بغداد-“القدس العربي”: معركة كسر الإرادات هي الوصف الدقيق لما يجري في العراق، من حراك شعبي يعكس مدا جماهيريا عارما رافضا للعملية السياسية الفاشلة، مقابل أحزاب الفساد والفشل والتبعية، المدعومة من الخارج، التي لا تفهم من السلطة سوى أنها منجم ذهب لا ينضب ويجب استغلاله حتى آخر هامش للفائدة.
فبعد فشل جهود تشكيل حكومة مقبولة للشارع ولأحزاب السلطة معا، وعقب تعمد الكتل السياسية عرقلة عدة محاولات لعقد جلسة للبرلمان للتصويت على تشكيلة حكومة محمد توفيق علاوي من أجل ابتزازه، رفع الأخير راية الاستسلام أمام أحزاب السلطة وقرر التخلي عن التكليف، مقرا بعجزه عن الملائمة بين مطالب الشعب وأطماع مافيات الأحزاب. وكشف علاوي في كلمة تلفزيونية: “أثناء المفاوضات، اصطدمت بأمور كثيرة لا تمت إلى قضية الوطن ومصلحته، وللأسف الشديد كانت بعض الجهات تتفاوض فقط من أجل الحصول على مصالح ضيقة بدون إحساس بالقضية الوطنية” متهما “بعض الجهات السياسية بعدم الإيفاء بوعودها للشعب ووضع عراقيل أمام ولادة حكومة مستقلة تعمل من أجل الوطن”.
ولأن الخطوة متوقعة في ضوء واقع العملية السياسية وقدرات محمد علاوي، فقد سارع رئيس الجمهورية برهم صالح، للموافقة على طلب علاوي الانسحاب من تكليفه تشكيل الحكومة، وعاد إلى مسرحية “المشاورات مع الكتل السياسية” لاختيار شخصية جديدة، خلال 15 يوما، تعيد محاولة تشكيل حكومة توفق بين مطالب الشعب وطموحات الأحزاب، وهي المهمة المستحيلة بالتأكيد.
ونظرا لأن الاحزاب كانت تخطط لإفشال جهود علاوي، فقد سارعت الكتل الشيعية لإعادة طرح أسماء مرشحيهم السابقين، ممن رفضهم رئيس الجمهورية والحراك الشعبي معا، أبرزهم مصطفى الكاظمي، وفالح الفياض، واسعد العيداني، وعلي شكري ، ومحمد شياع السوداني، بينما طرح آخرون (منهم الأكراد) إعادة تكليف حليفهم عادل عبد المهدي، الذي لمح إلى امكانية بقائه عندما وجه رسالة دعا فيها إلى إجراء انتخابات في كانون الأول/ديسمبر المقبل وعدم الدخول في فراغ دستوري، في موقف عده المراقبون محاولة للبقاء كخيار باعتباره الأقل سوءا من الآخرين وأن الوقت لا يكفي لاختيار بديل، وسط تصاعد الدعوات لإجراء انتخابات مبكرة بعد حل البرلمان الذي أصبح العائق أمام إجراء أي إصلاحات في أوضاع البلد.
وكان واضحا ان تصريحات زعيم الكتلة الوطنية أياد علاوي مؤخرا كانت تستند إلى وقائع ومعلومات، عندما أعلن بأنه يشك في نجاح محمد توفيق علاوي بتشكيل حكومة جديدة خلفا لحكومة عادل عبد المهدي المستقيلة، معللا ذلك بأن إيران لا تريد تغيير الحكومة وتفضل الابقاء على الأوضاع في العراق كما هي الآن، حسب قوله.
ومن جديد عبر المجتمع الدولي عن القلق من أوضاع العراق، خلال تقديم إحاطة أمام مجلس الأمن، من قبل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش وممثلته في العراق جينين بلاسخارت، اللذان اتفقا على “أن وجود الجماعات المسلحة التي تعمل خارج نطاق سيطرة الدولة يمنع البلاد من العمل كدولة طبيعية”. فيما أكدت بلاسخارت، مسؤولية الأطراف السياسية العراقية، عن فشل جهود محمد علاوي، عندما دعتها إلى تغليب المصلحة العامة على المصالح الفردية من أجل النهوض بالبلد وقيام الحكومة بوظائفها كدولة طبيعية، مشيرة إلى انعدام الثقة والتفكك بين القوى السياسية، ونوهت إلى استمرار السلطات العراقية في قمع التظاهرات وأعمال العنف وأعمال التخويف والترهيب والتهديدات، وقالت إن “من المهم بمكان عدم تجميل الواقع القاسي، فالكثير من العراقيين الشجعان يواصلون دفع ثمن لا يمكن تخيّله كي تُسمع أصواتهم. هؤلاء يستحقون أن نعترف بالإساءات التي لا تطاق التي تعرضوا لها”.
ويأتي التقييم الأممي لتدهور الأوضاع في العراق، معززا بتنامي دور الفصائل المسلحة التي تستغل الفراغ الدستوري والفوضى في البلاد، لكي تتحرك بحرية أكبر. فهي تارة توجه صواريخ الكاتيوشا نحو المنطقة الخضراء والقواعد العسكرية التي تتواجد فيها قوات أمريكية، وتارة تتدخل في اختيار رئيس الحكومة، حيث أعلنت كتائب حزب الله المقربة من إيران، رفضها ترشيح رئيس المخابرات مصطفى الكاظمي لرئاسة الوزراء لأنه تعاون مع الأمريكان في اغتيال سليماني والمهندس، حسب زعمها.
وبعيدا عن أجواء المطابخ السياسية والتحذيرات الحكومة من التجمعات بسبب انتشار مرض كورونا، جاء رد فعل الحراك الشعبي المطالب بالإصلاحات، سريعا على إعلان علاوي فشله في تشكيل حكومته، حيث دعت التنسيقيات إلى تظاهرة مليونية تطالب بـ”حل البرلمان الذي تديره الأحزاب الفاسدة المصرة على نهج المحاصصة الطائفية، والتي تسعى لإعادة تدوير الوجوه الفاسدة لرئاسة الحكومة المقبلة”. وبالتزام مع تصعيد ملحوظ للتظاهرات والاعتصامات في المحافظات، فإن مصادمات عنيفة تكررت قرب ساحة الخلاني وسط بغداد، بين المتظاهرين والقوات الأمنية التي تزداد عنفا ازاء المتظاهرين، حيث أسفرت المواجهات عن إصابة أكثر من 150 شخصاً بإطلاق النار والقنابل المسيلة للدموع.
ولعل في فشل محمد علاوي في تشكيل حكومة مؤقتة، بعض الدروس التي تستحق الاهتمام، رغم أنها ليست جديدة، ولكنها مهمة لتأكيد الوقائع، ومنها أن هيمنة أقطاب المحاصصة ومافيات الفساد على العملية السياسية في العراق، لن تسمح بأية محاولات، لإجراء تغيير، ولو جزئي، في قواعد اللعبة السائدة منذ 2003 من خلال إحباط مساعي وآمال الإصلاح الذي تطالب به التظاهرات المتواصلة، ولذا فهي تتعمد خلق الإحباط لدى الشعب من خلال مسرحية تشكيل الحكومة وقمع التظاهرات والاستخفاف بمطالبها وغيرها، وذلك لكسر إرادة الشعب الغاضب وإفشال دعوات التغيير وإبقاء الأوضاع كما هي، بما توفره من نهب مستمر لخيرات البلاد لصالح الأحزاب والقوى الخارجية الداعمة لهذه العملية السياسية الفاسدة.