لعبة الشطرنج على رقعة إدلب السياسية العسكرية

فالح الحمراني
حجم الخط
0

الاتفاق الذي توصلت له روسيا وتركيا في منتجع سوتشي 17 أيلول/سبتمبر بصدد إقامة منطقة منزوعة السلاح على طول خطوط التماس بين القوات الحكومية والمعارضة المسلحة، هي نقلة البيادق الأولى في لعبة الشطرنج على لعبة تسوية الوضع في إدلب. وثمة قناعة بان تسوية الوضع المتعلق بإدلب، آخر معقل للمعارضة والجماعات المسلحة الأخرى، سيكون بمثابة مفترق الطرق التي يمكن أن تحدد مستقبل النزاع السوري. وفي ظل ظروف ملموسة يمكن أن تعزز إدلب، أو تعكر بشدة علاقات تركيا بروسيا.

إن القوى الدولية والإقليمية التي لها مصالح في سوريا، وتروم أن تكون لها أدوار في طبيعة التشكيلة الجديدة لاصطفاف القوى في المنطقة، لن تتخذ موقف المتفرج بل ستحاول الدفع بالأمور وفق مصالحها، ونقل بيادقها على مختلف الخطوط.

وعلى الرغم من إن كلا من موسكو وأنقرة ترى إنها حققت خطوة تصب في مصالحها ومصلحة التهدئة، غير إن التوازن قد ينفرط ضمن أي ظرف، لينسف اتفاقات الرئيسين بوتين واردوغان. فهناك الكثير من المطبات والقوى والمصالح التي ستسعى لإجهاض الاتفاقات، والعودة إلى نقطة الصفر. فتطورات الوضع تتعلق لدرجة كبيرة بحذاقة دبلوماسية موسكو وأنقرة في التحرك بحساسية على هذا الطريق الشائك، والأخذ بالاعتبار مصالح كل طرف.

وتتضمن اتفاقات موسكو وأنقرة بالإضافة إلى إقامة منطقة منزوعة السلاح على مدى 15 كم إخراج “الإرهابيين المتشددين” من المنطقة، وسحب كافة الدبابات ووسائل إطلاق النار والمدفعية وأسلحة وقاذفات القنابل التي تعود للأطراف المتحاربة من المنطقة، حتى العاشر من تشرين الأول/أكتوبر المقبل. فضلا عن تشكيل دوريات عسكرية مشتركة للإشراف على تنفيذ. ولكن البيانات الرسمية لم تشر إلى آلية تنفيذ تلك التدابير والردود التي سيتخذها الطرفان في حال رفضت التشكيلات المسلحة للمعارضة والجماعات المرابطة هناك الامتثال لتلك المطالب.

عقبات على طريق التنفيذ

وتجدر الإشارة إلى ورود أنباء عن أن هيئة تحرير الشام أعلنت يوم الأربعاء الماضي امتناعها عن تسليم الدبابات وأنظمة إطلاق النار إلى العسكريين الأتراك. علاوة على إن الاتفاق تجاهل دور إيران ودمشق في الدوريات التي ستشرف على سير العملية.

إن اتفاق بوتين-اردوغان، كان حلا وسطيا يساعد على حدوث انفراجة في الوضع المتعلق بإدلب في ظل شروط ملائمة للطرفين، وجعل روسيا تعيد النظر للقيام بعملة عسكرية للقضاء على وجود التشكيلات المسلحة المعارضة والجماعات الأخرى ودعم قوات النظام والقوى التي تؤازرها: إيران وحزب الله وغيرها، على غرار عملية حلب وغيرها من المدن. ويرتبط إعادة روسيا النظر في رغبتها بالاحتفاظ على حيوية علاقاتها بأنقرة، التي هي بحاجة ماسة لها من الناحية الاقتصادية والجيوسياسية، لاسيما على خلفية مساعي الغرب عزل روسيا، وتشديد الولايات المتحدة العقوبات عليها. ووقفت الحكومة التركية ضد العملية العسكرية التي أعدها لها النظام في إدلب، وتدعمها موسكو والتي يمكن أن تحرمها من المنطقة المعزولة في شمال سوريا. إضافة لذلك إن روسيا تدرك التداعيات السلبية الإنسانية التي يمكن تنجم عن عملية عسكرية في إدلب التي يصل عدد سكانها إلى 3.5 مليون نسمة، ولا تود إن تظهر بمظهر “السفاح” الذي لا يبالي بحياة آلاف الناس ويسبب في موجة نزوح جديدة وتعريضهم للمعاناة. ولا يستبعد أيضا إن تكون موسكو قد سلمت “الشريك التركي” مهمة تسوية الوضع سلميا، على أمل أن يكون فشلها في تحقيق ذلك، ذريعة للعودة إلى السيناريو العسكري، كخيار وحيد “للحفاظ على وحدة الأرض السورية”.

علاوة على ذلك فان روسيا بانحيازها إلى هذا السيناريو تكون قد خفضت من فرص استخدام “ورقة الأسلحة الكيميائية” التي تتخذها الولايات المتحدة وحلفاؤها كذريعة لقصف سوريا بالصواريخ. كما إن روسيا، وفقا لبعض المعطيات، حصلت من تركيا على تعهدات خاصة، بانها ستتخذ التدابير اللازمة من أجل احتواء الجماعات المتطرفة، مثل “هيئة تحرير الشام” وحزب “تركستان الإسلامي” في سوريا. وتضم هذه الجماعات في صفوفها عددا كبيرا من المقاتلين الشيشان والاويغور، ما يشكل مصدر قلق لروسيا وللصين أيضا، ويشارك هؤلاء أيضا في أغلب الهجمات على القوات الروسية في سوريا. وفي ذلك يرى بعض المراقبين أن رد فعل الجماعات المتشددة على الاتفاق بين موسكو وأنقرة سيكون العقبة الرئيسية أمام تنفيذه. وسيعتمد نجاح اتفاق سوتشي على موقف أنقرة التي لها تأثير على بعض الجماعات، وقدرتها على استمالتها للالتزام ونزع سلاحها بدون قتال.

ووفق تقديرات المراقبين فأن العقبة الثانية التي تقف أمام تنفيذ اتفاقية سوتشي القاضية بتسوية الوضع في إدلب، ستتمثل بموقف حلفاء موسكو الرئيسيين، أي طهران ودمشق وهما تتحفظان على الاتفاق الروسي/التركي. ويشيرون إلى انه ورغم الدعم المُعلن للاتفاقية الموقع عليها، فان طهران ودمشق تراهنان فقط على عامل الزمن لتنفيذ السيناريو العسكري لسيطرة النظام على المحافظة. ويقولون إن الحكومة السورية في سعيها لتقويض الاتفاق وإضعاف علاقات روسيا بتركيا، قد تدخل بمساعدة إيران في اشتباكات مع التشكيلات المسلحة للمعارضة والجماعات الأخرى، أو تبدأ بهجوم بذريعة الرد على قيام الجماعات المتطرفة بقصف مواقعها. وكل هذا، في رأيهم، يعني إن العنف وعدم الاستقرار سيستمر بالاتساع في المنطقة، حتى من دون سيناريو هجوم واسع من قبل قوات النظام على إدلب في المدى المتوسط.

ويقول المحلل السياسي لمعهد الشرق الأوسط شيجلوفين: إن النتيجة الرئيسية لاتفاق اردوغان-بوتين بصدد إدلب، هو التوصل إلى حل وسط، تمكنت انقرة في إطاره تحقيق هدفها الرئيسي، أي تأخير وإلى أجل غير مسمى بدء العملية العسكرية واسعة النطاق في هذه المحافظة. وقال: إن هذه كانت المهمة الرئيسية لأنقرة من زاوية الحفاظ على نفوذها وتأثيرها وحضورها في سوريا، والآن حصلت أيضا على حق الدخول في المناطق القريبة من حلب. ويرى: إن كل هذه الإجراءات وما يصاحبها من تطورات تقلل من خيارات حل الأزمة السورية في الاتجاه المناسب لروسيا.

ولا يمكن تجاهل مواقف الغرب في لعبة الشطرنج السياسية هذه، سواء في إدلب أو في تسوية النزاع السوري ككل. فعلا صدرت تصريحات من عدة عواصم أوروبية ترحب بالاتفاق الروسي-التركي، وخاصة ما يتعلق بوقف العملية العسكرية. بيد إن الدول الغربية تراهن على أن يكون الاتفاق خطوة نحو التسوية السلمية الشاملة في إطار مؤتمر جنيف والتحضير للفترة الانتقالية المرتقبة، وإجراء انتخابات عامة يشارك فيها جميع السوريين، بمن ذلك من المقيمين في الخارج. ويراهن الغرب على إن هذا التطور سيحقق مطلبه الرئيسي: رحيل بشار الأسد عن السلطة. وقال ممثل الخارجية الأمريكية جيمس جيفري في اجتماع مجلس الأمن الدولي في 18 أيلول/سبتمبر المكرس للوضع في الشرق الأوسط: “لقد سمعنا باتفاق روسيا وتركيا أمس، بهدف استقرار الوضع في محافظة إدلب” وأضاف “إننا ندعو كافة الأطراف أن تأخذ على عاتقها الالتزام بتحقيق وقف إطلاق نار طويل الأمد، واتخاذ خطوات للمساعدة على استئناف عملية جنيف” وفي رأيه “إن الطريق الوحيد للتسوية هو مشاركة كافة القوى في الحل السياسي” كما انه جدد الموقف الأمريكي الثابت بصدد ترحيل الأسد ومغادرة إيران الأراضي السورية. وقال “إذا كانت روسيا معنية بضمان السلام في سوريا، فعليها التوصل إلى سحب التشكيلات الإيرانية وللأبد من سوريا”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية