لعبة توازن القوي في ايران

حجم الخط
0

محمد صادق الحسيني

انه تحول مهم وملحوظ في الحراك الداخلي الايراني من دون ترديد ان يصبح الرئيس الاسبق اكبر هاشمي رفسنجاني رئيسا لمجلس خبراء الدستور، رفسنجاني الذي يصفه المحافظون دوما بانه تاريخ الثورة ووصفه زعيم الاصلاحيين الرئيس خاتمي ذات يوم عاصف من ايام نزاع رهطه المتشدد معه بانه بطاقة تعريف الثورة ويصفه خصومه الدائمون دوما بانه ثعلب السياسة والفكر.

رفسنجاني الذي برز دوما بمثابة ملك اللعبة، في الحراك الداخلي الايراني في كل مراحل الثورة الايرانية او رجل كل الفصول من ايام مجلس قيادة الثورة الاولي الي عرش الزعامة الذهبي الراهن انما يكمن سر بقائه بمثابة بيضة القبان باستمرار مهما كانت وضعية الحدث الايراني، الي انه عشق دوما ولا يزال دور الموازن بين القوي والحريص علي التواجد والحضور في كل المواقع مديرا للصراع دون اراقة ماء وجه احد ناهيك عن دمه او كسر عظمه! انه الرجل الذي لم يؤمن يوما بوجود تناقضات مستحيلة الجمع بل آمن ولا يزال علي العكس من ذلك بان كل شيء ممكن في عالم السياسة! شرط ان تبقي عين اللاعب دوما علي المباديء الاساسية للثورة والوطن والدين بمثابة المظلة التي تحميه وهو يلعب لعبة القط والفأر مع الخصم الخارجي دون افراط او تفريط ولعبة توازن القوي في الداخل علي قاعدة لا جبر ولا تفويض انما هو امر بين امرين. الرجل الذي يبدو اليوم وكأنه الاكثر تأهيلا حسب بعض العارفين ببواطن الامور رغم كل ما جري له او من حوله ان يفتح ثغرة حقيقية في جدار انعدام الثقة بين طهران والعالم الغربي، يجلس اليوم مجددا علي ناصية الزعامة لمجلس يفترض انه المسؤول عن اختيار المرشد وتعيينه ومن ثم الاشراف علي بقاء الشروط التي تمكنه من استمرارية توليه لسدة القيادة! اول ما قام به الرئيس رفنسجاني هو الاعلان الصريح والذي لا لبس فيه بان سعيه الاول سيكون باتجاه تفعيل دور هذا المجلس لكنه سرعان ما استدرك بذكائه وحنكته المعهودين ان المهمة الاولي اي اختيار المرشد وتعيينه لن تحصل في عمرنا لان المرشد الحالي اكثر شبابا واكثر حيوية منا. وهذا اعتراف صريح بالواقع وبلعبة التوازن الضرورية لاستمرار المهمة ايضا فالرجل اصغر منه سنا واكثر امساكا بتلابيب موازين القوي الداخلية كما اثبتت الاحداث دون منازع! غير انه عاد واستدرك من جديد بالقول ان من واجبات مجلس الخبراء الاخري الاشراف علي الذين يعملون تحت سلطة المرشد وهنا قد يكون بيت القصيد في قوله انه سيسعي جاهدا الي تنشيط دور مجلس الخبراء! لان هذا سيعني الاشراف والتأكد بأن كل شيء يجري علي ما يرام في المهام التشريعية التي يتقاسمها مجلس الشوري الاسلامي ومجلس صيانة الدستور والاخير يعين نصف اعضائه المرشد كما هو معلوم. ومن ثم ايضا الاشراف علي المهام التنفيذية اي القوانين التي تسنها الحكومة وتنفذها هي ومجلس الامن القومي الاعلي وكلاهما لا يعملان كما يفترض الا بما يبلغان به من السياسات العليا عبر مؤسسة القيادة المكلفة برسمها وابلاغها لهما باستمرار وهي المهمة التي تدون بدورها في لجان متخصصة تابعة لمجلس تشخيص مصلحة النظام الذي وان كان يرأسه رفسنجاني حاليا الا ان من مهام مجلس خبراء القيادة الاشراف علي عمل هذا المجلس ايضا بما يخص المهام المحولة اليه من المرشد! الامر نفسه ينطبق علي سياسات حرس الثورة الايراني بنفس السياقات الانفة الذكر مع العلم ان مهام اعلان الحرب والسلام والنفير العام هي من صلاحيات المرشد والذي هو القائد العام للقوات المسلحة طبقا للدستور. وتنشيط دور مجلس الخبراء للقيام بكل ما اشير اليه آنفا سيعني فيما يعني استحداث آلية معينة جديدة تقوم بهذه المهمة علي ما يرام دون افراط او تفريط! انها لعبة توازن القوي الدقيقة والشديدة الحذر تعود مرة اخري بين الرجلين الصديقين الحميمين علي مدي نحو نصف قرن من العمل المشترك والاقرب الي بعضهما البعض لكنهما الاكثر تجرؤا علي بعضهما البعض ايضا!

رفيقا درب الحرب والسلام اللذان جربا بعضهما البعض في اكثر من محطة عصيبة ولم يفترقا الي حد التباعد لكنهما لم يتطابقا دوما كذلك! انه تقاسم الادوار حينا وتداولها حينا آخر وتداخلها او احتكاكها في لعبة حراك الدولة والمجتمع الايراني الشديد الحساسية والتعقيد في بعض الاحيان!

لكن لعبة توازن القوي هذه المرة قد تعني فيما تعني وفي هذه المرحلة الدقيقة من الوضع المحيط بالبيت الداخلي، بان المطلوب تحركات اكثر شفافية من قبل الرجل الذي يوصف برجل كل الفصول اي الشيخ الرئيس وهو سرعان ما بدأ يظهر علي لسان الرجل بصراحة وتفصيل منذ توليه رئاسة المجلس الجديد عندما اسهب في شرح الخطوات التي يعد لها علي طريق مأسسة مجلس خبراء القيادة وجعله اكثر حضورا في المشهد السياسي العام كما قال. كما تتطلب سعة صدر بمساحة العالم هذه المرة وليس بمساحة ايران وحدها من قبل ربان السفينة وقائد الحرب والسلام، ذلك حجم التحديات والمهمات المتوقعة امام الثنائي القديم الجديد اصبحت اكبر من الوطن الذي يعشقانه سويا بنفس القدر وغير محصور بالدائرة الدينية التي شربا من معينها سويا.

اكتب هذا وانا اعرف عن قرب بان الرجل الاول وصاحب كلمة الفصل في الحرب والسلام اكثر تحمسا من سائر اعضاء مجلس الخبراء لفكرة القيادة الجماعية وانه كان صاحب هذا الاقتراح في لحظة رحيل القائد المؤسس كما اعرف جيدا بان الشيخ الرئيس لم يكن ولن يكون يوما علي استعداد للتفريط بعقد الصداقة ولا بعقد الوطن والدين الذي يربطه مع الرجل الاول اكثر من اي شيء آخر. لكنني مع ذلك اقول بان التفاصيل الاضافية الجديدة والمستجدة علي ساحة الوطن والفكر الديني في اتساع متنام.

ومع ذلك اقول للذين ضخموا الحدث اكثر مما ينبغي خاصة من جانب اولئك الذين يبحثون عن دور علي مائدة الاخرين لا سيما اولئك الذين مزقوا من وصفه رائدهم بـ بطاقة تعريف الثورة دون ان يرف لهم جفن، بان الشيخ الرئيس ابعد نظرا مما تتصورون واكثر حنكة مما تعتقدون واكثر وفاء مما تظنون وبالتالي لن يكون سلما لصعود الاخرين! واما الذين قللوا من قيمة الحدث لا سيما اولئك الذين اعتادوا علي اللعبة في الدوائر الضيقة ولا يملكون من الرؤية ابعد من انوفهم، بان الرجل الذي تحسدون ومنه تغارون او من صعوده تتهيبون، هو ابعد مما في خيالكم ترسمون!

انه الرجل الذي احرص ما يكون علي الثوابت في عالم الدين والوطن، ولكن عندما تستنفره المهمات المستحدثة التي تتطلب التضحية من اجل الدين والوطن والوفاء بالذات سيكون في طليعة رواد الاصلاح والتغيير، فالرجل كما عرفه العارفون عندما تستمع الي دقات قلبه تقول عنه بانه الحصن الحصين لتيار من يوصفون بالمحافظين بالفعل لكنك اذا ما اقتربت اليه اكثر وراقبت مسار تنفسه سرعان ما تكتشف انه ذو رئة اصلاحية يبحث دوما عن دور يعج بالحركة الحية التي لا تعرف الهدوء وعن مجال رئوي لهذه الحركة يعج بروح التجديد والاصلاح وينمو في جنباته الاصلاحيون وقوي التغيير في المجتمع وينتعشون!

انه اذن صعود متميز لرجل يسير بخطين متوازيين لا يمكن الاستهانة باحدهما علي حساب الاخر لكن المهم فيه انه يحدث في زمن المتغيرات الصعبة والمتسارعة خطي نحو منعطف الحسم والبحث عن الحلول للتحديات الجسام في الداخل كما في الخارج اي بخطين متوازيين ايضا وقد يكون هنا بيت القصيد فيما هو مطلوب من رجل الرهانات والمراهنات!9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية