علي حسن الفوازكلما تكتب لطفية الدليمي تثير حولها الكثير من الاسئلة، اسئلة في جنسانية الجندر، وفي طبيعة الكتابة، وفي اغواءات المتن النصي الذي يستدعي السجال والجدل والخلافية في الرؤى. انها تكتب لحظة وعيها الظاهراتي الذي يختزل احتجاجها، حيث تصطدم دائما بما هو سكوني، وما هو قار في الصناديق السرية للمرأة العراقية المثقفة، عبر الاستغراق في تاريخ خوفها واحتجاجها ومتاهات يومياتها. فهل كانت لطفية الدليمي كاتبة ثورات داخلية في سيرة الجندر الانثوي لهذه المرأة؟ ام هي كاتبة تصطاد رؤيتها من خلال ما تثيره وما تحرضه من ارتكابات تتجاوز ميثولوجيا الخطيئة القديمة الى (خطيئات) تصنعها الازمات والمحن والحروب والاغترابات العميقة؟ وكيف استطاعت ان تقف ببطلتها المثقفة المغتربة بوعيها امام عالم جديد، سقطت فيه الكثير من الاقنعة، واقتربت فيه من جحيم حرب لم تألفها، واغتراب لم يستوعب قلق يومياتها، بل يضعها عند حرائق يوميات ضاجة بوقائع الاحتلال والارهاب والنفي الداخلي، تلك التي تشبه حرائق الجسد والامكنة؟
في روايتها الجديدة ‘سيدات زحل’ الصادرة عن ‘دار فضاءات للنشر والتوزيع’ ـ عمان في 342 صفحة من القطع المتوسط، تواصل لطفية الدليمي هذه اللعبة المثيرة، لعبة البحث والكشف والمواجهة واستنبات الاسئلة، واستعادة القوة الغائبة.. تفتح لطفية الدليمي بوابات اكثر من جحيم، بدءا من جحيم المكان والجندر والهوية، وصولا الى جحيم الجسد، وجحيم المواجهات الذي يضع كائناتها المتخيلة والواقعية التي تعيش انكساراتها واحلامها واغترابها امام ورطة الواقع تماما، بكل ما يحمله من يوميات مجهضة ومناف صغيرة، اذ يتحول العراق من مكان سسيوسياسي الى مكان غائم، شاحب له قوام تلك المنافي. صورة الجحيم تتلبس هذا المكان، وتسبغ عليه الكثير من الاغترابات التي تضع تاريخه السحري، الميثولوجي امام رعب اليوميات وفصولها الدامية، وتضع سيرة ابطالها الواقعيين امام اغواءات مفترضة للمتخيل السردي، اذ تشكل الروائية من خلال هذه الثنائية ملامح غامرة لسيروة زمنها السردي المفتوح على سلسلة من (الزمانات) الميتاواقعية، وترسم لاستيهام بطلاتها نوعا من (الحكي) الذي يستعير من الميثولوجيا والسيرة اغواءات بوحها السري، البوح الذي يواجه الموت (موت شهرزاد / الانثى) والذي يجعل من عوالمها السرية وكأنها صورة متخيلة لعوالم صراعاتها وحروبها، اذ تستغور من خلالها الكثير من تفاصيل عوالم نسائها، العوالم التي يكون فيها الكائن/ من الكينونة امام رعب الاخرين، حيث تؤسس اقداره ومصائره، والتي يستجلب لها نوعا من القوة العميقة، اذ رغم ما يحوط هذا الكائن من رعب ينتهك فيه انسانيته ويشوه تجلياته الروحية، فانه يصطنع له نوعا من (المقاومة) الداخلية التي يستشرف من خلالها انسانيته المغيبة. واذ تكشف الرواية عبر سلسلة من الحكايات ابطالا يواجهون هذا الرعب الذي يمتد من الاسطورة والتاريخ الى الزمن اليومي، فانها تضع بالمقابل صياغة متخيلة لمستويات حكائية تتسع مستوياتها وتعالقاتها مع الواقع بما يناسب اثراء فاعلية السرد ضمن سلسلة من التعاقب الذي يضع لعبة الحكي، وكأنها محاولة في امساك الزمن الواقعي وتلمس ما يمور فيه من دلالات توازي ما هو عالق بالزمن الروائي، حيث تتحول بؤرة السرد الى مهارة في اختزال الحكي، وتماه مع وظيفته في اصطناع مواجهات تتناهى من خلالها القوة العميقة للكائن / الانثى وهي تواجه ازمات مصيرها ووجودها، أي ان هذه القوة العميقة التي نلمحها في اغلب روايات لطفية الدليمي تبدو وكأنها مقابل تعويضي لمواجهة فكرة الاغتراب الوجودي والاغتراب الجسدي الذي يلاحق بطلاتها دائما.. في هذه الرواية لا يجد ابطالها فكاكا من مواجهة الطغاة والظلم والاغتراب سوى التوهم بفراديس غائبة، هي فراديس وعيها الداخلي، والذي يعادل في سيرورته ما هو مقابل لثنائية تعويضية اشباعية للحضور ازاء الغياب، او الحياة ازاء الموت، او الفردوس ازاء الجحيم، وكأنها تقول في هذا السياق ان هؤلاء الابطال / البطلات هنّ ضحايا لمصائرهن واقدارهن التي ظلت ميثولوجيا الرعب العراقي تمارس صناعتها بامتياز، لكنهنّ بالمقابل يملكن القوة الداخلية لصناعة المقاومة العميقة. قيدار البابلي ليس سادنا للفردوس وحارسه الاثير في هذه الرواية، بقدر ما هو الشاهد الرائي على ما يحلم به الكائن، وما يتوق اليه من حياة تتجاوز ما كانت ترويه حياة البابلي (امينة سر قيدار) في حكاياتها الغرائبية التي تمثل وجها لحكايات الكاتبة ذاتها وهي ترتدي قناع (حياة البابلي) لتحكي ليالي جحيمها في الماضي والحاضر، اذ تصطنع عبر هذا القناع حكاية الزمن العراقي في سياقات ليال حكائية تتأسطر فيها لحظة الماضي المغتربة عن حاضرها، او ربما تستعيد ما يقابلها من اوهام للتطهر الذي يضع الانسان / الكائن المشدود الى الحرية امام شواهد اضطرارية لموت حريته، او امام ايهامات لحظته العاشقة الطافحة بالشهوات، وكأن الكاتبة ارادت من خلال هذا التركيب السردي ان تضع بطلتها حياة – التي تكرر اسمها في روايات لطفية الدليمي – امام لعبة تعويضية هي الحكي، الذي لا يشابه حكي شهرزاد، لكنه يماثله في التعويض الرمزي الاشباعي الذي يضع لغة السرد وتخيلاتها في سياق التعبير عن اللحظة الفادحة للوجود، والاستغراق في الكشف عن تجليات ما هو غائب في اعماق لذتها العالقة منذ اول العصور، وفي رمزيتها التي تختصر كل تاريخ الحزن الطويل الذي تعيش المرأة حرائقه الساحرة والمسحورة.. هذه الرواية هي شهادة سردية عن سرانية الزمن العراقي، اذ تتوغل الكاتبة كما هو ديدنها في كتابتها في عوالم هذا الزمن واستلاباته العميقة، مثلما تتوغل عميقا في العوالم الداخلية لبطلاتها، اللائي يبحثن عن ذاتهنّ ووجودهنّ وعن احلامهن المجهضة. واذ تستعيد الروائية قراءة هذا الزمن عبر استعادة محمولات الشفرة الاسطورية في التاريخ العراقي البابلي، فانها تمارس من خلال هذه الاستعادة لعبة كشف لمحنة الانسان وهو يواجه الظلم والاغتراب والعزل والقتل. هذه الرواية هي تدوين لمواجهة الانسان سرائر موته، وتوغل عميق في البحث عن القوة الاخلاقية التي قد تصنعها البطولة الانطولوجية للكائن وهو يدرك اسباب هذا الموت واقداره التي كثيرا ما يصنعها الطغاة والمحاربون والغزاة. لقد عمدت الكتابة في هذه الملحمة الروائية الى استجلاء ما يمكن ان تحمله المدونة السردية من قدرة استثنائية على توليف بنيات تخيلية مع بنيات واقعية، تحول فيها المستوى الدرامي الصراعي الى مستوى يقارب ما يمكن ان تهجس به الملاحم من صراعات لحيوات كبرى ومصائر كبرى، واحسب ان هذا التماثل ما بين الملحمة كمقترح لبنية سردية وبين التركيب الواقعي الدرامي لحيوات يومية، تلك التي تستعير من ميثولوجيا الواقع بعض تخيلاتها واسئلتها، وهو ما يضع هذه الرواية بمستوى تتجاوز ما كتبته الروائية في كتابتها السابقة، حيث تندغم البطلة اليومية بكل قلقها الانساني والجنسي مع شفرة ما تحمله البطلة الاسطورية بكل سحريتها وتعاليها، مثلما تتعالق مستويات الحكي بمستويات أخرى لما يتشظى من الاثر الاسطوري الذي تبدو مصائر ابطاله اكثر استغراقا في ثيمة الانسان الكوني الذي يبحث عن الحرية والعدل والسلام، في سياق تركيبة البنية الصراعية لثيمته مع ما يواجه من عوامل قهرية للموت والطغيان والاحتلال الذي يستلبه حقه في الوجود. لقد اخذتنا هذه الرواية الى فضاءاتها، والى سحرية تخيّل اسطورتها، التي يمكن ان نلمسها، والى حكايات بطلتها التي قد تشبه احيانا حكايات اغلب نسائنا الحالمات بالرجل الغائب، وتشظيات السيرة المغلولة بإشباعاتها الحسية، وربما تضعنا امام خلفيات نصيّة تجسد ازمة الانسان / الانثى ازاء وطأة الزمن، ووطأة الظلم وجحيمه، والتي لا فكاك منها سوى الهروب الى فراديسنا العالقة في ميثولوجياتنا، اذ تكون الكتابة هي التأويل وهي التعالق مع ما هو متخيل او مكتوب.
لطفية الدليمي في روايتها انحازت الى بطلتها المثقفة، اجلت امامها الرؤية لترى الامكنة العراقية بفرادسيها وجحيمها وكأنها هي المقابل التعويضي لكل ما يتساقط من احداث تترصد هذا الانسان المأخوذ الى احزانه ومصائره المكررة منذ الاف السنين. كاتب من سورية