع المدرسة أن تصلحه رغم كمّ الساعات الذي توفّره، لأنّ هناك ضربا من غياب السياسات اللسانية التي تضبط الحدود وتحدّد العلاقات بين اللغة واللهجة. وفي المثال نفسه فإنّ قلّة المعرفة بلهجات العرب القديمة، ومعاقبة استعمال لهجي قديم لأنّه غير الاستعمال السائد هو الذي يجعل المدرسة تنحاز – عن علم أو عن جهل – إلى استعمال لهجي عربي قديم على حساب آخر. فقد ذكر سيبويه في الكتاب أنّ من العرب من يطابق في العدد بين الفعل والفاعل حين يكون الفعل في صدر الكلام، وهذه لغة سمّاها سيبويه لغة أكلوني البراغيث، وبها نزلت بعض آيات القرآن في قوله تعإلى (وأسرّوا النجوى الذين ظلموا).
وفي معالجة المدرسة للخطأ هناك غياب لما يسمّى البعد الورَعرفاني Métacognitive أو غيابه عن المناهج المعتمدة للتقويم. فعلى سبيل المثال ما يزال التلميذ وطالب الجامعة اليوم غير دقيق في الحكم على نسبة تحكمه في المعارف، أي بعبارة أبسط هو غير قادر على أن يتبيّن بنفسه مواطن ضعفه وقوته وأسبابهما، وهو غير عارف بأسرار الصعوبات التي لديه، وعن عاداته في التعلم، وما تزال هذه المعطيات ملكا على ذمة المشرفين على حظوظ المدرسة، فهم أيضا يتحكمون في قدرة الطلاب على التخطيط والتقويم، ولا يعتبرونه الطرف الأهمّ في الوعي بهذه المسائل
حين تتخلص المدرسة من أن تكون كالمجلس المسكوني الكنسيّ، أي حين لا تقصر النظر في المسائل التعليمية على الباحثين والمعلمين، دون اعتبار للمتعلم، وحين يصبح الخطأ في نظر هذا المجلس العلي غير مشيطن، بل يصبح طريقا يصحّح المعارف ويمتّنها، عندئذ ستصطف الحقيقة في طريق الخطأ لأنّ حقيقة اليوم وبما أنّها نسبية ستصبح خطأ الغد.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية