لحية صدام حسين ولسان المثقف أو المبدع (تذكيــر)
محمد المدلاوي المنبهيلحية صدام حسين ولسان المثقف أو المبدع (تذكيــر) وأنا أشاهد علي الشاشة يوم 14 كانون الاول (ديسمبر) 2003 يدي الطبيب العسكري الأمريكي الأصلع القُحف، المقفزتين، وهما تعبثان بلحية صدام حسين ـ بعد أن التحي مكرها لا بطل ـ وبشعر رأسه الأشعث الأغبر، ثم بفكّيه وأضراسه، كما يفعل البرغاز وهو يتفحّص ثنابا وأضراس دابّة معروضة للبيع، أو كما كان يفعل لاتفونديو و مزارعو حقول القطن الأمريكيون وهم يتفحصون أضراس العبيد المعروضين للبيع علي متن باخرة راسية في أحد شواطئ خليج فلوريدا وقد قدمتْ للتوّ من جزيرة سان ـ لوي السينغالية؛ وأنا أشاهد عيني صدام الحاضر ـ الغائب شاردتين في ذهول شرود عيني من نسيَ التاريخَ أو أُنسي ذكرَه، بعد أن لبث في الجحر كالجُرذ مالبث حسب الرواية الأمريكية الرسمية، كما لو أن صدمة من كان صدّاما فأضحي مصدوما قد أتلفت مساحة ذاكرة ذلك الصدّام المصدوم، وهو المغرم بالتاريخ، الناقش لاسمه ـ علي غرار سلفه البعيد حمورابي في بابل ـ علي كل لبنة من آجر قصوره البغدادية، والمدوِّنُ ترجمةَ حياته للأجيال في ثمانية عشر مجلدا، والمخلدُ لكريات دمه الحمراء بين دفتي وعلي صفحات مصحفه الدمويِّ المداد؛ وأنا أشاطر بني جلدتي من الآدميين عبر العالم مشاهدةَ أكبر بث وتوزيع لأبشع مشاهد الاهانة العمومية في التاريخ، قَفَزَتْ الي ذاكرتي علي التو مشاهدُ وأصداءٌ تَغوّلــتْ عليّ واحتدمت. تذكرت لحيتي الثمانينية ـ التسعينية وسؤال أحد الأشياخ لي يوما بشأنها في بهو الجامعة عما اذا كانت موضة أم التزاما؛ وتذكرت ما ساهمت به بعد ذلك تلك اللحية الملتبسة الدلالة من تعقيد عابر ذات يوم من أيام شتاء 1991 بمطار أورلي بباريس في غمرة الاستعدادات لحرب الخليج الأممية الأولي مما سأعود اليه. تذكرت، علي الخصوص، ابنتي، وكان عمرها حينئذ ما دون الأربع سنوات، لما التحقتْ بي أسرتي في باريس في صائفة 1991، فأخذتْ تردّد ذات يوم، في جرأة طفولية أمام اندهاش مستقـلّي عربة المترو بالعاصمة الفرنسية التي كانت سلطاتها الميــتيــرانية قد خرجت علي التوّ من حرب العراق الأولي، قولها: ازطمْ، ازطمْ، ياصدّام!؛ ازطمْ، ازطمْ ياصدّام! . تذكرت الحرج الذي سبّبه لي ذلك الانعكاسُ البريء للسان حال الشارع المغربي، بمسيراته المليونية، علي لسان طفلة ما دون الرابعة، وأنا في عُقر دار من خاضوا الحرب ضد البطل، دار من تصدّتْ سلطاتُهم الادارية بحزم لمنع موجة طلبات تسجيل المواليد الجدد من الذكور في صفوف المهاجرين باسم صدّام . تذكرت ذلك الحرج الذي انتابني أنا الذي خضعتُ قبل شهرين من تلك الواقعة لحوالي ساعة من الاستنطاق لدي المصالح الخاصة بمطار أورلي لمجرّد أنّ جواز سفري كان يُزيّنه ـ بمحض الصدفة ـ نسران في صفحتين متقابلتين: نسرُ التأشيرة العراقية بمناسبة سفري الي بغداد في احدي دورات مُلتقي المربد، ونسرُ التأشيرة الأمريكية بمناسبة اقامة بحث باحدي الجامعات الأمريكية حوالي سنة بعد زيارة بغداد، وهي الاقامة التي عايشت خلالها استعدادات الأمريكيين بقيادة بوش الأب للحرب العراقية الأولي، استعدادات بين ظهرانهم، وعلي طريقتهم، بما في تلك الطريقة من حملات اشهارية موسيقية في باحات الجامعات قصد حشد الانخراط في سلك الجندية من جهة، ومظاهر المناهضة المدنية للحرب في نفس الوقت من جهة ثانية علي شكل مظاهرات ومحاضرات من قبيل المحاضرة المحشرية العملاقة للعالم نوام تشومسكي بمدينة نيوهامشاير التي ندد فيها بالسياسة الخارجية الأمريكية بصفة عامة، وبما في ذلك مما كان يعلقه ذلك الأستاذ الجامعي العراقي كل صباح علي جدار الاعلانات بباحة جامعة أمهارست من مختارات الجذاذات الصحافية المنددة بالاستعدادات الحربية الأمريكية، وذلك في جو نظام للحريات يستعصي علي الفهم بالنسبة لبعض الخطاطات الفكرية الاختزالية.تذكرت بالخصوص، وعن طريق التداعي، بعض مشاهد وفصول تلك الرحلة البغدادية التي سبقت الاقامة العلمية بالعالم الجديد. كان الفضاء هو قصر المؤتمرات ببغداد، غير بعيد عن فندق الرشيد، حيث كانت تنزل فئة قـُطرية من نوع كائنات قومية موسمية، كان يعرف الواحد منهم في بغداد حينئذ باسم الأخ المربدي ؛ وهي تسمية تـُجمَع علي مرابدة (فزِدْ في علمك، حفظك الله). وشاء اتفاق دافع الفضول، وسخرية الأقدار، أن أشاطر تلك الكائنات، لأول مرة في ذلك الموسم المربدي من نهاية الثمانينات، صفتـَهم المربدية تلك، وعالمهم القومي الموسمي ذاك، بالرغم من أنه لم تكن لي أي صفة من صفات شروط الانتماء الطوطمي لذلك العالم الفاوسطي (faustien)؛ اذ لم يكن بيني وبين النـقد ولا الابداع، اللذين يخولان لأصحابهما تلك الصفة، الا مسافات من الخير والاحسان، وحسن الجوار، وما يفرضه كل ذلك من آيات التيساع وكمشات التـيقار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. كانت الكائنات المربدية في تلك الصبيحة البغدادية موزعة، كالعادة، ما بين المقصف لتناول ما تيسّر من المرطِّبات من حين لآخر، وبين جنبات القبة الفارهة لقصر المؤتمرات حيث كان يغطس الواحد من تلك الكائنات في ثنايا أحضان أريكة أرجوانية اللون، مخمليّة القماش، تحت الوقع الصارخ والفجّ للأضواء الكاشفة، المنبعثة من كل صوب، وذلك لسماع طوابير محترفي مهنة الشعر وممتهنيه من المربديّين الذين يتجشؤون قوافيهم البيترودولارية، وتنثر أشداقهم المطّاطية زبدَ ورذاذ نقائضهم المربدية، ليس ضدّ جرير، ولا ضد الفرزدق، ولا ضدّ نُمير، ولا ضد كعب، ولا ضد كلاب، ولا ضد أنف الناقة، ولكن ضد… العدوّ الفارسي الذي يجثم بكلكله علي بلاد عربستان، وتمجيدًا لبطل أمّ المعارك، معركة الفاو الحاسمة، التي كانت قد وضعت أوزارها علي التو، والتي حصل للمربديين شرفُ الوقوف علي أرض معركتها الكافكاوية، التي تجلّ بفظاعات منظرها عن الوصف. انه البطل صدّام. ازطمْ، ازطمْ، ياصدّام!وقد كان من بين من بايعتْ قوافيه وتفعيلاتـُـه غير العمودية، تحت سقف تلك القبة المشهودة، بطلَ القادسية والفاو، القائد صدّام، في ذلك العرس المربدي الذي لا يقلّ كافكاوية عن أرض معركة الفاو، شاعرٌ فــذٌّ كان قد قضي ما كان قد ولّي من عمره في مبايعة ألف غانية وغانية، ما بين أنت لي ، و طفولة نهد ، و قالت لي السمراء . نذكره اليوم مع ذلك باحسان، وعن صدق نية لأن التاريخ يذكره وسيذكره، بعد أن لبّي نداء دار البقاء، باعتباره، مهما كان الأمر، آخر أمراء القوافي لهذا الجيل من أمّة ضحكت من تيهها الأمم، وآخر الشعراء الحقيقيين الذين لم يتخذوا من بردعة التشعرر والشعرورية ورقة يقطين لستر عورة البؤس الفكري والعقم الابداعي، والشعوذة والشرلطانية الثقافية.واصل الشاعرُ المبايعُ الصدحَ بقوافي قصيدته التي كان عنوانها: يا أيها الرجل! ؛ وما أدراك من هو الرجلُ! ومن عسي أن يكون الرجل، من غير صدّام؟ والحال أن الشاعر كان قد قضي العمر في مدح ألف غانية وغانية، فلما التفت الي التغزل بجنس الرجل عمد الي تعريف كلمة رجل بلام تعريفٍ جنسية تستغرق جنسَ ما تدخُل عليه، فلم يقل: يارجلُ باستعمال النكرة المقصودة (فزد علما، حفظك الله!). وما أن وصل صُداح الشاعر المتغزل مادحا، والمادح متغزلا، الي المسلك الذي يقول فيه ويدخل صدّام! ويدخل صدّام! حتي ُشرِعَ بابُ الوفود الرسمية للقاعة؛ فاذا به هو، هو عينه، أي صدّام نفسه، يدخل فعلا لحما ودما، وعظاما ولحما، ببذلته العسكرية الداكنة الخضرة! أمام انبهار المرابدة الأمجاد، الذين هبوا مصفقين تصفيقا مرعدا ومدويا لهذا الاتفاق البديع بين القافية الملحمية ووقع الحذاء العسكري. تقدم صدّام متحركا في قلب درع متحرك من الحرس الشداد الغلاظ، يتطاير الشرر من أعينهم، بينما يبتسم صدّام غير عابئ بوجودهم، وهو يبحث لنفسه تحت وابل التصفيقات عن مقعد في الصف الأمامي، الي جانب أبناء الشعب، بعيدا عن كل بروتوكول! كانت حرارة التصفيقات وحدتها تُنجِّــم قصيدَ الشاعر، تفعيلةً بعد تفعيلةً. وما أن أنهي الشاعرُ أداءَ دوره ورقمه حتي ذُعِرَ الناس لمّا قصف أسماعَهم صوتٌ هيستيري انطلق من احدي الجنبات الخلفية للقاعة مردّدا شعارات حماسية جنونية باللهجة العربية لبلاد الرافدين احتفاءً بالرجل الصدام الذي يقتحم صدي صدماته عقرَ الأكباد اذا لم يجد علي الألسنة، أو حتي في القلوب، صديً لملاحم أمجاده البابلية القادسية الفاوية. علمنا بعد خروجنا من القاعة بأن الزمن والحركة كانا قد تجمدا في برهة جليدية منذ ما يقرب من نصف ساعة قبل دخول صدّام وطيلة الفترة التي قضاها يستمع الي قريض المبايعين. وقد بقي، بحكم ذلك التجمد الجليدي، أحدُ زملائنا طيلة تلك المدة حبيس فضاء بيت الراحة! حيث صادفته الأقدار لمّا قُضي الأمرُ بأن يتجمّد كل كائن في النقطة والسمت والوضعية التي كانت من حظه تحت قبة السماء لما سامَـت النجمُ البابلي قبةَ قصر المؤتمرات.تذكرت ذلك الوجه المشرق، البشوش، الوضاح، الذي أحبه المبدعون والنقاد كما أحبوا نعمه ولو علي شكل مجرد مأكولات ومرطبات بفنادق الرشيد، والمنصور، وميرامار، وشيراتون؛ وتذكرت صوره العملاقة التي كانت الواحدة منها تشغل صفحة واجهة خلفية كاملة لبعض عمارات بغداد. تذكرت كذلك أوجه المفارقة الدائمة ما بين مظاهر سياسة القرب كما عبر عنها اخراج وصلة قصر المؤتمرات، وواقع شعور الرهبة والخوف المستولي علي الأكباد، من كركوك والموصل، والبصرة الي العاصمة بغداد. تذكرت من أوجه ذلك أن جواز السفر كانت تتمّ مصادرتُه من صاحبه بمجرد حلوله بمطار بغداد، وكان المرابدة يجدون ذلك عاديا؛ فمن يهُـن يسهُـل الهوانُ عليه. وتذكرت أني طلبت يوما من أحد المواطنين ممن توسمت فيهم عدم النقمة علي المرابدة وعلي عربدتهم في فنادق الرشيد، وشيراتون وميرامار، والمنصور وعلي أرصفة شارع السعدون، أن يلتقط لي صورة علي احدي قناطر دجلة قرب كورنيش أبي نواس فأجاب: لا ياأخي؛ أنا آسف؛ خاف اتوّرط . انه يخاف أن يتورط ان هو أخذ لي صورة في مكان عمومي! تذكرت كذلك جولتي في شوارع بغداد، وما يتولد خلالها من مشاعر البؤس والحصار، والرعب والارهاب. فأما الارهاب فكان يتجلّي بالنسبة لي في السلوك العدواني لأصحاب السيارات الذين لايسمحون للراجلين بقطع الطريق الذي يعتبر عُــبُــوره هناك في كل مرة مغامرة جديدة بالنفس. وأما الحصار، فمن حيث أنك نكرة مجردٌ من وثائق هويتك. وذلك التجريد ليس من حيث أن القانون العراقي لا يُلزم المتجول بحمل بطاقة الهوية فيـُكتـفي، عند اقتضاء المساءلة، اذا ما حدث حادث، بأخذ المعلومات المصرَّح بها، والتصديق بها بناء علي تصريح ضمني بالشرف علي صدقها يفترضه القانون، كما هو معمول به مثلا، وكما خبرته شخصيا في أمريكا لما ضللـت السبيل الي منزلي في أول ليلة حللت بها في مدينة أمهارست الجامعية فأوصلتني دورية الأمن بعد أن طلبتْ مني التصريح بمعلومات عن هويتي ووضعيتي دون تطلب وثائق. ليس الأمر كذلك، ولكن لأن وثائقك هناك، في بغداد، تُعتقل في المطار، وتسلم لك جُذاذة مكانها يتعين عليك الاحتفاظ بها كلافتة المواليد الجدد ان أنت أردت ألا تصبح بين عشية وضحاها من بين مجهولي المصير ما دمت قد أصبحت مجهول الهوية.أنت محاصر أيضا من حيث أنك محروم من العثور في كامل بغداد، التي تقاطعت فيها يوما سُبل حضارات المشرق والمغرب، والشمال والجنوب، علي صحيفة أو مجلة أجنبية، وأنت من تعودت في مغرب ذلك الحين ـ الذي لم تكن تري فيه، مع ذلك من قبل، سوي سجن كبير ـ علي الاختيار بين عناوين صحافة الشرق بما فيها صحافة العراق، وصحافة الغرب من فرانكوفونية وأنجلوفونية.وأنت محاصر أيضا من حيث ان الناس ينظرون شزْراً الي هيئتك السياحية الصفيقة، لأن سنين الحرب وأشياء أخري، قد ميزت قسماتِ أوجههم المشظوفة عن أوجه الكائنات المربدية التي كان نزُق التهافت يتطاير من أعينها الغبية. ولقد كان للحصار وجه آخر: في كل صباح، تقتحم عليك غُرفتـَـكَ من أسفل دفة الباب رزمةٌ من الصحف البغدادية، وغير البغدادية تقول كلها نفس الشيء عن الأخ الرئيس، وعن أم المعارك، وعن القادسية، وعن ملتقي المربد ونشاط المرابدة وتصريحاتهم الغبية، وهو نفس ما يعاود اقتحامَ غرفتك عليك ليلا من خلال نافذة الشاشة التي تشاهد من خلالها ليلا ما تكون قد عايشته حيّا بالنهار. ذات يوم من أيام ذلك الملتقي المربدي المعربد، يقوم أحد أبناء صدّام، ولعله عديّ، بصقر أحد الضباط صقراً قاضيا بعصا من العصي علي رأسه فأرداه قتيلا في الحال، كما يقتل الثعبان؛ فبادر صدّام، علي الفور، بــ اعتقال ابنه بنفسه في منزله، خوفا من أن يؤدي حُبّ الشعب لعشيرة الرئيس التكريتية كافة الي افلات القاتل من صرامة العقاب، وذلك اذا ما ترك لتتولي العدالة أمرَه ـ كما بيـّـنـتْ ذلك الصحافةُ وشرحتْه، فافهم واستزدْ علما حفظك الله! وفي الغداة، قرأ المربديون في رزمة الصحف المسربة من تحت باب الغرفة كالعادة رسالةً مفتوحة من وزير العدل، حادّة اللهجة وهي موجهة الي رئيس الجمهورية وتقول من بين ما تقول في جرأة نادرة وبلغة رفاقية تضرب صفحا عن بروتوكولات الخطاب: يا صدّام! اننا نخاف علي ابنك من صرامة عدلك . وبعد يوم آخر أو يومين، قرأ المرابدة من جديد في الصحف بأن عشيرة الضابط المقتول بضربة عصا كالثعبان قد حطت رحالها وخيمت في فناء قصر الرئيس مطالبة اياه بما لا يقلّ عن … الافراج فورا عن الابن القاتل، لأنها تعلم، كما بينت ذلك الصحف، بأنه قد فعل ما فعل تحت وطأة الغضب، وهو فتي في مقتبل الشباب، فافهم من جديد واستزد فهما! وفي اطار هذه المزايدات الغرائبية، تحرك بعض المرابدة الوافدين من مغرب الشمس، من الراسخين في برصة المربدة، وذلك قصد استصدار موقف استعطافي يوجَّه للرئيس من طرف ما اعتبروه وفدا مغربيا يدّعون تمثيله، لولا أن البعض الآخر قد نبّههم الي أن الناس من الكائنات القومية الموسمية المغربية كانت قد حجّـت الي المربد في ذلك الموسم فرادي وليس كوفد.كان المرابدة يقضون سحابة يومهم ما بين قاعات المؤتمرات، حيث يتناوبون ما بين مقارعة العدو الفارسي بشظايا القوافي، وبين الملاكمة البُــنيوية بين النقاد، وبين أبهاء فنادق سلسلة أوبروي Aurberway ، وبين زيارة المقامات الرسمية والتسابق كل مرة لاستمالة العدسات الاعلامية قصد الادلاء ـ باسم هذا الطرف أو ذاك وبدون علمه ـ ببعض الانطباعات، وبكل ما من شأنه أن يخدم القضية المصيرية للأمة؛ ناهيك عن الاختلاء، هنا وهناك، للحديث عن المِنـَح المربدية، وعن أحوال عُملة الدولار في السوق السوداء، وذلك في عتمة المقاصف الفندقية، أو في مقاهي ومجعـّـات شارع السعدون أو في الرصافة أو الكرخ، قبل أن تُحلّ مواعدُ الموائد بالفنادق. هناك يتحول المرابدة ـ وأغلبهم من ذوي ثقافات رعوية ـ الي باشاوات، وافنديات، وبارونات، ينادون علي النادلين ـ وأغلبهم مغاربة ـ بالضرب علي الكفين مرتين؛ ويحتجّون في نخوة البارونات، علي أي تهاون في الخدمة، مقارنين في ذلك الباب ـ كالعارفين بالأصول والتقاليد الجانتيلمانية ـ ما بين فنادق اليمن، ومصر، والعراق، و … باريس. هناك يصبح الجميع، بقدرة قادر، من عشاق فالزيات شتراوس، وليليات شوبان، وصوناتات موزارت، بدليل أن المرابدة كانوا يحرصون علي التصفيق بأكفهم الملطخة بالمرق، وأشداقهم منشغلة بالطحن والمضغ، وذلك كلما أنهي الكونسيرتو البئيس معزوفة من المعزوفات. واني لأذكر يوما كان قد استبدّ بي شعور الخزي من تفاهة سعينا جميعا في عبث ذلك الفضاء المربدي، خصوصا وأني لم أصحب معي من زاد المطالعة ما ينتشلني من ذلك العالم الاّ سيــدّور صغير عبري ـ اسباني كنت أطل من خلاله علي ثقافة أخري، أذكر أني ضبطت زميلنا الأستاذ محمد مفتاح وحيدا باحدي زوايا بهو فندق الرشيد، وهو مطرقٌ اطراقاته الصوفية المعهودة، فاستفتحته في رأيه في مظاهر التفاهة التي كانت تطبع سعينا في ذلك الفضاء، فاستقر رأينا معا علي ما معناه أن أمام المرء من طينتنا المهنية تجاه ذلك القبيل من السوسيولوجيا المهنية خياران أحلاهما مرّ. ولقد اخترت، بعد تلك التجربة الخاصة، الخيار المّر الثاني. فباستثناء حجر في حجم الفِـهر، كنت قد التقطتُه من علي أديم الأرض في بابل الغبراء كتذكار عن هذه المدينة الأسطورية، والذي أثار بُعيد ذلك فُضولَ رجال المصالح الجمركية في مطار أورلي خلال ترانزيت رحلة العودة، خصوصا وأن انتفاضة الحجارة الأولي كانت قد انطلقت، لم تـغرني أكوام الكتب المجانية المكومة أرضاً بــ مركز الكتاب ، والتي تهافت عليها كثير من المربديين في لهفةِ مَن لا يصمد أمام أي شيء مما هو مجّاني، ولو كان خُفَّ حنين أو حزام حداءة؛ أولئك الذين تراهم يتحركون بين أكوام الكتب المكومة من مؤلفات القائد في الاشتراكية، وفي الدفاع، وفي الاقتصاد، وفي القومية، وفي الأسرة، وفي التربية، وفي الفن، وفي اللغة، وفي الأدب، وأيديهم تجمع من غنائم الكتب المجانية ما تجمع، وأرجلهم تدوس ما لم تجمعه أيديهم، كما يتحرك ممتهنو التميـليـخ من منتجعي قمامة الدار البيضاء بين تضاريس تلك المزبلة، يحرّكُهم نهمُ جمعِ أكبر ما يمكن من كل ما يُعرض مجانا.والآن؛ والآن، وقد غلبتْ الروم، وهم من بعد غلبهم سيغلبون ، وهي آية كنت قد استهللت بها مقالا مطولا بمناسبة الهجوم علي أمريكا في عقر دارها وعصب حضارتها، مركز التجارة العالمي، وأشرتُ حينئذ الي أن للآية قراءتين بمعنيين تاريخيين مختلفين، حسب امكانيات البناء للمعلوم أو المجهول (غَلبتْ… سيُغلـَـبون؛ أو غُلبت… سيَغلـِـبون)، والآن وقد استحال الصدّام الي مصدوم، واستحال الأسد الصائل الي قطّ ذهول تائه النظرات رسّخـه الاخراج الهوليودي في قطّيته؛ والآن، وذلك الرجل لم يعد من كان ينادي عليه بــ يا أيها الرجل ويتغزّل به من أفني العمرَ في مدح النساء؛ والآن وقد هبّ سدنةُ سجلات النسب الشريف الي تبرئة آل بوش من اهانة سبط من أسباط الرسول، بأن قاموا الآن ـ والآن فقط، بعد أن تأكدوا من أن صدّام لن يعود كما يعود المهدي من سردابه ـ بــفضح تزوير هذا المغامر العاثر الحظ لشجرة الأنساب برفعها الي آل البيت، مذكرين بأن النسّابين كانوا دائما من النصّابين الذين تكون شهاداتهم دائما لصالح الغالب المنتصر ما دام له البأس والغلب، وبأنهم متي أخفق المغامر نسبوه الي الخارجين أو الي الخوارج أو المتنبئة الأفاكين؛ والآن، وقد خرج صدّام من الجُحر كالجُرذ، وهو مطلوب أمام العدالة، لا بهيبة بينوشي، ولا بوقار ميلوسيفيتش، ولكن بمهانة يوغورطة؛ الآن، وقد استلّ منقار النسر الأمريكي كبدَ النسر العراقي من علي صفحتي جواز سفري الذي كان قد سبب لي متاعب في مطار أورلي بباريس بسبب مشهد نسريه المتقابلين، النسر الأشوري والنسر الانكلوساكسوني؛ الآن وشعار حقوق الانسان الذي كان قد روّجه جيمي كارتر كمحدد فعلي أو مزعوم للسياسة الأمريكية قد آل الي ما آل اليه مع مشهد التمثيل أمام العالمين برئيس دولة سابق هو أسير حرب؛ والآن والقانون الدولي لِمَا بعد الحرب الباردة قد استحال الي رهان قوة بين عشيرة آل بوش وعشيرة آل صدّام، ذلك الرهان الذي امتجزت في أطواره ضرورات المصلحة والقوة برمزيات الدين والقيم، حيث كتب صدّام الله اكبر علي رقعة العلم العراقي، الاشتراكي الملة والبعثي القماش، وحرص البوشان، من سَلَفٍ ومن خلفٍ، علي تناول وليمة الديك الرومي أو بيـبي (turkey) لــ عيد الشكر المسيحي الأمريكي (thanksgiving holiday) علي أبواب مكة المكرمة، أثناء الاعداد للحرب الأولي بالنسبة للأب جورج، وفي قلب بغداد علي اثر انتهاء الحرب الثانية بالنسبة للنجل جورج دبليو؛ ذلك الرهان الجهنمي الذي كان قد بدأ قبل غزو الكويت بكثير، اذا ما تذكر المرابدة والناس أجمعون قصة قطع غيار ذلك المدفع العملاق التي كانت قد دشنتْ بها المصالح الانكليزية الخاصةُ الوجهَ الأقدم لقصة أسلحة الدمار الشامل ، وذلك قبل غزو الكويت، وقبل تطور الصنائع الأمريكية في أفغانستان الي رجال دولة الطالبان، ثم الي قاعدة عالمية؛ تلك القصة الجهنمية التي تراوحت وتطورت أوجهها ما بين الرؤوس النووية ، وغبار الانتراكس الخبيث، والغازات السامة، والتي علي أساس البحث عنها وتدميرها عبأ جورج والكر بوش أو جورج الثاني، قلب الأسد رأيه العام الداخلي والرأي العام الدولي لتبرير دخول الروم الي بلاد نبوخذ نصر، قبل أن يُنهي حملته الجنكيزخانية النظيفة بالاقتصار علي تقديم رأس صدّام الأشعت الأغبر للعالمين خارجا من الجحر كدليل بديل عن ما لم يـُثـبـت وُجودَه هانس بليكس لما كان علي رأس فريق الخبراء الأمميين، وقبل أن ينصب جورج الثاني نفسه، كأي قائد عربي، وصيّا علي الديموقراطية في بلاد حمورابي. لقد أصبحت المسألة مسألة رسالة حضارية بعد أن لم يعد أحدٌ يسائله عن قصة أسلحة الدمار الشامل، ولا عن نية صدّام في انتاجها، بما أن كوريا الشمالية قد أثبتت، باللـكْمِ والتعنيف في تنـبـيه غفلة الغافلين، وليس بالاشارة و الغمز، بأن ما يؤرّق آل بوش ليس هو أسلحة الدمار، وهم الذين رسَخوا في المعاملات النفطية قبل أن يترجموا تلك المعاملات الي لغة السياسة، ويترجموا لغة السياسة الي تعابيرها الحربية البليغة.فلا غرو اذا خرج بوش للحرب في حملته ضد محور الشر باحثا عن آثار أسلحة الدمار، ثم عاد بصيد يتمثل في رأس بارون دولة بترولية كهدية عيد ميلاد المسيح، فقد جمع سلفُه كريستوف كولومب المال من الممولين، وجهّز الرجال علي أساس أن يعّبـد طريق البحر المؤمنة للتجارة العالمية نحو الهند عن طريق اتجاه الغرب، فعـــــاد بعد أشهر وقــــد فتح مخازن خيرات أرض عالم جديد أمام التاج الرومي، وسـنّ سُـنــّة عيد الشكر Thanksgiving المتمثل في مأدبة الديك الرومي، الذي وجد أسرابـَه في استقباله بأرض أمريكا، قبل أن يبدأ في نشر رسالة الديموقراطية في صفوف قبائل الهنود الحمر؛الآن، وقد أفضي الرهان الي ما أفضي اليه، وأصبحت معاملة جزار بغداد من طرف دولة بطولة حقوق الانسان تطرح أمام العالم حالة من حالات حقوق الانسان في الكرامة الشخصية والجماعية لم يشهد لها التاريخ مثيلا من حيث التشهير والتمثيل، ومن حيث استعراض سادية الدولة من خلال ذلك العنف والارهاب الرمزيين اللذين مورسا يوم 14 كانون الاول (ديسمبر) 2003 أمام أنظار العالمِـين من خلال ذلك العبث المرضي الباتولوجي برأس ديكتاتور كان يمارس في الخفاء نفس الأساليب فيمدحه المرابدة في العلن، نتساءل في النهاية ماذا فعل الله بهذه الفصيلة من جهابذة النقد والابداع والقافية؟ وأين هم اليوم مما يجري ويدور؟ أما أحدهم، فقد خرق الصمت بعد أن أخذت الأحوال تسوء، ولكن قبل أن يُبرَم الأمرُ، وتُحسمَ المصائرُ، ويشطَّب من سجل الأشراف علي اسم من ادعي بأنه خلف صلاح الدين ، فقال ذلك المربدي الأول من بين ما قال في مقال مطول: أما أنا فلست بخالع صاحبي ، ثم لم نسمع له ولا لغيره بعد ذلك صدي في هذا الباب.فها هي ذي العناصر المأساوية الواقعية للتراجيديا، لكن أين هو الابداع؟ ابداع المرابدة، والابداع أضعف الايمان؛ الابداع، وليس الشعوذة. هكذا يتأكد بأن التراجيديا، كسلوك وانفعال تاريخيين رياضةٌ وبضاعة من هذه الديار؛ أما الابداع الدرامي، كخلق وابداع فموهبة من مواهب تلك الديار. وان لم تصدق، فسل حنّا بعل بعد معركة زاما ، وسل يوغرطة ، وسل نبوخذ نصر ، و عايدة ؛ ثم سائل من خــــلّد تراجيديات هؤلاء. سل اوبرا فيردي ومسرح شكسبير ؛ وربما ستخلد هوليود غدا تراجيديا صدّام بطرقها الاختزالية الخاصة. أما المرابدة وابداعهم، و بـُنــيويتهم ، وفلسفتهم المتخصصة في الأيديولوجية المعاصرة لهذا الجنـــس، أو في عقل ذلك الرهط، فيبدو أن تلك أمة قد خلت، علـــيها ما اكتسبت، ولاشيء قد كسبت.ہ اكاديمي وكاتب من المغرب8