لعبة نيوتن…أم لعبة يناير؟

مختار السباعي
حجم الخط
0

“لعبة نيوتن”. دراما دسمة حطمت الأرقام القياسية وفازت بالسباق الرمضاني.
هو أحد المسلسلات القليلة التي توقع لها عشاق الدراما النجاح منذ البداية، كونه تأليف وإخراج تامر محسن، الذي لم يُخيب يوما آمال متابعيه، فأعماله – وإن كانت قليلة – تظل علامات فارقة في تاريخ الدراما المصرية الحديثة، وهي “بدون ذكر أسماء”، و”تحت السيطرة” و”هذا المساء”.
أما أبطال العمل فنجوم لهم ثقلهم، على رأسهم منى زكي ومحمد ممدوح ومحمد فراج وسيد رجب؛ الأمر الذي يفسر المباريات التمثيلية الرائعة التي شاهدناها، وتصنيف العمل من قبل النقاد والجمهور بأنه الأفضل والأقوى هذا الموسم.
قد يكون أول رأي تأخذه بعد مشاهدة قليل من الحلقات الأولى للمسلسل، الذي ألّفه وأخرجه الأستاذ تامر محسن، أنه مجرد مسلسل اجتماعي فيه حبكة درامية جميلة وسرد لبعض القضايا المصرية المتعلقة بالأحوال الشخصية والاضطرابات النفسية ومواضيع العلاقات الزوجية وما يشابه ذلك من مشاكل، ولكنك ومنذ دخول شخصية (مؤنس) للأحداث، تكتشف بأن للعمل خطوطاً أعمق وسطوراً لم تُكتب بشكل صريح في خطوط هذا العمل الدرامي المهم.
وقد رن جرس الإنذار لدي شخصياً بوجود تلميحات سياسية في العمل عندما سمعت تاريخ ميلاد (إبراهيم)، في شهر يناير/كانون الثاني، ومنذ تلك اللحظة بدأتْ خيوط الحكاية الحقيقية للأحداث تتراءى أمامي وبدأتُ في سحبها خيطاً خيطاً محاولاً الوصول لما يريد المؤلف قوله ولم يقله بشكل مباشر (على الأقل حسب وجهة نظري الشخصية وهو ما يميز الفن العميق بأن لا يكون تأويله متماثلاً عند كل المتلقين).
الخط الزمني لأحداث المسلسل يكاد يتماثل كربونياً مع الخط الزمني لأحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر، سواء وافقت الرأي المطروح لذلك الخط الزمني أم لم توافق، نحن هنا نشرح الرمزية السياسي والإسقاط السياسي الموجود بغض النظر عن صحة رؤية المؤلف من عدمها، فهذا أمر قد يُسأل عنه صنّاع العمل لا المتلقّون ولا الناقدون.
سأحاول طرح كل شخصية مهمة في المسلسل ومدلولاتها الرمزية المتعلقة بقصة الثورة المصرية وأحداثها التاريخية، ولكن دعني أولاً أقول لك أن (هنا) هي مصر، وابنها (إبراهيم) هو ثورة يناير، و(بيغ زي) هو شباب ثورة يناير، و(مؤنس) هو الإسلام السياسي، و(حازم) هو نظام مبارك، و(بدر بيه) هو رأس المال الذي تحالف معه نظام مبارك فيما سمّي بتزاوج السلطة مع رأس المال.

أفصّل قليلاً الآن

عندما سافرت (هنا) لأمريكا لتضع مولودها الذي انتظرته كثيراً واشتاقت لوجوده وتكلّفت كل المصاعب للتحصّل عليه، قام (بيغ زي) باحتضانها وحمايتها وهي في أمس الحاجة لهذه المساعدة في الغربة لكي يتسنّى لها الولادة بأمان، ولم يكن لديه أي مطامع بخصوصها ولم ينتوي الخوض معها في علاقة أو زواج، فهو تمثيل حرفي لشباب الثورة الذين لم يكن لديهم أي مطامع سلطوية، بل كان همّهم هو حماية البلد وحماية ثورتها (الوليدة).
(بيغ زي) شاب طائش متهوّر قد يكون قاصراً في فهم الحياة ولكن مشاعره نبيلة صافية خالية من الحقد ولا يضمر الشر لأحد، الأمر الذي يختلف إلى حد ما مع (مؤنس)، الرجل المتديّن الملتحي، رجل أعمال ومحامي، يعرف قواعد اللعبة القانونية في أمريكا جيدا، تماماً كالإسلام السياسي، يعرف قواعد اللعبة السياسية ويجيد اللعب أيضاً، الرجل ضحك على (هنا)  “إن صح التعبير” حتى أجبرها على أن تكتب الطفل باسمه وتعطيه الشرعية كما أعطت مصر الشرعية للإسلام السياسي الذي اعتبر أنه الثورة ولا أحد سواه يمثل الثورة، وكان (مؤنس) يحض (هنا) على ترك (بيغ زي) لأنه (لا يشبهها وهي لا تنتمي له ولا لبيئته)، في تمثيل واضح للصدام الذي حدث بين الإسلاميين وشباب ثورة يناير في إحدى مراحل الثورة.

نظام مبارك

أما (حازم) فهو كما ذكرنا يمثل نظام مبارك. هو لا يمثل رأس النظام بل يمثل النظام ككل، فنحن هنا نتحدث عن رمزية كيانات لا أشخاص، فـ(مؤنس) يمثل الإسلام السياسي ككل وليس رأس نظام الإخوان الذي حكم مصر في عام 2012.
نعود لـ(حازم)، كان النظام المصري في سنواته الأخيرة يحاول الحفاظ على تماسكه، فتحالف مع رأس المال ورجال الأعمال بشكل كبير، وهو (أي رأس المال) من مثّله (بدر بيه) في حكايتنا هذه! (بدر بيه) احتضن (حازم) بعدما حُرقت خلايا النحل الخاصة به، وفتح له بيته وأعطاه السكن والأكل والشرب بل وأمده بالمال ليفتتح مشروع نحل جديد وكبير، بشرط أن يصنع له عسلاً بالأفيون، هذا العسل بالأفيون يرمز للفساد.
فوافق (حازم) وأعطى لـ(بدر بيه) عسله المطلوب وتم تصوير المشهد بشكل حرفيّ وأنت ترى نظام مبارك يناول الفساد لرأس المال.
هنا يأتي دور (أمينة)، التي تمثّل مصر الجديدة التي حاول نظام مبارك أن يصنعها بالتوريث في آخر سنوات حكمه (مصر جمال مبارك)، وحاول أن يغذّيها بفساد رأس المال (العسل بالأفيون)، ولكن الفكرة لم تنجح، ولم يداوي العسل بالأفيون آلامها بل استعملت المسكنات كالعادة، في رمزية تؤكد فشل مشروع (أمينة) التي بقيت في الأحداث كالطيف الجميل والحلم المزركش الذي يراه (حازم) كشيء خلّاب يستحيل تحقيقه.
عطفاً على ما سبق، يحضرني أن (حازم) قال لـ(أمينة) في أحد المشاهد أنه كان يتمنى أن يسمّي ابنه (زين)، ولا حاجة لنا بالبحث عن معنى هذا الاسم في اللغة العربية، فهو يعني (جمال)، أي أنه كان يريد لهذا النظام الجديد بأن يكون نظام جمال مبارك وليس نظام ثورة يناير.
شخصية (شاهين) من أكثر شخصيات المسلسل حساسية وأشدها خطورة، وأجد صعوبة كبيرة في معرفة ماهيتها وما المراد بها كرمز مأخوذ من الخط الزمني لأحداث الثورة المصرية. مشهد موته كان مهيباً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أقرب تفسير للشخصية أنها تمثل جهاز أمن الدولة، الرجل كان يصيح في (حازم) “مشّيهم” ويطلق النار بشكل هستيري أثناء مشهد موته، شعرت بأنه يتحدث عن الشعب المتجمهر في الميادين (النحل)، الذي انقضّ عليه وأسقط الخوف وأرداه قتيلاً، وهو ما حدث مع جهاز أمن الدولة بسقوطه وتغيير اسمه بعد أحداث الثورة المصرية.

طنين النحل

ومن هذا المشهد ارتبط طنين النحل بحالة (حازم) النفسية وحطّمه بشكل ملحوظ، لا يمكن تفسير طنين النحل إلا بأنه هتافات الجماهير (الشعب يريد إسقاط النظام) التي ما برحت أذني النظام في كل مشهد متوتر من المشاهد التالية لمشهد مقتل شاهين.
شخصية (شامبا)، قد ذكرتني بفرقة (شامبا وامبا) البريطانية التي تغني في أشهر أغانيها المقطع
I get knocked down but I get up again
you’re never gonna keep me down
البيت الثاني من المقطع؛ لن تبقيني ساقطاً في الأسفل أبداً. وهي مقولة واقعية جداً، (شامبا) يمثل البيروقراطية المصرية، أو الدولة العميقة في مصر، أو التراتبية الوظيفية، وشخصية الموظف، المهنة المقدسة التي يرجع وجودها في مصر لآلاف السنين، وهي منظومة موجودة وثابتة ولا تتغير بتغير الأنظمة والرؤساء والبرلمانات، يحتاجها (حازم) كما يحتاجها (مؤنس) وتحتاجها (هنا) شخصياً حيث طالبت بوجود (شامبا) بالاسم لا أحد سواه حينما رجعت لإدارة معمل النحل.
(يارا) أخت (هنا) تمثل وبشكل واضح جداً حزب الكنبة في فترة الثورة، هي فقط متفرجة على الأحداث وتساير الوضع بكل سلاسة سواء كان (حازم) هو الشرعي أو (مؤنس)، لا فرق لديها. وأصرّ المخرج بأن يكون حوارها الجادّ مع (هنا) التي كانت تقنعها بأن تترك البيت وهي “أي يارا” جالسة على الكنبة وفي يدها جهاز الريموت كونترول! أما (أم هنا)، فقد تكون تمثيلاً للاقتصاد المصري والسياحة المصرية التي كانت (في الإنعاش في فترة ما بعد الثورة).
(أم مؤنس)، شخصية أخرى غامضة ولكنها مؤثرة جداً على المشهد وتُظهر العديد من التشابكات في المصالح، (مؤنس) يكرهها جداً ولا يحتمل وجودها، لأنه في الواقع أن (مؤنس) “أي الإسلام السياسي” قد قتلها في الماضي!
أم مؤنس تمثل مصر في عصر السادات، عصر الانفتاح وإعطاء الفرصة للإسلاميين ورؤوس الأموال، ويرى الكثير من المحللين أن مصر السادات هي الأم غير المعلنة للإسلام السياسي لأنها أعادته للحياة من جديد في المشهد السياسي المصري.
حتى جاءت لحظة معاهدة السلام مع إسرائيل “قد يكون مشهد رقص الباليه، حيث رآها مؤنس في طفولته ترقص مع شاب غريب، هو تلك اللحظة بالذات” فحدثت القطيعة بين مصر السادات والإسلام السياسي الذي اغتال رأس نظامها في عرض مذاع مباشرةً على الهواء.
(بدر بيه) “أي رأس المال” وصف (أم مؤنس) بأنها لطيفة لطفاً نادراً، لأنه يحبها بكل تأكيد، فقد جاءت بعد سنوات عجاف من اشتراكية مصر عبد الناصر.
ظهر (أبو حازم) في الأحداث كرمزية للمؤسسة العسكرية المصرية بعد مجيء (هنا) مع زوجها (مؤنس) لمصر، وبعد سماعه عن قصص وغراميات (حازم) مع (أمينة)،
فغيّر قفل باب البيت وأظهر رفضاً قاطعاً لكل ما يفعله حازم ووصف علاقته بـ(أمينة) “أي مصر جمال مبارك” بالعلاقة المحرّمة، بل وطرده من البيت، في مشهد يمثّل تخلّي المؤسسة العسكرية في مصر عن ابنها (نظام مبارك).
كتبتُ هذا المقال ولازال المسلسل يُعرض وقد وصلنا اليوم للحلقة الرابعة والعشرين، والأحداث ستنهال علينا بشكل متسارع الآن ونتعطش للمزيد بكل تأكيد. ولكن بإمكاني شرح المعنى المقصود حسب وجهة نظري لاسم المسلسل، فلعبة نيوتن هنا مقصود بها لعبة قوانين الجاذبية والسقوط الحر، وسقوط الأنظمة المصرية المتعاقبة..
حفظ الله مصر وسائر بلداننا.
“وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ” – آل عمران (140)

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية