لعبة الإعدامات في البحرين: المملكة تواصل قمع وإسكات المعارضين وتعيش على قنبلة موقوتة

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

تواصل مملكة البحرين حملة القمع ضد مواطنيها الشيعة. وكانت آخر الحملات هي إعدام ثلاثة مواطنين متهمين بالإرهاب يوم السبت 27 تموز (يوليو) 2019. وذكرت جماعات حقوقية أن اثنين منهم هما الناشطان الشيعيان علي العرب وأحمد الملالي صدر حكم بإعدامهما العام الماضي خلال محاكمة مع 56 شخصا آخر أدينوا وصدرت بحقهم أحكام بالسجن في “جرائم إرهابية”. وقضت المحكمة بسجن 19 متهما مدى الحياة وسجن السبعة والثلاثين الباقين لفترات تصل إلى 15 عاما بتهمة الانتماء لخلية إرهابية مدربة على استخدام الأسلحة الثقيلة والمتفجرات. وجاء إعدام الثلاثة وسط دعوات من منظمات حقوقية دولية من بينها منظمة العفو الدولية و”هيومن رايتس ووتش” ومقررة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، البحرين يوم الجمعة بعدم إعدام الناشطَين بناء على ما تردد عن انتزاع اعترافات منهما تحت التعذيب.

وقالت منظمة العفو الدولية في بيان “أثناء الاحتجاز، تعرض الرجلان للتعذيب على أيدي ضباط الأمن بما في ذلك التعرض للصعق بالصدمات الكهربائية والضرب. كما انتزعت أظافر علي محمد العرب”. وأصبحت المحاكمات الجماعية أمرا متكررا في البحرين بعد فشل انتفاضة في عام 2011. وسجن العشرات من بينهم سياسيون وناشطون في حقوق الإنسان، وفر كثيرون غيرهم إلى الخارج. وتتهم البحرين باستخدام التعذيب لانتزاع اعترافات أسوة بالجارة السعودية التي قامت قبل بفترة بحملة إعدامات جماعية وكان من بين المعتقلين شاب اعتقله الأمن السعودي بتهمة المشاركة في احتجاجات ولم يكن قد بلغ سن البلوغ.

زحف الاستبداد

ودعت الخبيرة في حقوق الإنسان وعضو مجلس اللوردات البريطاني هيلينا كيندي في مقال لها في صحيفة “إندبندنت” (2/8/2019) الحكومة السعودية التوقف عن أحكام الإعدام فيما حثت بلدها بريطانيا على تصنيف السعودية دولة منبوذة وحرمانها من عقد قمة العشرين في العام المقبل إن لم توقف حملات الإعدام التي أصبحت عنوانا للدول القمعية الخارجة من ثورات الربيع العربي كما في مصر، وتنفذ عادة وسط احتجاجات دولية باهتة وغض للطرف من الولايات المتحدة التي باتت ترجح ملفات أخرى في المنطقة على ملفات حقوق الإنسان. وفي تحليل للمعلق ديفيد غاردنر في صحيفة “فايننشال تايمز” (31/7/2019) أشار فيه لزحف قوى الاستبداد في الشرق الأوسط والتي باتت رهن محورين أحدهما سني بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والآخر شيعي بقيادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقال فيه: “منذ ان دعا الرئيس دونالد ترامب السعودية قبل عامين قيادة (جهاد) ضد إيران فلم تجد أي مشكلة في ذبح المعارضين لها ومعظمهم من الشيعة الذين تعتبرهم روافض وطابورا خامسا. وقامت البحرين التي تتبع للسعوديين ودولة الإمارات بإعدام ناشطين بعد قمع كل مظاهر الحياة السياسية للغالبية الشيعية”. وباتت هذه الدول تبرر ذبح الأشخاص الذين تتهمهم بالإرهاب بأن قائدة العالم الحر تقوم بتنفيذه حتى ولو كان ممنوعا في دول عدة. وأشار بريان دولي من منظمة “هيومان رايتس فيرست” في مقال نشره موقع “لوبلوغ” (29/7/2019) إلى أن “البحرين باتت تتبع خطوات الولايات المتحدة في الإعدامات”. وقال إن القتل جاء بعد إعلان إدارة ترامب إعادة العمل بقوانين الإعدام الفدرالية والتي غابت لمدة عقدين. ويقول دولي إن هناك فرقا بين أحكام الإعدام التي تجري في ظل إجراءات قانونية تضمن للمتهم حقوقه الكاملة، وبين المحاكم الهزلية التي يتم فيها استبعاد شهادات المتهمين واتهامهم بالتزوير. ويقول “حضرت محاكم في البحرين وشاهدت كيف تعمل هذه المحاكم الجماعية الهزلية وكيف يتم رفض مزاعم المتهمين بأن الاعترافات التي قدموها انتزعت عبر التعذيب. ولا تشبه العملية أي شيء يمكن اعتباره محكمة نزيهة تتطابق مع المعايير الدولية”. وبالتأكيد فقد ذكرت المقررة الأممية في مجال القتل خارج القانون والإعدام التعسفي أغنيس كالامار أن ما يميز حكم الإعدام عن القتل التعسفي هو الاحترام الكامل الدقيق للقانون وضمانات بمحاكمة نزيهة.

تعميق الانقسام

ومع محاولات نواب في الكونغرس وأعضاء في مفوضية حقوق الإنسان ولجنة الشؤون الخارجية التدخل عشية تنفيذ الإعدام إلا أن الحكومة البحرينية مضت ونفذت قرارها، مما يزيد من مشاكل الجزيرة وتعميق الخلاف، ففي الوقت الذي اندلعت فيه الاحتجاجات في حي البلد القديم في العاصمة المنامة، عبر مؤيدو الحكومة عن فرحتهم بالإعدام وقام مخبز محلي بعمل كعك احتفالا بالإعدامات. ويشير دولي إلى أن المملكة لا تزال تعيش آثار الانتفاضة التي اندلعت عام 2011 والتي قمعتها الحكومة واستخدمت فيها العنف والتعذيب. وأدى القمع إلى إسكات معظم المحتجين إلا أن الغضب لا يزال قائما ومن الصعب رؤية الوقت الذي ستتعافى فيه المملكة من جراحها، بل باتت منقسمة أكثر من أي وقت مضى. ولم تعد في البلاد أصوات تستطيع المطالبة بالإصلاح ويتحمل المنفيون في الخارج عبء الضغط عبر التظاهر بل والصعود إلى سقف السفارة البحرينية في لندن كما فعل أحدهم. ويعتقد دولي إن البحرين لا تتقدم نحو بر الأمان، بل لاضطرابات جديدة، واندلاع جولة جديدة من العنف هي مسألة وقت. ففشل الدولة في معالجة المظلومية التي قادت لانتفاضة عام 2011 بالإضافة إلى سياسة التخويف ليست وصفة للأمن.

 ويرى الكاتب أن العائلة الحاكمة قامت في السنوات الأخيرة بزيادة القمع ومنعت المعارضة وحرمت عناصرها من المشاركة في الانتخابات البرلمانية التي نظمت العام الماضي. وأجبرت صحيفة “الوسط” المستقلة التوقف عن النشر قبل عامين. ولا يزال المعارضون المعروفون مثل عبد الهادي الخواجة ونبيل رجب وناجي فتيل في السجن فيما خرج البقية للمنفى. ولم يعد هناك “حوار وطني” شامل كما وعدت الحكومة وابتلعته واشنطن ولندن. ففي ظل تركيز إدارة ترامب على المواجهة مع إيران وتأكيدها على دور دول الخليج في المواجهة فإن التوتر المتزايد في المنطقة بات ذريعة لحكومة البحرين على مواصلة القمع. فالمسؤولون في واشنطن يلتزمون الصمت إزاء انتهاكات حقوق الإنسان والقتل طالما التزمت البحرين بالولاء للحملة التي تخوضها أمريكا ضد إيران. وحاول الناشطون في البحرين مناشدة السفارة الأمريكية بالمنامة قول شيء، إلا أن منظور تحرك إدارة ترامب لإجبار النظام في البحرين على التغير بعيد، وهذا يصدق على بريطانيا في ظل بوريس جونسون.

نحو الكارثة

ويقول دولي إن محادثاته مع المسؤولين الأجانب كشفت عن فهمهم للواقع الحالي في البحرين بل وحذروا في أحاديثهم الخاصة من سياسة العائلة التي تقود المملكة إلى الكارثة وأن القمع الذي تمارسه سيرتد عليها وبآثار ضارة، ليس على البحرين بل وعلى حلفائها. ويضيف دولي أن الذين التقاهم في وزارة الخارجية الأمريكية أو المخابرات أو من الحكومة البريطانية والحكومات الأجنبية الأخرى يعتقدون أن البحرين ليست إلا قنبلة موقوتة. ولأنها لن تنفجر حالا فالدول هذه تحاول الحفاظ على الوضع القائم على أمل أن تكون مشكلة للإدارة التي تليهم. وهذه سياسة قصيرة النظر، فمن السهل الصمت على الإعدامات حتى لا تثير الدول مشاكل دبلوماسية إلا أن تجاهل المشاكل لا يعني أنها ستختفي. فحملة الإعدامات لم تتوقف بعد وهناك ثمانية ينتظرون حبل المشنقة.

ويعلق دولي “لقد شاهدنا ما يحدث عندما تغض الولايات المتحدة الطرف عن انتهاكات البحرين وفي الدول الجارة مثل السعودية والإمارات العربية، فهي تقود إلى عنف متزايد من الدولة وما جرى في الأسبوع الماضي سيكون دليلا للعنف ولسنوات مقبلة. وعندما يحدث هذا فستعض أمريكا وحلفاؤها الغربيون أصابع الندم”. فالتعذيب وسجن المعتقلين في أماكن مجهولة وإجبار واحد من الذين أعدموا يوم السبت الماضي على تقبيل قدم جلاده هي وصفات لزيادة السخط وليست تعبيرا عن التصالح. ففي تقرير نشرته منظمة “هيومان رايتس ووتش” عام 2014 قالت فيه إن مشكلة البحرين ليست العجز عن تحقيق العدالة بل في الظلم المنظم. وفي غياب الكابح على تصرفات النظام في البحرين فالظلم سيبقى. وكما لاحظت مريم الخواجة وإياد البغدادي في مقال مشترك في صحيفة “واشنطن بوست” (1/8/2019) فإن الدولتين اللتين تستطيعان التأثير على سلوك النظام، أمريكا وبريطانيا هما في الحقيقة تشجعان على سلوكه السيء “فعندما ترتكب حكومة جريمة ويسمح لها بالتعامل مع المجتمع الدولي كما هو معتاد فهذا يشجعها على مواصلة سلوكها. فلو كان في استطاعة السعودية قتل صحافي بدون الخوف من العواقب فلماذا لا تقوم البحرين بإعدام ضحايا التعذيب؟ وعندما تقوم الولايات المتحدة برفع الحظر عن الإعدامات الفدرالية فهذا ضوء أخضر للأنظمة الديكتاتورية لكي تقوم بقتل معارضيها”. وبدون محاسبة دولية فلن تجد هذه الدول ما يحفزها على وقف خروقات حقوق الإنسان. وبدون احترام المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان والحريات فلن يكون هناك استقرار أو أمن. ولا بد من الإشارة هنا لورقة قدمتها خدمات البحث في الكونغرس في أيار (مايو) 2019 وأشارت فيها إلى الاعتقالات والاضطرابات والسياسة الأمريكية وكيف أن العنف في البحرين يمثل للإدارة الأمريكية معضلة بدرجة جعلت إدارة باراك أوباما تمنع بيع أنواع من الأسلحة للبحرين خشية استخدامها ضد المتظاهرين. وتغير كل هذا في عهد الإدارة الحالية التي تركز على إيران. إلا أن هناك تجادلا بين القمع والمصالح الإستراتيجية، فالبحرين هي أهم حليف للولايات المتحدة غير عضو في الناتو ويرابط فيها الأسطول الخامس. ومن هنا فاستمرار التوتر في البلد لا يخدم المصلحة الإستراتيجية الأمريكية إلا إذا كانت واشنطن قد عقدت عزمها على مغادرة المنطقة وترك مشكلة الخليج لقوة أخرى كما ناقش ستيفن كوك في “فورين بوليسي” (1/8/2019).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية